لحماية الإسلام والمجتمع والدولة لابد من علمنة السياسة

نجيب غلاب
2009 / 11 / 10

الحركات الأصولية المسيسة عادة ما تعيد تفسير الدين بما يسهل لها فهم واقعها إلا أن القراءات التي تقدمها للواقع من خلال ذلك التفسير لا تنتج معرفة بل تخلق إيديولوجيا دينية صارمة ومتماسكة يتم تسويقها أنها الإسلام وهي إنتاج بشري ومن خلالها يتم تفسير الواقع وفهم المحيط بما يرسخ وجودها، وأي فهم يتناقض مع بنيتها حتى وأن كان فيه المنفعة للناس يتم نفيه وإلغائه.
فالإسلام السياسي عندما يتبنى التغيير فإنه يؤسس لتغيير ينسجم مع الإيدولوجيا وهذا يجعله في تضاد مع حاجات الواقع وتحولاته لأن الفكرة أصل وهي ثابت وجوهر ولا يمكن تعديلها لتنسجم مع الواقع، فالتغيير المطلوب هو تغيير الواقع لصالح الفكرة وهذا يخلق إشكاليات لا حصر لها، أقلها أن الإيدولوجيا في مساراتها النضالية للتغيير تنتج الصراع مع الواقع ويصبح الإستبداد نتاج طبيعي لمواجهه حركة الواقع التي تستجيب من خلال التفاعل المعقد للمكان والزمان.
وعندما تنادي الإصولية بالتغيير فإن التأسيس المعرفي المرتكز على منتجات ماضوية يعيد أنتاج الماضي، وقد يستغرب المرء للخطاب الذي يتم تسليحه بمفاهيم عصرية عند ممارسة السياسة إلا أن تحليل مضمون الخطاب وربطه بالعقلية الفعلية المنتجة له سيجد أنه خطاب رث وهزيل ومخادع فهو يتبنى الجديد المستقى من مرجعيات يعتقد الإصولي أنها مناهضة لمرجعيته المؤسسة لوجوده بل ويعتقد بكفرها، لذا فإنه يعيد قراءت المفاهيم ويمنحها معاني مغايرة لها ومتوافقة مع ماضويته.
والإشكالية الأكثر تعقيدا أن السياسة تتحول في البنية الإيدولوجية للإسلام السياسي إلى ممارسة دينية، ونتيجة لذلك تغدو ممارسة السياسة فرض على كل مؤمن يبحث عن خلاصه الذاتي في اليوم الآخر، فتصبح مواجهة المنافسين لدى الجسم المغرر به حالة حرب بين الحق والباطل، وصراع من أجل العقائد لا المصالح، ويعتقد المؤدلج يقينا أن وظيفة النضال هو الإمساك بالقوة السياسية لاستخدامها في خدمة الفكرة الدينية وهذا النضال لديه واجب ديني من يرفضه أو يعارضه يدخل دائرة الكفر، وهذه الطريقة تنتج مؤدلج يعتقد أن مسئوليته تتمحور في نشر الدين، وأثناء حركته يهيمن عليه اعتقاد وأن لم يصرح فيه أنه ممثل الإرادة الإلهية، فيتمكن اللاعبين المحترفين من مواجهة خصومهم بجيش يقاتل من أجل الرب.
ومن يتابع واقعنا سيجد أن أغلب الأصوليات المسيسة لم تعد مهمومة بالتجديد من خلال الثقافي أو المعرفي بل همّها الأكبر هو السيطرة على الدولة لتحقيق أهدافها بل والأخطر ان يوظف المعرفي الماضوي والمدعم بالآيات والأحاديث من خلال خطاب ثقافوي هزيل لصالح السياسي فيتم تجهيل الجماهير وتغييب وعيهم الحضاري كله في رؤى سياسية مشتتة وفارغة من أي محتوى إذا ربطنا المسألة بحاجات الواقع.
ونتيجة لماسبق فإن الواقع في تحولاته ينجر إلى رؤى ثقافية أخرى فإذا كانت البيئة متخلفة فإن الواقع يتجه إلى الثقافة الشعبية أو إلى مذهبيات ماضوية تعيد قراءة نفسها بطريقة أكثر تخلفا عن القراءات الأولى لأنها تقرائها بوعي القبيلة، أو إلى رؤى ثقافية معاصرة يتم إجتزائها دون تبيئة وهذا ينتج التخلف، وغالبا ما يقاوم الواقع سلبياته من خلال مقاومة تلقائية لصالح حاجاته ولأن لغة الحضارة الأنسانية التي انتجها العقل هي الغالبة فإنها تهيمن مع الوقت على كل مجالات الحياة.
المختصر المفيد أن توظيف الإسلام في السياسة لا يؤدي إلى تحكيمه بل إلى إضعافه وتجاوزه ليصبح رؤى ماضوية لا علاقة لها بالعصر وتحولاته، لأن الجهد كله يضيع في صراع المصالح ويُقتل الاجتهاد في بؤر مظلمة ينتجها كرادلة السياسة الرافعين لشعار الإسلام هو الحل، وهم في حقيقة الأمر تعبير عن قوى مصالح تبحث عن نصيبها في السلطة والثروة، أي أن جناية هذه الحركات على الحضارة العربية الإسلامية من أعظم المخاطر، فهي تعيق التجديد وتذبح الدين في محراب السياسة، وفوق كل ذلك تولد حالة من الإحباط لدى الناس لأنها تنتج الماضي وتقنع الناس بإن العصر ومنتجاته الفكرية لا علاقة لها بالإسلام وهذا يخلق تناقض لدى الفرد فهو يمارس العصر ولغته ويعتقد في الوقت ذاته أن منتجات العصر ليست إسلاميه وهذا يقتل الإبداع ويجعل المجتمع يعود إلى الثقافة التقليدية المتخلفة ويخوض العصر كمستهلك لا منتج، أي ان الحركات بتوظيف الدين في السياسة تعيق التقدم والتطور وتبعث إحباطا قاتلا لدى الناس وتعيق قدرتهم من استيعاب روح الحضارة الإنسانية التي ستمكن المسلمين من المشاركة والإسهام في إنتاج الحضارة المعاصرة بلا عقد.
لنعود لمسألة أستخدم الدين في السياسة سنجد أن الإصوليات المسيسة عندما تعجز من تحقيق غايتها في القبض على القوة من خلال السياسة وفق آليات سلمية فأنها تلجأ للقوة بإعادة تعبيئة المؤدلجين والعامة في حروب مدمرة بهدف إسلمة الدولة والمجتمع، وإذا سيطرت على الدولة سلما أو حربا فأنها تحولها إلى أداة لقسر الناس على رؤيتها، وتعمل على تنميط أفراد المجتمع وفق نموذجها الأصولي، وفي هذه الحالة ونتيجة لطبيعة التنوع في المجتمع، فأن السياسة تصبح مجال للصراع العنيف وقوة قاهرة للآخر، وهذا بطبيعة الحال يتناقض مع المسلمات الأساسية للدين كما هي في مصادره الأولية والتي تؤسس للحرية كمدخل جوهري لبناء القناعات، ويتناقض أيضا مع السياسة كمجال يقوم على الحوار والنقاش والاختيار الحر.
وما عمق من إشكالية توظيف الدين في السياسة رد فعل الحاكم المسلم لمواجهة الحركات الأسلاموية، فالحاكم يرى ان الدين الذي يقدمه الحركي متناقض مع صحيح الدين، وتصبح المؤسسة الدينية التقليدية كفيلة بمواجهة الإسلام الحركي وتخطئة مسلكه، فتنال دعم الحاكم ويصبح الزعيم المؤمن شعار لمواجهة القوى الأصولية ذات المطالب السياسية، فتعيد المؤسسة الرسمية صياغة أصولية بطريقة مختلفة لكنها في نتائجها تعمل هي الأخرى على تحويل الدين إلى أيديولوجيا سياسية لتصبح هي الدين ومن يخالفها كافر، أي أن الحاكم في مواجهة الأصولية يسهم في خلق أصولية.
ولمواجهة إشكالية استغلال الدين في السياسية في ظل واقع لا يمكن فيه تجاوز الدين فان الحل يكمن بفصل السياسة عن الدين، بما لا ينفي الدين، بمعنى أن يظل الدين مسألة ثقافية مرتبط بالإفراد وأن تمارس السياسة باسم السياسة لا باسم الدين، أي ان يناضل كل فرد أو جماعة من أجل قيم عقلانية تهدف لتحقيق مصالح الأفراد والمجموع بإبعادها المادية والمعنوية.
وعزل المسألة الدينية كمجال ثقافي، عن السلطة السياسية كمجال للصراع على المصالح، لا يعني تناقض الدولة مع الدين، فالسياسي الساعي للسيطرة على القوة السياسية لا يرفض الدين ولا يقف ضده، ولكنه يمارس السياسة باسم السياسة لا باسم الدين، وذلك من خلال برنامج يدافع عنه، والبرنامج قد يكون ذا مضمون ديني لكن دون التأكيد ان برنامجه حق مطلق، ولكنه أكثر صوابا في معالجة مشاكل الواقع من وجهة نظر أصحابه.
وفصل مجال الدين عن مجال السياسية لا يعني أيضاً استبعاد الدين وعزلة عن حركة الحياة، فالقوى السياسية هي تعبير عن المجتمع، وقوى المجتمع الحية عندما تتصارع على الموارد، لابد أن تكون محكومة بالثقافة المهيمنة على المجتمع، فإذا كان الدين محدد جوهري في ثقافة المجتمع فان قرارات الأفراد وصانعي القرار لابد ان يتأثروا بتلك الثقافة.
وهذه الطريقة تحرر الدين من الاستغلال وتجعله فاعلا في حياة الناس وقادرا على التوائم مع مصالحهم وحاجتهم، كما أن هذا الفصل العملي يتجاوز إشكالية التناقض بين السياسة والدين، وتحرر الدين من الوعي الأصولي المؤدلج الذي يقدم الدين كبنية ماضوية مغلقة، وأيديولوجيا فكرية نهائية منغلقة على العصر.
وهذا الفصل ضروري لتجاوز مشكلة الوعي الأصولي في سعيه الحثيث لتسييس الدين لأن هذا التسييس يحول الدين من قوة جامعة للناس لا خلاف حول مبادئه رغم تعدد التفسيرات والاتجاهات الفكرية داخلة، إلى قوة مشتته ومفككه للمجتمع، ويجعل القيم الدينية محل خلاف ونزاع وصراع.
فالقوى الأصولية المؤدلجة غالبا ما تتجاوز واقعها وتنسى مصالح الناس وتعمل على فرض رؤيتها الدينية على المجتمع وتجعل من ذلك أولوية، وهنا ينتج داخل المجتمع صراع لا على الموارد بل حول القيم الدينية، وهذا يُدخل الجماعات في صراعات وتناقضات عميقة، فالقوى الأخرى في المجتمع تضطر لرفع السلاح نفسه لتقاوم باسم الدين القوى الأصولية وتخلق أصوليتها وهذا يذكي الصراع وتصبح السياسة صراع على العقائد.
إلى ذلك عندما يتحرك السياسي باسم الدين للسيطرة على الدولة فانه يفقد الدولة معناها الحقيقي، وتتحول الدولة إلى قيمة دينية، وأداة بيد رجل الدين، كما أن السياسية عندما تصبح دين تتحول الدولة إلى قوة قاهرة للمجتمع باسم العقيدة، وتصبح الدولة دولة عقيدة، وهذا يمثل أعظم مداخل الاستبداد لأنه يلغي فكرة الحرية لصالح رؤية إطلاقية لا تعبر عن حقيقة الدين، وإنما عن رؤية من أدلج الدين وجعل منه سياسية، وفي هذه الحالة فأن الأفراد مجبرون على أتباع الحاكم لا باعتباره معبر عن مصالحهم ولكن باعتباره ممثل الشريعة والعقيدة ومعبر عن إرادة الله وتصبح طاعته واجبة بصرف النظر عن انسجامها مع حاجات الناس ومصالحهم.
لذلك نؤكد أن تجاوز هذا المشكل يكون بممارسة السياسية باسم مصالح الناس وحاجاتهم لا باسم الدين، وهذا لن يؤدي إلى تجاوز الدين، فبحكم تدين المجتمع الصانع للدولة، فإن الماسكين على القوة، لا يمكنهم تجاوز الدين عند صنع السياسات، فشرعية العاملين في الدولة مرتبطة بحرية اختيار الناس لهم، هنا يصبح الحاكم ملزم بالاستجابة لرغبات الناس وحاجاتهم المادية والمعنوية، وهذه الاستجابة ليست مبنية على رؤية إيديولوجية بل على رؤية عقلية تفهم الواقع كما هو، وهذا ما يجعل منها استجابة متوافقة مع طبيعة الناس وفلسفتهم للحياة ومع مصالحهم الواقعية.
في تصوري إن المتدين الحقيقي في ظل تجربتنا التاريخية وواقعنا الراهن والذي يريد لدينه الفلاح والصلاح والنصر عليه أن يتحرك في المجال المستقل عن صراع السياسيين ويتحول إلى داعية إصلاحي في مجال الأخلاق والاجتهاد في كافة المجالات وان يطور رؤى فكرية إبداعية تنسجم وتتطور مع حراك المجتمع ويترك السياسي يختار البرامج التي تناسبه باسم السياسة لا الدين والحرية هي الكفيلة بجعل المجتمع يختار ما يناسبه.
نشرت هذه المقالة بعنوان سابق واعيد نشرها بعد توسيع أفكارها والقيام بتعديلات جوهرية لتوضيح أهمية فصل السياسة عن الدين لأن زميلا اعتبر طرحا كهذا إساءة للإسلام ولست مهموما بالاتهامات الأخرى لانها شخصية ولا علاقة لها بالنقاش، ومن جانب آخر محاولة مني لتوضيح فكرتي لأستاذي الكريم الذي اعزه واحترمه كثيرا الدكتور/ محمد عبدالملك المتوكل، وكانت مقالته في صوت الشورى التي احتوت النصح والخوف والتشكيك بإدب رفيع في مصداقية طرحي في المقالة التي دعوت فيها إلى الغاء الاحزاب الدينية وتأسيس احزاب مدنية وحللت فيها ملامح للصراع السياسي التي نشرت في صحيفة حديث المدينة وفي الحوار المتمدن حيث ختم الدكتور العزيز المقالة بإتهام وألمح أن لي اهداف خفية من هذا الطرح ولو كان أستاذنا العزيز أطلع على مقالتين سابقتين لي في صحيفة الوسط عن التيار الديني القبلي وعن الصراع على الكرسي التي تناولت فيها مسألة التوريث لإدرك ابعاد طرحي، كما أني أذكر ان الدكتور عادة ما كان يكرر ما معناه أن مشكلتنا ليس مع الحاكم وأنما كيف يحكم، ولا يختلف معي الدكتور أن الجميع متفق أن نظامنا جمهوري ولا مكان للتوريث فيه والدستور هو الحكم بين الناس، وبدل خلق وهم أسمه التوريث للتعمية عن قضايانا المهمة وتقديم توصيفات خيالية من قبل البعض للأزمة يجعل السياسة مناكفة، والنوريث حسب تصوري ليست إلا أزمة أخوانية وتعبر عن خوف من قوة الفاعلين الجدد في الساحة السياسية، وفي تصوري ان المطالبة بآلية انتخابية عادلة وشفافة أكثر اهمية، ومن لديه القدرة لحكم البلاد ما عليه إلا أن يرشح نفسه استنادا إلى الدستور والقوانين، والشعب هو صاحب القول الفصل. أما فيما يخص العلمانية فالعنوان في جزئه الثاني للمقالة كان واضحا " دعوة لإلغاء الاحزاب الدينية .. لا حوثية لا أخوانية .. الدولة المدنية هي الحل".

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير