هذا الكلام الجميل عن الديمقراطية

شريف حتاتة
2004 / 5 / 12

اجتمع ما يقرب من مائة وخمسين رجلا وامرأة من الذين ينتمون إلي النخبة التي تتصدر الحياة السياسية والثقافية والمهنية في مصر، عقد هذا الاجتماع في مكتبة الإسكندرية لمناقشة قضايا «الإصلاح العربي» وفي نهاية الاجتماع صدر بيان ختامي أطلق عليه البعض اسم «وثيقة الإسكندرية».

علي أثر صدور هذا البيان، أو هذه الوثيقة انبرت شخصيات مختلفة للتعليق عليها، من بينهم وزير خارجية الولايات المتحدة «كولين باول»، ومستشارة الأمن القومي «كوندوليزا رايس» كما علق عليها رئيس الجمهورية «جورج دبليو بوش» أثناء زيارة الرئيس حسني مبارك الأخيرة إلي الولايات المتحدة أثنوا جميعا علي هذه الوثيقة، واعتبروها مبادرة مهمة انبثقت من «داخل» المجتمع المصري، تستهدف تحريك الإصلاح الديمقراطي الذي تحتاج إليه البلاد العربية، ومنها مصر والذي تحدثوا عنه في مناسبات مختلفة قبل وبعد احتلال العراق، وبذلك نفوا ضمنيا أن المطالبة «بالإصلاح الديمقراطي» الذي تبناه هذا التجمع السياسي والثقافي والمهني المعروف ارتباطه بالنظام أوثق ارتباط جاء نتيجة للمشاريع التي تقدمت بها الإدارة الأمريكية، ودعا إليها «كولين باول» منذ شهور، أو نتيجة لمشروع «الشرق الأوسط الأكبر» الذي أعلن عنه الرئيس «بوش» في الفترة الأخيرة، والذي يسعي إلي إقناع الدول الأخري «الصناعية» أي انجلترا، وألمانيا، واليابان، وفرنسا، وإيطاليا، وكندا، وروسيا بتبنيه في الاجتماع الذي سينعقد من 6-9 يونيو المقبل في ولاية فلوريدا الأمريكية، كما يخطط لكي يتولي «حلف الأطلنطي» الشق «الأمني» المتعلق به، وهو من أهم أركان المشروع.

في هذه الأيام أيضا أعلن عدد من رؤساء الدول العربية ترحيبهم بهذه «الوثيقة» وصاحب كل هذا انتشار الحديث عن الإصلاح الديمقراطي، وسارعت أعداد من أفراد النخبة السياسية والفكرية علي صفحات الجرائد والمجلات، وعلي شاشات التليفزيون للتعليق علي الوثيقة، وللتأكيد علي ضرورة تحقيق الإصلاح الديمقراطي عن طريق تعديل الدستور، وتعديل النظام الانتخابي، وإلغاء القوانين المقيدة للحريات، التي تحول دون إبداء الرأي، وتضع القيود علي تكوين التنظيمات وعلي حركتها.

حتي إنه في سياق هذه «الحملة الديمقراطية» شبه الرسمية طالب مسئول معروف في المركز الاستراتيجي للأهرام علي صفحات جريدته «بإلغاء الأحكام العرفية»، ليصرح بعده بقليل وزير الداخلية نفسه بأنه يرحب بهذه الخطوة، علي شرط ضمان استقرار المجتمع وأمنه، ثم امتدت لتشمل أصواتا من المعارضة، ومن «مفكري» اليسار، الذين وصفوا وثيقة الإسكندرية «بأنها وثيقة تاريخية رائعة»، وإن كان بعضهم قد أضاف علي استحياء، وبتعبيرات فيها حرص شديد، أن لهم تحفظات علي الشق الاقتصادي للوثيقة المتعلق بالخصخصة، وبتحرير الاقتصاد.

لا أظن أنني وحدي في التساؤل حول أسباب الصحوة الديمقراطية، التي أصابت حكامنا العرب، والدوافع الحقيقية من إصدار «وثيقة الإسكندرية».

وهذا التساؤل مشروع فقد تعودنا من الحكام أن يخفوا أهدافهم الحقيقية خلف الكلمات الجميلة، والشعارات البراقة، ومن منا لا يريد أن ينعم بالحرية، أن يحيا في مجتمع يستطيع فيه أن يعبر عن رأيه، وأن تتكوِّن الأحزاب والتنظيمات والمؤسسات التي تدافع حقا عن مصالح الأغلبية المستغلة، الباحثة عن العدل، والطمأنينة، وأن يحاسب حكامه.

لكن عندما يثني حكام أمريكا، وأوروبا علي «وثيقة الإسكندرية»، وعندما يشاركهم في هذا الثناء حكامنا العرب، والمستفيدون من نظامهم، لابد أن نبحث في الأعماق بعيدا عن المظاهر البراقة، السطحية، وألا نغتر بمجرد الكلام الجميل عن الديمقراطية.

«وثيقة الإسكندرية» لصالح من؟

أولا: الاقتصاد الحر ينسف إمكانات التحول الديمقراطي

عشنا منذ عهد السادات عملية تحرير الاقتصاد، والاندماج في السوق العالمي، والخضوع لمصالح الشركات المتعددة الجنسية، وحرية التجارة، والتسعير، والاستيراد، وتعويم سعر الجنيه المصري وكانت النتيجة زيادة الهوة بين الأغنياء والفقراء، وانتشار الفقر في قطاعات واسعة من المجتمع، وزيادة معاناة الطبقة الوسطي، وانتشار البطالة، وانشغال الناس بالبحث عن لقمة العيش، وتضخم عدد المهمشين، وأصبح المال هو الذي يحكم كل شيء، ويسيطر علي مجريات الأمور بما فيها الأمور السياسية وممارسة الحقوق الديمقراطية أصبح المال يتحكم في مجري الانتخابات، وفي إمكان إصدار الصحف، وإنشاء قنوات التليفزيون، والنشاط الحزبي، وعقد الاجتماعات بمعني آخر تحرير الاقتصاد يضاعف من القيود علي الديمقراطية بإضافة عوامل اقتصادية تعمل إلي جانب القيود التي تفرضها الدولة بقوانينها وبوليسها، إنه يؤدي إلي حصر إمكان الممارسة الديمقراطية في نطاق من الذين يملكون الإمكانات المادية.

لذلك فالشق الاقتصادي الخاص بالخصخصة، وتحرير التجارة والاندماج في السوق العالمي، يتعارض مع فرص إجراء تحول حقيقي.

فالديمقراطية لكي تصبح حقيقية لابد أن تقترن بإصلاح اجتماعي يؤدي إلي توزيع أكثر عدلا للثروة، بضمانات اجتماعية في الصحة والتعليم، والسكن والتشغيل، أما تحرير الاقتصاد والخصخصة فهما يؤديان إلي نسف كل هذه الأشياء، إلي نسف الأساس المادي للديمقراطية لتصبح مجرد كلمات، أو شعارات يصعب ممارستها، كما تؤدي إلي مزيد من الخضوع للأجنبي، أي للشركات المتعددة الجنسية، ولمصالح الاستعمار الجديد الاقتصادية، والعسكرية، والسياسية، والثقافية، للولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، ولذلك كان من الطبيعي أن يثني «بوش» علي «وثيقة الإسكندرية» لأنها صيغت بالطريقة التي تلبي مصالح النظام الذي يسعي إلي فرضه علينا، وكان من الطبيعي أن يثني عليها حكام عرب لأنها جاءت وفقا لسياسات التحديث التي يسعون إلي تنفيذها، دون أن تتناول قضايا الديمقراطية من وجهة نظر الجماهير المحرومة من مقومات الحياة، ومن الحريات الديمقراطية الحقيقية.

ثانيا: الوثيقة، والحديث عن الديمقراطية الذي يجري هذه الأيام، مرتبط بمشروع «الشرق الأوسط الأكبر» ويهدف إلي إخفاء أهدافه الخطيرة، وهي تتلخص في ضم المنطقة الممتدة من «المغرب» إلي «باكستان» إلي الإمبراطورية التي تسعي إلي إقامتها الولايات المتحدة الأمريكية، ذلك المشروع الذي ستكون إسرائيل ركنا أساسيا فيه، إذا ما نجحت في تصفية القضية الفلسطينية، والذي يعتمد علي سلسلة من القواعد العسكرية، وعلي فرض السطوة الأمنية لحلف الأطلنطي، وعلي الإرهاب النووي، وعلي السيطرة الكاملة علي منابع البترول في المنطقة العربية، وفي الجمهوريات الإسلامية الآسيوية «أوزبكستان، منطقة القوقاز، وبحر قزوين، إيران.. إلخ» بعد أن تم احتلال العراق، باسم إقامة نظام ديمقراطي فيه، وعلي استنزاف موارد هذه البلاد عن طريق السوق الحرة والخصخصة، بما فيها خصخصة منابع البترول وعلي قهرنا بالعسكرة والوسائل البوليسية المتطورة، وكل ذلك يراد له أن يستتر خلف قناع، إقامة نظم أكثر ديمقراطية، لن تمت بالطبع إلي الديمقراطية بصلة، خشية التحركات الشعبية.

ثالثا: منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية تضافر حكامنا علي اضطهاد، وتصفية، أو عزل الاتجاهات والتيارات السياسية والفكرية اليسارية، أو الديمقراطية، أو الليبرالية المستقلة، فلم تعد توجد في الساحة قوي سياسية لها وزن، سوي تلك التي تعتمد علي وجودها في الحكم، واستخدامها لسلطة الدولة، وتحالفها مع الرأسمالية العالمية، أو تلك المرتبطة بالتيارات الدينية المحافظة أو الأصولية، المعادية هي أيضا للديمقراطية، والتي لا برنامج لها يختلف عن النظام الحالي، فيما عدا بعض المسائل المتعلقة بالثقافة السلفية، كما يتضح من الوثيقة التي أصدرها «الإخوان المسلمون» مؤخرا.

لذلك فإن أي إصلاح، ووثيقة ديمقراطية مهما كانت ألفاظها وأهدافها المعلنة «رائعة» وتاريخية، علي حد قول البعض، لن تولد شيئا يخرج كما يريده الحكام. إنها ستظل ديمقراطية علي «مقاسهم».

خلاصة القول هو أن الإصلاح الديمقراطي الحقيقي لن يتأتي أبدا من أعلي، من الذين يسيطرون علي المجتمع، أو من المرتبطين بهم، حتي وإن لعبوا دور الناقدين أحيانا، في محاولة لإضفاء بعض الشرعية علي النظام الذي نحيا في ظله.

الإصلاح الديمقراطي لابد أن يأتي من أسفل.. من الجماهير الشعبية إنها معركة صعبة، وطويلة ستشارك فيها كل الشعوب التي لم تعد تريد أن تعيش في ظل مجتمعات لا عدالة فيها، ولا سلم، ولا حرية حقيقية، وتريد أن تصنع «عالما أفضل».

أما ما يدور الآن من شد وجذب حول موضوع الديمقراطية، فهو يعبر عن الضغوط التي تمارسها الإدارة الأمريكية علي الحكام العرب، لكي يسرعوا بالإجراءات المطلوبة منهم، ولكي يخضعوا تماما لخططها في المنطقة، في وقت يواجهون فيه السخط المتزايد لشعوبهم، واحتمالات تفضيل المجموعة الأمريكية الحاكمة لقوي سياسية أخري في المنطقة.

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان