يا معاذ لا تيأس فالحرية غالبة ولو كره الظالمون

نجيب غلاب
2010 / 4 / 15

لم أكن اتصور أن تتحول الدولة إلى هراوة لتكسير رؤوس المبدعين من أبنائها الأحرار، وملاحقة الباحثين الناضجين وزجهم في السجون، وهنا أشير أن الصراع السياسي على السلطة والثروة قد يولد عنفاً غير مبرر بين أصحاب المشاريع السياسية السلطوية، وربما يتم توظيف الحرية في صراع المصالح بطريقة انتهازية من قبل السياسيين، لكن ان يتم قمع واسكات كل صوت يحاول أن يفكر بطريقة مختلفة في فهم الثقافي فإنها كارثة مضافة تؤسس للاستبداد بوجهه البشع.
ما كنت اتوقع ان تتورط الدولة في إصدار حكم يقتل الحرية وأن تتحول إلى آلية بيد نقائضها، لقد أوضحت قضية معاذ الأشهبي ان المستبد بوجهه الثقافي هو صانع المستبد السياسي ومن يزين له قمع الحريات، لقد تحولت الدولة مع قضية معاذ الأشهبي كأداة قذرة وهزيلة في مواجهة العقل، وسلوكها يمثل انفلابا فكريا واخلاقيا على الدولة نفسها، إن زج معاذ الأشهبي كباحث رزين في ظلمة السجن بمحاكمة صورية حبكتها قوى مستبدة دليل واضح أن الدولة تتحرك خارج العصر وأنها لا تمتلك مشروعاً واضحاً وأنها تخنق هيبتها وتحاصر من يدافع عن مستقبلها، وتوظف آلياتها لصالح قوى تتحرك وهدفها امتصاص روح الدولة للانقضاض عليها لاحقا.
إن التيار الديني بوجهه المتطرف يمارس التكفير لمواجهة منطق العقل ويستثار بقوة ويمتلئ غضبا عندما يحاول أي طرف التحرك من داخل المجال الإسلامي نفسه، لأنه يعتبر ذلك أعتداء على حقه المطلق في تفسير الدين دون غيره، وتمثل مرجعيته الفكرية والعقدية المقياس الحق لأي قراءة، لذلك لم يتمالك نفسه أمام اجتهاد معاذ الأشهبي، المسألة ليست متعلقة بحماية الدين بل بالتحدي الذي فرضه معاذ، لقد انطلق معاذ من رؤية اجتهادية منفتحة ومرنة لحماية الدين، لم يكن معاذ خارج سياق القرآن والعقيدة بل يتحرك في عمقها محاولا طرح رؤية مختلفة في الفهم، وهنا جوهر المشكلة لأن التقليدي يحرم على الآخرين أي محاولة لاختراق ما يعتقد انه ملكية خاصة له، ويعتقد أن أي محاولة تفسيرية مختلفة مع رؤيته تمثل تحديا لموقعه ولسلطته المهيمنة على الجماهير، وتحديا لخطابه الديني الذي يحقق له المصالح الدنيوية. والمتابع لمختلف تكوينات التيار الديني التقليدي سيجد أنها غارقة في ماضويتها ولا يمكنها من أن تتجاوز مرجعيتها التراثية لأنها ستختنق وربما تموت إن برزت رؤى تجديدية مغايرة لمرجعيتها الماضوية، فالزيدي المتطرف مثلا لا يفهم الدين إلا من خلال أئمة آل البيت وهنا آل البيت ليسوا الاسماعلية او الاثنى عشرية أو السنة بل آل البيت الزيدية، والسني التقليدي أو حتى المتحرر من بعض معضلات الماضوية لا يمكنه أن يفهم الدين إلا من خلال السلف السني، لذا فإن أي محاولة للخروج بالدين من المرجعية التراثية للطوائف لتفعيل دوره كحركة انسانية تحررية لابد أن تواجه بقوة وحسم وعنف، لحماية الهيبة والنفوذ والمصالح. ولابد من ملاحظة أن كل الماضويات عبر تاريخها تعادي الحرية كطبع تكويني أصيل في طبيعتها، فالمرجعيات الماضوية نفسها لا تعادي قوى التحديث بل إنها متصارعة مع ذاتها فكل ماضوي لتفعيل سلطته يقصي ويشوه من لا يتشابه معه إلى حد التطابق، وكل طرف يكفر الآخر ويحاصره بالقوة التي يمتلكها، وهذه الآلية اتبعتها كل التيارات الدينية لحماية نفسها وحتى تتمكن من الاستيلاء على الجماهير قوتها الجبارة في مواجهة الخصوم وتعظيم الغنائم. من ناحية واقعية لا يمكن لأي فرد مهما ادعى أنه يدافع عن الحرية وهو غارق في مرجعية دينية ماضوية، لأنه يرى أن تفعيل الحرية خارج مجال الصراع على السلطة والثروة ستهدد نسقه كله والذي يمثل جسره للامساك بزمام السياسي، فتفعيلها في المجال الثقافي مثلا سيعيد ترتيب التحالفات ويجعل الصراع السياسي أكثر وضوحا وهذا يفقد الماضوي الكثير من تحالفاته ويجعله عاجزا عن ممارسة التضليل.
الحرية جرعة إلهية لإحقاق الحق، لأنها تفتح آفاقاً واسعة للعقل لفهم النص الديني وتخلق في مسار عملها مناهج نقدية تهدم عروش التزوير، الحرية تبحث عن الصواب في حركة مستمرة لا تنقطع لذا فإنها تُراجع كل منتج عقلي وتمارس عليه التشريح والتفكيك، وتعيد قراءة النص بما يخدم الناس ويجعلهم أبناء عصرهم، الحرية تتحرك لتخلق الإيمان من خلال الشك، وتتحدى الشك نفسه لتؤمن، وتتحدى الإيمان بالكفر حتى تؤمن، ولا ثبات أو جمود مع الحرية، إنها مسار ثوري لتخليق السعادة الإنسانية، وسعادة الانسان هي جوهر الأديان.
لم يكن معاذ الأشهبي إلا إنساناً يبحث عن حريته ويبحث عن سعادته من خلال التفكير، يتعذب في حريته ليخلق فردوس الإيمان الحر، هو مؤمن يبحث عن الحقيقة بتفعيل وجوده كإنسان يمتلك عقلاً وروحاً، معاذ ليس غارقاً في هموم السياسي، بل مثقف يبحث عن مستقبل مختلف لتجاوز هزائمنا المتشعبة في كل المجالات، يتحرك من خلال الثقافي لتحرير الأمة من الظلامية التي قيدتها وطمست عقلها وأعمت بصيرتها، حاول أن يفتح آفاقاً جديدة للنقاش والحوار حتى تتمكن الأمة من تجاوز الاستبداد الفكري والثقافي والسياسي.
ما يؤلمني أن قوى التنوير الإسلامية والليبرالية واليسارية تركته فريسة للاستبداد الفكري والثقافي والسياسي في مواجهة قوى التخلف الماضوية التي انتفضت بكليتها واستخدمت أذرعها في معاقبته، من منبر المسجد وتحريض الجماهير، الى مجلس النواب، الى النيابة العامة، الى القضاء، وتحولت الدولة إلى خنجر تذبح نفسها على صراخ خصومها، لقد أوضحت قضية معاذ أنها دولة يأكلها الوهن لذا فهي العوبة بيد قوى ماضوية انتهازية تفاوض السياسي لقتل الثقافي حتى تفوز في نهاية المطاف. أما الشيء الغريب أن منظمات المجتمع المدني تركته وحيدا في صحراء الخوف والابتزاز والقهر وظلت تراقب بصمت مريب، وهذا الصمت هو انتقام خفي يعبر عن مرجعيتها الاستبدادية المتحكم الفعلي بسلوكها، إنها في حقيقتها هزيلة وملحقة بالسياسي ووجهها الآخر لا يختلف عن الماضوي، قد تبدو في صراعها السياسي على الثروة والسلطة تمتلك زمام المبادرة في المواجهات السلطوية المتبادلة بين الحاكم والمعارضة، إلا أن المسألة الثقافية جعلتها راضخة لطبيعتها الحقيقية، إن قضية معاذ جعلت بعض منظمات المجتمع المدني "مجتمع مُدنّي" على حدّ تعبير القاصة المبدعة هدى العطاس.
تفاصيل قضية معاذ الأشهبي مرعبة وفيها وجدنا الدولة مستعبدة للقوى التقليدية في مواجهة الحرية، معاذ الأشهبي حر في سجنه أما المجتمع المدني الحامي والمدافع عن الحرية فليس إلا قوة انتهازية في صراع الساسة، ومشروعها الحداثي ليس إلا قناعاً مخادعاً بل سراب يحسبه العطشان ماء زلالاً.

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي