لماذا الدولة المدنية؟

نجيب غلاب
2009 / 11 / 1

الإجابة على هذا السؤال بحاجة إلى بحوث ودراسات كثيرة إلا أن محاولة الإجابة عن السؤال في مقال صحفي يظل مهماً لتشغيل العقل وإثارة الفكر، كما أن الإضاءات على الدولة المدنية في ظل هيمنة الثقافة المناهضة لها مسألة في غاية الأهمية، خصوصاً وأعداءها أصبحوا دعاة تغيير ويستندون على القيم التي تؤسس لها ولكن وفق قراءات تؤسس لنقائضها، كما أنهم يقودوا تمردات علنية وباطنية مهددة لمستقبلنا ويتخفون خلف الشعارات المدنية، والعجيب أن القوى المدنية تلهث وراءهم دون أن تتبين طريقها القويم.
في البداية نؤكد أن كل إنتماء تعصبي متحيز للجماعة وللذات أياً كانت هذه الجماعة بما يناهض القيم الإنسانية هي إقصائية وجبرية ونافية للآخر ولا يمكنها أن تؤسس لدولة مدنية، بعكس الانتماء المدني فإنه يحمل في بنيته احترام الإنسان باعتباره إنساناً والتسامح جوهر بقاءه ومنه يستمد سموه وعلوه فهو يقبل الآخر ويدافع عن حقوقه ويحاول جاهداً خلق قيم العيش المشترك لخلق السلام والأمان، أما الانتماءات غير المدنية فإنها تقوم على التغاير والتمايز النافي للآخر بل والمفاصلة الكلية معه في حالة الأصوليات، والذات العصبية لا تبرز وتشعر بالتميز والعلو إلا من خلال تشويه وتحقير الآخر.
ومن يتابع واقعنا سيجد أن الانتماءات المادون مدنية تؤسس لقوتها على الفعل السلبي إما باحتقار الآخر وتهميشه أو بالاعتداء عليه في حالة امتلاك القوة المادية، وهي عادة ما تفرز العنف تلقائيا أثناء عملها، وعادة ما تشوه فاعليتها الحياة العامة فعندما تستولي على الدولة تنتج الفساد وتجعله منه طريق لكسب منافسيها أو المتحدين لسلطتها، وهذه الانتماءات تدمر الثقافة العصرية وتؤصل للقيم التقليدية لترسيخ وجودها لذا فإنها تتعامل مع الوعي المدني كقوة مضادة وتعمل على تهميشه وتشويه أما من خلال الدعاية السلبية إو من خلال تبني القيم المؤسسة له كزينة لتغطية الوجه القبيح للثقافة العصبوية.
أما المؤسس الفعلي للولاءات الدنيا فهو الوعي القبلي ويظهر بتجليات مذهبية وعرقية ومناطقية وجغرافية وهذا الوعي من ناحية واقعية يناهض ويتحدى الفكر الإنساني حتى وأن أدعاء غير ذلك لضرورات أنتهازية، فالوعي القبلي من ناحية فعلية وبحكم تركيبته ولأن العصبية جوهر حركته لذا لا يمكنه أن يقدر الآخر أو يتسامح معه لذا ستجد أن كل جماعة تعلي من تاريخ آبائها ومن فعل رموزها وتصنع لنفسها أساطير وأوهاماً لتعبئة أعضائها، ولا يمكن تمييز الجماعة إلا بتحقير الآخر وتشويه صورته وتدمير أساطيره، حتى القوى المدنية التي ترفع شعارات الكراهية والحقد ضد الآخر فإنها تعاني من مرض عضال بل يمكن القول إنها مازالت خارج نطاق المدنية وتعيش في وحل العشائرية.
وعظمة الوعي المدني أنه يتحيز كلياً للإنسان ويفهم واقعه بعقلانية وتوصيفه للواقع يقوم على معايير علمية واضحة، لذا فالمدني ليس مهموماً بالتقسيم الاجتماعي والانتماءات الدنيا بل يدافع عنها ويحاول أن يمنحها حقوقها لكن في ظل الأفكار الجامعة للوعي المدني بمعنى أنه مهموم بحقوق الإنسان أي إنسان وبحرية الفرد وبحقه في التعبير عن نفسه، ويعمل على بناء القيم المدنية وتحويلها إلى جامع مشترك للمواطنين، لذا تجد المدني الحر من أبناء تعز يناضل من أجل حقوق أبناء الضالع ومأرب وحضرموت لأنه مهموم بالوطن كله بالإنسان أين ما كان والحر من أبناء الضالع أو حجة أو صنعاء .. الخ يسلك نفس السلوك.
يمكن القول هنا إن الانتماءات المتنوعة للأفراد كوجود طبيعي وتاريخي وحتمي لا يمكن نفيها أو الحد من مخاطرها إلا بغلبة الوعي المدني الذي من خلاله يمكن للفرد أن يحقق وجوده، فالوعي المدني في جوهره وعي يمنح الفرد الحرية الكاملة في تحديد خياراته ويتسامح مع كل انتماءاته وأفكاره، بعكس الوعي القبلي بتجلياته المذهبية والمناطقية والجغرافية فهو من ناحية فعلية وعي لا علاقة له بالمدنية ويمثل من العوائق الكبرى لبناء الدولة الوطنية الجامعة، ومن يلاحظ واقعنا اليمنيي سيجد أنه أثناء عمله يؤسس للصراع والنزاع في المجتمع اليمني، وليس مهماً أن يتحرك في ظل قيم إيجابية ومن يتابع فاعليته الراهنة سيلاحظ أنه أصبح مناهضاً لحركة المجتمع وطموحاته، ولن نتخلص من كل القيم المناهضة للسلام إلا بالثقافة المدنية وبناء الدولة على أسس مدنية.
فالتجربة التاريخية المعاصرة تؤكد أن الدولة المدنية تنتج السلام وتعيق ثقافة العنف لأنها تؤسس لنفسها على الحرية وحق الناس في حكم أنفسهم وتخلق حراكاً اجتماعياً قوياً وفاعلاً مؤسس على الحرية والمبادرة الفردية، وفي الدولة المدنية يأخذ كل ذي حق حقه لأنها تقوم على المساواة أمام القانون وتعطي المبدعين المجال لتطوير إبداعاتهم، فالكفاءة هي المبدأ الأصيل في تحديد موقع الفرد، فكل يأخذ حسب إبداعه وكده وجهده والأبواب مفتوحة أمام الجميع، كما أن العدالة هي الفكرة المحورية التي تقوم عليها الدولة المدنية، فهي لا تهتم بعرق الفرد أو منطقته أو مذهبه أو دينه أو قبيلته فالجميع يتمتعون بالحقوق نفسها باعتبارهم بشراً متساوين، ومن المهم أن نؤكد أن الدولة المدنية تقوم على الرحمة والعطف لأنها تساعد المحتاج وتخدم المجتمع وتساعد المجتمع على تعمير مكارم الأخلاق ببعدها الإنساني والديني.
فالبعض قد يعتبر الدولة المدنية معيقة للقيم الإخلاقية لأن الحرية والفردية مرتكزات مهمة في بناء المجتمع الذي يكونها إلا أن الواقع يؤكد أن الأخلاق الفاضلة مهمة إذ بدونها لا يمكن توليد السلوك الحضاري الراقي، وباعتماد الدولة المدنية على الانتماء الإنساني فإنها يجعل الود والاحترام المتبادل والحب ومساعدة الآخرين قيماً محورية، والأنانية التي يولدها التنافس الطبيعي بين الأفراد يتم تقويمه بالسلوك الحضاري الذي يتولد تلقائيا في الدولة المدنية، فالفعل الإنساني يولد الصراع والتنافس إلا أن الثقافة المدنية تولد سلوكاً حضارياً يساعد الفرد على تجاوز نزعاته الشريرة ومن كان معادياً للمجتمع مخالفاً لقوانينه وأنظمته فإن الدولة هي الكائن الأسمى الخادم للمجتمع التي تقوم بضبطه وحماية المجتمع من شره، أما من يقاوم السلوك الحضاري المتوافق عليه عرفياً بين الناس فإنه يفقد احترامه ويفقد ثقة الناس فيصبح منبوذاً محاصراً، ومن يتابع واقع المجتمعات التي تحكمها دول مدنية سيجد أن الثقافة المدنية تنتج الخيرية وتملأ قلوب الأفراد بالقيم الإيجابية والتي تتولد في حركة الحياة التي يخلقها المجتمع وعبر التعليم والدعاة والمصلحين، وهنا لابد من ملاحظة أن لا تناقض بين القيم الدينية والمدنية فكلاهما يخدم الإنسان وينفعه ومصدر كل القيم الله سبحانه وتعالى الذي أعطانا الدين والعقل، كما أن القيم الدينية تتحول في ظل الدولة المدنية التي تعتبر قيمة التسامح من مبادئها العظيمة إلى قيم حضارية تؤسس للخير العام والرحمة والحب والرأفة ولا تنتج العنف بل السلام.
وهنا لابد من ملاحظة مهمة ففي واقعنا يؤدي الانجرار وراء الفوضى إلى عرقلة بناء الدولة المدنية والأخطر أنها تخرج من بين أحشائها الاستبداد لأن التحولات في منطقتنا العربية في ظل أوضاع أضعفت من المسألة المدنية وسهلت لنمو الحراكات الأصولية فإن إضعاف الدولة وتكاثر حالات التمرد لا يساعد على البناء المدني بل يضعف الفكر المدني لصالح الأفكار التقليدية القبلية والدينية والتي تتوافق عادة مع الإستبداد الذي يوظفها لصالحه، وهذا يساعد على ترسيخ الفساد ويساعد عدم الأكفاء والانتهازيين على استغلال الأوضاع لصالحهم ويشجع القوى الفوضوية على استغلال واقع المجتمع والدولة لصالح مشاريعها العديمة.
والإشكالية الكبرى أن بعض القوى قد تتبنى في خطابها قيماً مدنية لحجب خطابها التقليدي المؤسس على التعصب المذهبي الرافض للآخر والمعادي له، وهذا الخطاب قد يخدع بعض القوى المدنية الناضجة إلا أن حركتها المتضمنة للعنف في بنيتها يجعلها قريبة من الحركات الأصولية العدمية التي تتبنى العنف كاستراتيجية لتدمير خصومها.
ومن المهم أن تنتبه القوى المدنية في مواجهة خصومها وأن تقاوم إضعاف الدولة أو السعي لتدميرها بل إلى إصلاحها وفق القيم الناضمة للوعي المدني فالفوضى عندما تنتصر ينتعش الاستبداد القذر بوجهه العقدي المتطرف. مع ملاحظة أن إضعاف المسألة المدنية بالاستبداد وبالتمرد والتأسيس للفوضى نهايته الحتمية تفشي ثقافة العنف في المجتمع وعندئذ سوف تصبح الحركات الأصولية هي البديل لأنها تتمكن في لحظات الفوضى من إعادة تنظيم العنف من خلال قواها المنظمة بطريقة سرية وتوجيه المجتمع بكليته إلى خلق الثيوقراطية الدينية وتحويل الدولة الدينية إلى حل خلاصي.
أكثر القوى تخوفاً من حالة الفوضى هي القوى المدنية لأن الفوضى هي المقدمة الأولى لإلغائها وتدميرها، فالفوضى لا تساعد القوى المدنية على الفعل لأنها لا تعمل إلا في ظل بيئة آمنة، ورغم أن الدولة في بلادنا في ملامحها الراهنة تعاني من إشكاليات كثيرة وفعلها قد يبدو بعيداً عن طموح حملة المشروع المدني إلا أن التحولات التي تنمو في أحشائها وببطء شديد خير من الفوضى المدمرة، مع ملاحظة أن محاولات إضعاف الدولة من قبل القوى المتمردة في المجتمع أو القوى التي تعمل في الدولة بمناهضة القانون والقيم الدستورية المؤسسة للدولة لا يضعف الاستبداد بل يقويه ويرسخه.
وعلى القوى المدنية أن تدرك أن القوى المناهضة للمدنية عندما تفوز فإن السياسي أمام خيار إما فقدان المصالح أو البقاء وإعادة التحالف مع القوى الفاعلة في الساحة التي سوف تمنحه القوة في التحكم بالناس، وتكون الخدمات متبادلة وقائمة على مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، فمن خلال السياسي تحقق القوى الأصولية مصالحها ويظل لديها أمل الانقضاض على الدولة لاحقاً، أما النخب القبلية لدينا فإنها تقاتل مع الطرف الذي ترى أنها سوف تكسب من الوقوف معه ولا هم لها إلا الغنيمة والتسيد على ضعاف المواطنين.
لا خيار أمام القوى المدنية إلا أن تتحرر من ضعفها بإعادة بناء تحالفاتها مع أقرب القوى التي ستحقق المستقبل الآمن، وهذا لن يكون إلا بمواجهة حالة الانهيار التي يحاول البعض الدفع نحوها، وفي تصوري أن القوى المدنية في هذه اللحظة الحاسمة بحاجة ماسة لإعادة ترتيب صفوفها بما يحقق الحد الأدنى من طموحاتها، والحد الأدنى في اللحظة الراهنة هو المحافظة على الجمهورية والوحدة والديمقراطية، ولن يتم ذلك إلا عبر دولة القانون، وهي المقدمة الضرورية التي سوف تسهل للثقافة المدنية أن تنتشر، وهذا سوف يساعدها مستقبلاً على تحقيق الغاية الفعلية من الجمهورية والوحدة والديمقراطية وهو خلق التقدم النافع للإنسان والمستجيب لمتطلباته وحاجاته.
ومن الضروري أن لا تصاب القوى المدنية باليأس لأن ذلك سيجعل فاعليتها ضعيفة واحتمال كبير أن تتجه نحو التدمير أو أن تتحول إلى أداة قذرة بيد من يريد تدميرها وتزيين القباحة بالنور المدني وهذا الخطأ الجسيم هو البداية الفعلية لانتصار نقائضها وهيمنة الاستبداد، عليها أن تتحلى بروح الأمل والتفاؤل فالحراك العالمي يعمل لصالحها والطاقة الإنسانية التي أنتجها العصر ستمدها بالقوة اللازمة إذا تمكنت من الانتصار على نفسها وتجاوزت صراعاتها الراهنة وجددت من نفسها ومن المهم كبت غيظها من سوء الواقع الذي تتحرك فيه وهو قريب منها وتحتاجه من أجل خدمة التحولات، وهنا أؤكد أن البعض قد لا يتمكن من تحصيل مصالحه المادية الضرورية في اللحظة الراهنة، المسألة بحاجة إلى صبر وإرادة وتضحيات وتقديم تنازلات من أجل مستقبل أكثر أمناً، ليس مهماً أن نتحول إلى رحم معذب من أجل وليد قادم يحمي الأجيال القادمة من ضياع محقق.
وهنا أؤكد على مسألة في غاية الأهمية أن القوى الفاعلة في بنية الدولة ستكون هي الخاسر الأعظم في حالة انتشار الفوضى أو في حالة انسياق بعض رموزها وراء أوهام الأصوليات المدمرة لأن التحولات الإقليمية والعالمية لم تعد قادرة على استيعاب القديم البالي أنها تبحث عن نور الأمن والاستقرار ولا تقبل إلا من ينتج ويعطي ويشارك بفاعلية في صناعة الحياة، ولا صناعة للحياة إلا بلغة العصر وقيمه الإنسانية الراقية، وهذه القيم لن تؤسس إلا بمشروع مدني يحمي الإنسان ويخدمه ويستجيب لحاجاته ومتطلباته، مشروع يحول الدين من مذهبية منتجة للصراع والعنف إلى لغة منتجة للحب والسلام والتسامح، وهذا لن يكون إلا بدولة مدنية فمتى تفقهون؟




محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير