تقديس الشيخ ولعن الدولة .. نخبة القبيلة ضد المساواة والحرية

نجيب غلاب
2009 / 8 / 17

مشكلة القبيلة في اليمن عندما يحكمها شيخها فإنه يهيمن عليها وهو مهموم بمصالحه لذا فأنه يدفعها لتفكر خارج إطار المواطنة ويحاول أن يحرضها ضد النظام أو القانون طالما والفوضى هي طريق تحقيق المصالح، وبصرف النظر عن ملبسات أحداث أبين الأخيرة فإن وعي القبيلة في تحالف قبائل الجوف ومأرب في مجلسه النخبوي والمخترق ربما من أطراف متطرفة أنتفض لا للدفاع عن الدستور وحقوق المواطن بل أنتفض لأن واحد من النخبة القبلية قد تعرض لهجوم من قبل الدولة ولأن الشيخ مقدس في وعيها والدولة في نظرها حامية وخادمة للشيخ وتابعة لمصالحه فإن البيان الصادر عن مجلس تحالف قبائل مأرب والجوف أواضح أن استهداف الفضلي أو إعتقاله يمثل إعلان حرب وكارثة على الوطن والوحدة اليمنية، لماذا؟ لأنه شخصية قبلية كبيرة!! هكذا.

النخبة القبلية ليست مهمومة بعدد القتلى من المواطنيين العاديين أو من رجال الأمن، وهي في مضمون بيانها لا توجه إي لوم للسلطان الشيخ طارق الفضلي لأنها تدرك أن دعوته للانفصال والكراهية وبث الحقد بين أبناء الوطن مسألة يقبلها وعي القبيلة بل ويفترض أن أي سلوك مغاير هو نفاق لأنه لا ينسجم مع وعي القبيلة المتخلف الذي يريده الشيخ أن يستمر ليظل هو ظل القبيلة في الأرض.

لم ينتقدوا الفضلي لأنه يتحرك من وعي قريب من وعيهم وعي متعصب للقبيلة ولأرضها ويرى كل مواطن فيها من أبناء بلده دخيل، وعي القبيلة لا يؤمن بالوطن بمفهومه الحديث ولا بالدولة المعاصرة، لأن الوطن هو القبيلة وتقاليدها ووعيها التاريخي هو الفكر والثقافة وكل دخيل عليه يعتبر رجس، وإعلا ثقافة العصر فوق ثقافتها نذالة وقلة مرجلة، الوعي القبلي قد يقبل الوعي الأصولي لأنه وعي يقوم على المغايرة والغاء الآخر وتحديه، وهو يسهل التواصل بين القبائل دون أن يلغي وعيها التاريخي في التمايز عن الآخرين وأحتقارهم.

كم هي الاعتداءات التي يتعرض لها المواطن في عرض اليمن وطولها إلا أن النخبة القبلية تعتبرها أخطاء بل وتبرر الفعل طالما والبسطاء هم الضحايا بل أن أبن القبيلة إذا تعرض إلى أعتداء فإن الاعتداء يتحول إلى مغنم، فالشيخ يحرض عصبية القبيلة ويحولها إلى عصى غليظة لتهديد المعتدي حتى يرضخ لحكم القبيلة، وعادة ما يتم تحويل الاعتداء إلى نفوذ وثروة لصالح الشيخ وكفى الله المؤمنيين شر القتال، شيخ القبيلة على استعداد أن يبيع أبن القبيلة والقبيلة والوطن إذا كان له مصلحة، ولدى الشيخ الانتهازي أحتراف في تبرير فعله ويملك القوة لقهر المعترض على فعله حتى لوعارض قيم القبيلة فهو حكيم القبيلة وقائدها وحاميها ومنزه عن الخطأ.

وحتى تستمر هيمنة المشيخ على القبيلة لابد من إضعاف الدولة لأن قوة الدولة يعني إلغاء تحكمه على أفراد القبيلة فالدولة تتعامل مع فرد حر ولا تنظر إلى أنتماءاته الأخرى كما أن الدولة تتعامل مع الافراد كمواطنيين متساوين وهذا يعني مساواته بالآخرين.

وفي لحظات تاريخية معينة قد تصبح الدولة هي الحل لذا فإنه يلعب لعبته بذكاء شديد مستندا على وعيه العشائري الذي يتميز بالمكيافلية، لذا سنجد أن الشيخ يتميز بالذكاء ولديه نزعة أصيلة في البحث عن القوة، لذا فإن التغيرات الواقعية تدفعه عندما يبحث المجتمع عن الدولة إلى تبني سياسة نضالية من أجل بناء الدولة، ويجعل من الشعارات الوطنية والقيم الانسانية قوله اليومي في حركته المحمومة على الغنائم، إلا أن الشيخ يناضل بل قد يقاتل من أجل الدولة وله شروطه أهمها ان يكون على رأس الدولة أو من في رأسها بين يديه يتحكم فيه أو انه من أصحاب القول الفصل في شئونها.

الدولة خيار الضرورة في زمن التحولات ولا يمكنه أن يتركها تفرض إرادته عليه، لذا لابد من السعي للهيمنة عليها، والإشكالية التي يولدها صراع المشائخ من أجل بناء الدولة أنه في نضاله يفرز وعيها في كل اتجاه لأن حركته تعتمد عليه، ومصدر قوته الفعلية هي القبيلة لذا هو بحاجة إلى تفعيل وعيها الصراعي من أجل بناء الدولة التي يريد أن يحكمها، وفي ظل هذه الإشكالية تغدو الشعارات والقيم بناءات مفرغة من محتواها لصالح وعي القبيلة.

لاحظوا معي أن الفضلي بالنسبة لشيخ القبيلة على حق بل ووحدوي رغم خطابه الانفصالي الواضح ودعواته للعنف وهو لدى الشيخ بطل ومناضل واعتقاله جريمة كبرى، وهنا لابد من الإشارة أن تحالف الجوف مأرب القبلي لا يعبر عن ذاته وهذه مسألة مهمة فعلاقاته واضحة بأطراف سياسية في الساحة وهي أطراف لا تختلف عنه في التفكير، لذا فقد كان بيانه معبر عن النخبة القبلية التي تريد الدولة في خدمتها وأن خرجت عن مسارها لصالح الحرية والمساواة فإنها تسعى لتملكها.

مع ملاحظة أن التحالف النخبوي لقبائل مأرب والجوف له مواقف قوية ضد السلطة وبخطاب يحتوى نزوع معاصر واضح مما يجعل الكثير يتفاعل معه ويتعاطف مع منتجيه بل ويعتقد أن النخبة القبلية بدأت تغير من تفكيرها لصالح اللغة المدنية، إلا أن واقع الحال والمآلات المرغوبة التي تسعى إليها النخبة القبلية محكومة بالوعي القبلي وطموحات النخب القبلية، والألفاظ الجديدة والفكر المحتوي في بنية الخطاب ليس إلا نتاج حاجة، والخطاب عموما يتحرك في فراغ ويؤسس لنفسه على بنية اجتماعية متخلفة، أنه خطاب ضروري فرضه واقع التحولات وطبيعة الصراع الراهن في الساحة. وليس بيانها عن أحداث أبين الأخيرة إلا عينة كاشفة لمن لديه قلب أو إلقاء السمع وهو شهيد.

وأخيرا
أفكر بعقل متحيز للمدنية ولن أعتذر للقبيلة التي تلومني كثيرا عبر شيخها وأعيانها وأتهامي بأني أشوه سمعت الأسرة بهجمومي على القبيلة، لن أقدم أي تنازل للثقافة الماضوية لأني أبحث عن عصر جديد لي ولهم ولكل فرد في هذا الوطن شعاره الإنسان أولا. فالوطن التعيس الرابض فوق تاريخ من جحيم الصراعات والتي تنتج من قبل الدول المتحيزة للغة القبيلة أوالمذاهب أوالمنطقة بحاجة إلى دولة أنسانية، أقول أن الوطن بحاجة إلى فكر إنساني لتجاوز التاريخ المر الذي لن يكون أبتدءا إلا بتحقيق شرط وحيد هو الدولة المدنية وبدونها فإننا نعيد أنتاج التاريخ، نعيد انتاج الحروب والصراعات لخدمة نخب لا تؤمن إلا بمصالحها. وبالدولة المدنية المدعومة بالنضال الثقافي للقوى الحديثة سوف نتمكن من صناعة يمن حر ومعاصر.




محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير