الغول الذي ابتلع الوطن .. ملعون وهو المراد

نجيب غلاب
2009 / 8 / 7

الفساد لغز غير قابل للحل، نلعنه صباح مساء، نُعلن عليه ثورة وراء ثورة، جبار عنيد لم تهتز له شعرة، تنتحر على أسواره كلمات النضال، احتلنا كسرطان مجنون لا يخاف، يأكل أحلامنا في كل لحظة، ناعم يمتص الدماء، هو المهيمن وكل ماعداه تفاصيل لتزيين البشاعة..
يلعنه الجميع من الرئيس إلى الفراش، يلعنه من في المعارضة ومن على سدة الحكم، كل اليمنيين ضد الفساد، الفساد السيد الوحيد الذي نبجله ونبحث عنه لنقبل أرجله بلا حياء، لا شيء يوحي بالتفاؤل هو الحاكم بأمره، قالها صراحة في حزب الحكم زعيم البلاد، الفساد هو الخراب، قالها لن أكون مظلة للفساد، تباشير الخير ملأت القلوب، كلنا مع الرئيس، الفساد أقوى من الجميع، انتحر الحلم بين أنياب الوحوش، الدولة كنز مخطوف، منهوب كل يوم.
ضاعت الجمهورية في دهاليزه المظلمة، ابتلع المستقبل في طفرة الخوف، من استولى على بيضة أكل منها، ومن حكم وزارة ذبحها، ومن يراقب يعشق الغنيمة، جمهورية خانها أبناؤها، أصبحوا طغاة المال والسياسة، دخلها الشيخ يمارس هواياته، يقتلها كل يوم ويمتص دمها ويقطع عروقها، طغيانه يتزايد كلما تراكمت ارصدته، دخلها المتعلم ابن الفلاح فأصبح عبدا في معمعة الفساد، يأكل بالقانون وينهب من وراء الجدر، حتى من يقولون إنهم ممثلو الله في الأرض، لا يستحون لا من الله ولا من الناس، قضاة يأكلون الحرام، كل شيء بالقروش، فقهاء منهكون في فضيلة ضائعة ودعاة سيسوا الدين فانتفخت الكروش.
أحزاب اذهلها النهب تبحث عن نصيب، مثقفون مقهورون يأكلهم الفقر، ينتقمون من الفساد بالكلام، لا يمانع أحدهم عند توزيع الغنيمة من دخول النفق اللذيذ، لا شيء حقيقي ضد إمامنا المبجل، صحافة صارخة وأخرى تبرر وبعضها غاضب بقهر المحروم، كلها نصيبها العدم.. كلنا ضد الفساد، بعضنا لا يقاوم، أكل اليأس أحلام النضال، لا خلاص، الفساد لحم المؤسسات وعظمها، معارضة عوجى، وحكام تائهون بنعجهية كل شيء حلال، كل الطرق تبحث عن الكنز، صراعات تخلق باسم الصلاح، صراعات تشرعن نهب الارض والهواء وباطن الأرض، نهب الفكر والكلمة، نهب الأمل والثقة.
افترس الفساد اليمن، كلنا نتحدث عن الخطر دون تحديد مبين، يبدو كغول غير ملموس، نتحدث عن فضائحه الكبرى في المجالس الخاصة وعندما نكتب نتحدث عن وحش كاسر لا وجه له ولا أرجل ولا يدين ولا عقل ولا روح، عائمة الاتهامات، خائفة الكلمات، غائبة الحقائق العينية .. ضاعت الطاسة، نردد أقوالاً بلا معنى: الحكم فاسد والمعارضة فاسدة والقطاع الخاص فاسد والنخب فاسدة، كلام مكرر لا معنى له، ما هو الفساد؟ من هو الفاسد؟ كيف يفسد؟ مؤسسة الفساد مؤسسة تحكم في بلد بلا مؤسسات، كلنا نفسر لكننا لا نقترب من الواقع، خائفون ونحن بين فكيه يمضغنا ليل نهار، سادرون في غينا باسم الوطن والدين والقيم الانسانية، إني أراهم يبحثون عن دهاليز الفساد، شعارات زائفة تأكل بقايا الأمل، مشاريعنا عظيمة لكنها ميتة يبتلعها جن الفساد وعفاريت غير ملموسة، لها رائحة الخراب، وطعم العلقم نتذوقه كل يوم، من يلعن الفساد هم سدنته الكبار.
الدماء تسيل والوطن أصبح كعاصفة منفلتة في بحر لجي من الصراع، الفراغ وجودنا والضياع هويتنا والحرب مبتغانا والكراهية طعامنا اليومي، سادرون في غينا، كلما لعنا الفساد زاد طغيانه، مغامر لا يهاب الصعاب، داء لا دواء له في دولة هي الأم الحنون لكل سارق في بلد فقير، لا يأس مع الحياة، محارب للشعب من نسل طالب انتصر على الجذام، ومن وراء الحدود أعلن فضيحة كبرى، هيئة الفساد ليست إلا صرخة من خداع هيئة المكياج تنتج الفساد باسم مكافحة الفساد.



محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير