الجنوب طوق نجاة اليمن

نجيب غلاب
2010 / 5 / 30

أفحص الواقع ولا أجد شيئا يوحي بالحياة الحرة، أبحث عن نور جديد فلا أجد إلا أوحال الضياع والفساد والحرب على أقوات الفقراء، أبحث عن مدنية وفكر أنساني مستوعب لعصره فلا أجد إلا شعارات زائفة أو نزاع على أفكار ماضوية قد أكل عليها الزمن وشرب، وأبحث عن قوة حيوية تعبر عن القوى المدنية الضائعة في بلاد اليمن فلا أجد إلا الوهم يتعلق فيه التائهون ليزينوا وجه الفساد القبيح، فالقوى المدنية بواقعها الراهن تنتهك طهارتها مراكز قوى عابثة لا همّ لها إلا امتصاص الحياة من عروق أرضنا ومن اروح أبنائها.
كثير من أبناء اليمن لم يعدّ يطيق العيش في الماضي، يريدون يمنا حرا الكرامة الانسانية هي أصل وجوده، لن أبالغ أن قلت أن الأمل الوحيد صار في الحراك الجنوبي لذلك فالجميع يسعى إلى تدميره لتحقيق مصالحه الانانية، فمن يريد شنقة بالوعي القبلي والتعنصر ومن يريد شنقه بالعنف والتطرف ومن يريد ذبحة بالارهاب ومن يريد تشتيت طاقته بالصراعات الداخلية، ومن يريد التحكم فيه لإعادة انتاج الماضي، أن الحراك مركز التغيير القادم أن تم أخراجه من الفراغ الحالي الذي يعاني منه.
وهنا لابد من الإشارة أن النقد الذي أوجهه للحراك الجنوبي أو المحاولات التي حاولت من خلالها تحليل خطاباته المتطرفة وفهم صراعاته الداخلية كانت محاولة لكشف الدمامل التي تنمو في مسيرته وتحاول تشويه وجهه المدني، ولم يكن الهدف إذائه أنما محاولة لتحريره من إعادة انتاج التخلف وحتى يتمكن من الإتجاه إلى آفاق حرة متقدمة مصاغة بنزعة انسانية ووطنية نظيفة ونقية.
وهنا لابد من فهم ماذا يعني الجنوب؟
الجنوب اليمني ليس حيز جغرافي قبائلي بل فكرة مدنية أنسانية نستقي منها المستقبل ونلتجيء إليها بحثا عن الإبى والتحدي ومن خلال نضالاته نحلم بالحرية والعدالة والمساواة، ومن جانب آخر الجنوب ليس تكتل عنصري بل تمدد بشري في الشمال وفي الخليج وفي جنوب أسيا وفي افريقيا ..الخ أنه طاقة مسكونة بالحياة وبالحلم وهو تمدد يمني إنساني مرن منتشر في المعمورة، وهو معنى يعبر عن الهوية اليمنية في التاريخ وفي الماضي القريب ومن أحشائه ستولد هوية يمنية مستوعبة لحاجاتها ومتفهمة لعصرها، ولن نصاب باليأس نتيجة الواقع الحالي للحراك، ومثلما كان الجنوب وعدن قلب اليمن وروحه المدنية الحرة مأوى لكل أحرار الشمال قبل الوحدة فإنه مازال الأمل الذي يبعث الحياة في أروح كل حر في شمال اليمن وجنوبه ولدى كل مغترب وعند كل يمني يحن إلى أرض الاجداد رغم أنتمائه إلى هوية أخرى.
أن محاصرة الجنوب اليمني بمقولات وتنظيرات مهمومهة بلحظتها الراهنة وبنتائج الصراعات السياسية التي انتجتها قوى المصالح الأنانية دون إدراك لواقع الجنوب التاريخي ولمستقبل اليمن المنشود هو قتل لطاقته لأنسانية ولخبرته ولمدنيته ولامتداده البشري خارج الحدود، كما أنه محاصرة وخنق لقوة حيوية بإمكانها أن تحول اليمن إلى أفق مفتوح على العالم.
وهنا أقول أن اليمن لن ينتصر إلا بالجنوب ولن ينفتح اليمن على العالم إلا بتغيير النظرة وآليات النضال، والتغيير يبدأ من الداخل وفي هذه اللحظة لابد أن يتواصل الحراك مع القوى المهمشة والمظلومة في محافظات الشمال ويتواصل مع امتداده الخارجي المالك للثروة والخبرة، وهذا التواصل لن يتحقق ويحقق نتائجه المرجوة إلا وفق مشروع وطني حر مهموم باليمن وبكل أبنائه ولا مانع أن تكون القضية الجنوبية قلبه ودمه.
أن البداية هي بتحرير الحراك من النزعة الانعزالية وحمى الإقصاء وخطاب الغضب التعبوي الذي يبعث الغريزة ويحاصر العقل، وأيضا بتحريره من افقه العنصري المعادي لإخوانه الذين هم قوته وسنده وامتداد فاعليته وطريقه إلى بناء قوة عملاقة لإنقاذ اليمن من واقعه البائس، نريد حراك جنوبي يحكمه العقل والعاطفة الجنوبية الهادئة والرزينة وروحه الله والحرية والإنسان والوطن والعدالة، وهذا لن يتحقق ما لم يتمكن الحراك الجنوبي من فتح أبوابه للحرية والسعي إلى بناء مشروع جديد وبأفق أنساني ووطني.
وهذا المشروع في حركته الوطنية ستكون القضية الجنوبية هي الدافع الأكثر قوة لمده بالحياة في بداياته الأولى وسيتمكن من تجاوزها بحلها وتحقيق كل الأهداف المرجوة ليصبح اليمن وتقدمه هي نهاية المشروع ولو بعد حين، وسيكون الجنوب أرض وأنسان هو الدينمو الذي سيقود قاطرة اليمن الحر مستقبلا بإذن الله.
على المستوى العملي كمواطن يهمه أمر اليمن ومستقبل الحراك ومجروح حتى العمق بالظلم أقترح أن يتكتل الحراك ليكون جزء من الحزب الإشتراكي وهذه الفكرة سأتناولها في مقال قادم أم الأقتراح الآخر أن يتم تكوين الحزب الوطني الليبرالي أو الحزب الوطني الديمقراطي يضم كل تشكيلات الحراك ويضم إلى تكويناته القوى الليبرالية في الشمال خصوصا الشابة والقوى التي تتخلى عن أحزابها وتقتنع بمشروع الحزب على أن يكون رئيس الحزب وأمينه العام من المحافظات الجنوبية وأن تركز أهدافه في البداية على حل الإشكالية الجنوبية كمقدمة أولية لحل القضية الوطنية، وهذا لا يعني التمترس خلف القضية الجنوبية وعرقلة التحولات الأخرى فالنضال طويل والنصر بحاجة إلى صبر والتعامل مع السياسة وفق آلياتها المتعارف عليها ضرورة ملحة وهذا يتطلب إمتلاك القوة والإصرار ولكن وفق عقلية برغماتية حره مستوعبة لواقعها الداخلي والخارجي.
وهنا لابد من ملاحظة في غاية الأهمية وهي أن لا يتم تشكيل الحزب إلا بعد حوار ونقاش وتداول طويل حتى لا تتشتت القوى الحالية للحراك ولا يدخل النزاع بين قواه الحية، وعندما تصبح هناك إرادة حقيقية وقناعة بالفكرة من الأطراف الفاعلة ومن المناضلين ومن الجماهير تبدأ فاعلية التشكل والنمو والتمدد خارج الجنوب.
ومن وجهة نظري في مرحلة الانطلاق لابد أن يرأس الحزب قيادي جنوبي من القيادات التاريخية أو من تفرزه الديمقراطية، ولابد أن تتشكل قيادات في الصف الأول والثاني من القوى الشابة الليبرالية المناضلة والطموحة والصبورة والنزيهة والقادرة على مقاومة الإغراءات، وهذه القيادة حسب تصوري أن تم تكوين حزب الحرية جوهر شرعيته فإن واقع التحول سيخلق وبقوة الجماهير المظلومة في بنية الحراك قياداة نزيهة تمتلك العقل والنفس الطويل لتحقيق المشروع الذي سيتبناه الحزب، وعلى الحزب الجديد أن يعتمد على آليات ديمقراطية واضحة وشفافة فهي وحدها من ستخلق قيادات نزيهة ومعبرة عن أهداف الحزب.
وفي حالة تمكن الحراك من بناء حزب يمثل مشروعه الوطني فإن تحالفه مع التيارات السياسية المدنية كالحزب الإشتراكي خصوصا في ظل اتجاهاته الجديدة المتجهة نحو اليسار الليبرالي سوف يساعد على تشكيل رؤية وخط ثالث في اليمن منافس للمؤتمر والمشترك وهي كما ينطق الواقع قوى مهترئة ولن تشكل تحدي أمام القوة الجديدة فأبناء اليمن يبحثون عن الطريق الثالث الذي سيشكله الحزب الوطني الليبرالي الذي سيتمكن من حكم اليمن مستقبلا بالآليات الديمقراطية. وسيكون رائعا أن تمكن التحالف الجديد من استيعاب الليبرالية الإسلامية المستقلة أو التي ستتخلى عن أحزابها الماضوية البالية.
وعلى الحزب أن أراد تحقيق أهدافه أن يستوعب النخب التفليدية في الجنوب القبلية القابلة للمشروع ولابد من التشاور معها عند بناء مشروع الحزب الجديد وأن تسهم في خلقه وصياغته وأيضا القوى التجارية الباحثة عن مسار ثالث لخلق التوازن في البلاد بما يساعد على تأسيس دولة قانون التي سيتحقق من خلالها توزيع عادل للثروة وفق آليات ديمقراطية.
أن قوة الحزب الجديد أن تم بنائه رغم هواه الجنوبي وجنوبيته على مستوى القياداة والفاعلية لن تكون قوته في الجنوب بل في الشمال ولن تمانع القوى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في المحافظات الشمالية وهي في أغلبها قوى مهمشة وضائعة في صراع مراكز القوى من أن تمنح الحزب الجديد كحزب معبر عن اليمن وقضية الجنوب القوة الكافية لتحقيق أفكاره السامية الباحثة عن وطن حر يحقق الفرد فيه ذاته ويجد كرامته والمناضلة من أجل المواطنة المتساوية والتي لا يمكن تحقيقها إلا من خلال دولة مدنية مؤسسة على الحرية والعدالة.
أن الفكرة المطروحة في المقالة رأي مواطن يبحث عن التغيير وهي بحاجة إلى حوار وفحص ونقد من الجميع. أني أتعامل مع المسألة بطريقة حالمة لكنها من وجهة نظري عقلانية وأكتبها بضمير نزيه والأمر بحاجة من أخواننا في الحراك إلى تعقل وصبر وأنأة لأن الغضب لا ينتج إلا الشر.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير