مرور عام على تنصيب أوباما والانتخابات النيابية في العراق!!

احمد عبد الستار
2010 / 2 / 16

لقد تعرضت هذه الأيام الكثير من وسائل الإعلام العالمية المرئية والمقروءة والمسموعة, لذكرى مرور عام على رئاسة أوباما السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية فقد نصب في العشرين من كانون الثاني من العام المنصرم 2009, ولسان حال الكثير من الناس يسأل ما الذي تغير خلال عامه هذا في السلطة. لقد تمحورت دعوته خلال حملته الانتخابية للرئاسة على عدة محاور, تشكل كما يرى المسائل الأكثر إلحاحا في السياسة الأمريكية القادمة, مثل سعيه لتهدئة الاحتقانات العالمية في أماكن كثيرة من العالم وأهمها الشرق الأوسط وهي سبب زيارته لمصر وخطابه المنمق الرنان في جامعة القاهرة, لكي تتمكن إدارته إعادة ترتيبات الوضع الاقتصادي الصعب للغاية بسبب الأزمة المالية الدورية التي تمر بها بلاده كأكبر بلد رأسمالي في العالم, ودعوته لسحب قوات أمريكا العسكرية من العراق وأفغانستان خلال جداول زمنية حددها, ووعده الشهير بغلق معسكر غواتنامو خلال سنة, الذي رفع رصيد أصواته الانتخابية بمعدل كبير وأعطى تصور بأنه داعي سلام, خلافا لسلفه بوش مشعل الحروب, هذه الحروب التي أدت إلى مقتل مئات الآلاف من الأبرياء في مناطق عديدة من العالم وخصوصا عند احتلال العراق وما تبعه من مسلسل دامي لا زالت فصوله الدامية مستمرة, حتى إنه منح جائزة نوبل للسلام ولما بعد ينهي سنته الأولى في السلطة (كما صرح بذلك رئيس اللجنة ثورنبيورن ياجلاند فى النرويج: إن أحدا لم يقم بالدعوة للسلام هذا العام مثل الرئيس أوباما، وان المعايير التي وضعها الفريد نوبل لهذه الجائزة تنطبق على أوباما بشكل كامل), ولو خضعنا ادعاءات أوباما لمقياس التحقيق, أي مطابقة الادعاءات الأولى أثناء حملته الانتخابية مع ما تحقق منها على أرض الواقع خلال سنة كاملة, لا نجد, مجرد إن الأمر يحتاج إلى مزيد من الوقت أو (ننتظر مهلة أخرى لنرى) مثلما يشيع من تعابير شتى في أدبيات سياسة التزوير الأمريكية المتقن, بل نجد تراجعا عن هذه التعهدات وتحت حجج مختلفة, فهو مثلا لا يحب أن يتحمل أكاذيب السياسة الأمريكية على عاتقه وحده لهذا خول بول بريمر التصريح بأن (سحب القوات من العراق عام 2011 مجازفة), واعترافه لأول مرة بأن إدارته قد لا تغلق معتقل جوانتانامو في الموعد الذي حددته في يناير/ كانون الثاني 2010.
قال في حديث أدلى به لقناة إن بي سي الأمريكية في بكين حيث واصل جولته الأسيوية: "جوانتانامو. لقد أخلفنا موعدنا."
وأضاف أوباما قائلا إنه لم يصب بخيبة أمل لأنه كان "مدركا لصعوبة المسألة".
لكن خيبة الأمل الحقيقية وغير المصطنعة تعرض لها ملايين المسرحين من أعمالهم بسبب الكساد الاقتصادي العميق الذي هز أمريكا من أساساتها, ولم تفلح إدارته حتى الآن من تجاوز الأزمة الاقتصادية داخل أمريكا, لأنها ضاربة في جذور النظام, ولم تكن عرض عابر من أعراض وعكة وقتية, هذه هي النتيجة الدورية للنظام الذي يسهر أوباما على حمايته, فقد تكلف أوباما أكثر الرؤساء الأمريكيين الثلاثة والأربعين الذين سبقوه مهمة الحفاظ على النظام في الداخل واللعب بهدوء في الخارج, وبناءا على هذا السلوك يبدو انه أكثرهم تعقلا وهدوءاً, ولكنه في الحقيقة أكثرهم نفاق. لا زالت أنظار الأمريكيين ترنو نحو تحسن الأوضاع الاقتصادية, ونحو الآمال الجزيلة التي أغدقها عليهم إبان حملته الانتخابية وخطاب القسم, بدون أي نتيجة تستحق الذكر, هذا التظليل والمكر هو النهج المميز للسياسة الأمريكية وقائمة عليه منذ تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية كدولة رأسمالية منذ ما يزيد على القرنين, تعتمد تظليل الناس كطريق للسلطة وتدعوه ديمقراطية, وعلى هذا النهج تحاول الطبقة الرأسمالية الحاكمة في أمريكا فرض هذا النظام كطراز عالمي على كل دولة أو نظام سياسي خاضع لها, وتثابر على تصويره كنموذج صالح لكل زمان ومكان, وهو ما بدأت فورا بتطبيقه في العراق بعد الاحتلال, ملهمة صنائعها السياسيين العراقيين كأول درس يجب تنفيذه في الميدان السياسي, كنسخة من خبرتها وتجاربها الطويلة في إنهاك الطبقات الفقيرة وإبعادهم بالتالي عن أي تأثير سياسي في رسم مستقبلهم.
لو تأملنا كيف خدعت الجماهير قبل أربعة أعوام بخرافة التصويت والانتخابات وكيف سارت الملايين إلى صناديق الاقتراع وعملية التزوير والترهيب الديني وأساليب الترغيب الرخيصة, وكيف انكفأت جماهير العراق بكل خيبة أمل وشعور اللاجدوى من كل ما عرف فيما بعد بالعملية السياسية, ونتائجها المخزية على جميع الأصعدة وخصوصا المسألة الأمنية وما تبعها من مجازر دامية, وتراجع الخدمات إلى مديات بعيدة لا يلوح في افقها أي أمل, بسبب الثقل الكبير الذي خلفه داء الأحزاب السياسية الحاكمة ألا وهو الفساد.
ترتفع هذه الأيام الأصوات المنادية بقوة لمقاطعة الانتخابات أقوى من كل مرحلة مرت سابقا, جميع الناس تسأل باستنكار "لماذا ننتخب", "وما الفائدة من الانتخابات" إذا كان الأمر لا يعدو كونه إلا مسرحية لمجيء دمى جديدة لا تختلف عن سابقاتها القابعة في البرلمان العراقي, أين الأمن والأمان, أين الخدمات, والعمل, والبطاقة التموينية, أضحت كل الوعود التي نادوا بها قبل الانتخابات الماضية أدراج أكاذيبهم المكشوفة, تعيش الجماهير على مسافة بعيدة من أجندة الأحزاب السياسية الحاكمة بكل طيفها المتلون, للجماهير مطالب, تمس وجودها وبقائها بشكل لا يقبل التأجيل والتلاعب, وللجماعات السياسية ونخبها المتكالبة على السلطة مأرب أخر غير الحاجات التي تنشدها الناس, والهوة تتسع يوما بعد يوم, بين من احترف الكذب والمواربة, وبين الجماهير البريئة المتطلعة للحياة.
بين انتخاب أوباما والانتخابات التشريعية في العراق, تكمن قواسم مهمة, في مقدمتها, رفع راية الإصلاحات والتغيير والتظاهر الشعور بحمية على مصلحة (الأمة), وبعد خداع الناس المتكرر بعد كل جولة انتخابية, العودة للتنصل والتراجع عن الشعارات والتعهدات بواسطة مهارة التبريرات المحكمة, وفن تيئيس الناس والطبقات والشرائح الاجتماعية والمضطهدة.
تبقى الديمقراطية بشكلها المتداول الحالي عمل وأسلوب قديم من أساليب الرأسمالية وهو في حقيقته أسلوب مراوغ, ولكنه مرهون بقدرة الطبقة الرأسمالية على الإمساك بزمام الأمور والسيطرة عليها, وكذلك قدرة الطبقات المضطهدة غير محدودة بفن تعلم التجارب ومعرفة كيف تحقق مطالبها عبر صناعة ديمقراطيتها الخاصة بها التي لا تحتاج للأقنعة المزيفة ولا تحتاج إلا لتمثل نفسها بنفسها.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية