عشر سنوات من عهد جلالة الملك محمد السادس قراءة موضوعية

المهدي مالك
2009 / 7 / 30

مقدمة مفيدة
بمناسبة عيد العرش المجيد لهذه السنة و المصادف مع الذكرى العاشرة لجلوس ملكنا الشاب على عرش اسلافه الكرام يشرفني ان اقف عدة وقفات تاملية بغية قراءة انجازات هذا العهد المبارك و كذا التحديات المطروحة طوال عشر سنوات في وجه تقدم مشروعنا النموذجي على صعيد العالم الاسلامي.
ان ملفات ما يعرف بسنوات الرصاص ظلت لعقود عديدة طي النسيان او تدخل في اطار الممنوعات الخطيرة بسبب طبيعة حكم الحسن الثاني المعتمد على اسكات الاصوات الراغبة في تحقيق حقوق الانسان و العدالة الاجتماعية الخ من مطالب الشعب المغربي منذ الاستقلال بحيث ان مغرب الحسن الثاني كان يسبح في بحور القمع و الغياب التام لشيء اسمه حرية التعبير و حرية الصحافة ,
و كما كان ملف حقوق الانسان ذو حساسة كبيرة بفعل حدوث الانتهاكات في هذا المجال عبر مختلف المناطق المغربية كالريف الذي عانى الكثير منذ فجر الاستقلال بحكم الاسباب المعروفة لدى الكل و منطقة الريف كغيرها من مناطقنا الناطقة باللسان الامازيغي او بالدارجة المغربية ظلت تعاني من الحيف و التهميش على كل المستويات التنموية و الاجتماعية الخ و هذا راجع الى السياسات العنصرية ضد هذه المناطق المسماة بالمغرب الغير النافع .
و على المستوى الامازيغي فكان الحصار التام على كل ما هو امازيغي منذ اواخر الستينات بحيث كما نعلم فالقضية الامازيغية كانت تعتبر من الطابوهات
الخطيرة بالنظر الى مجموعة من الاسباب و السياقات التاريخية كتفسير الحركة الوطنية الخاطئ لظهير 16 ماي 1930 ثم صعود تيارات المشرق العربي الى مراكز القرار منذ 1956 ما جعل من الهوية الامازيغية ينظر اليها باعتبارها مشروع استعماري يهدف الى تنصير البربر كما يقولون لكن مع مرور الايام و الشهور و السنوات ظهر على ان هذا الكلام هو مجرد اكاذيب مخترعة من اجل ان يصبح المغرب تابعا للمشرق و ايديولوجياته المعروفة مثل القومية العربية و السلفية في اطار حركات الاسلام السياسي التي مازالت الى يومنا هذا تحارب الامازيغية و حركتها المتقدمة فكريا ,
ان الحركة الثقافية الامازيغية في ذلك العهد ناضلت كثيرا من اجل انقاد الثقافة الامازيغية و التعريف بها تحت شعار الثقافة الشعبية بينما اليوم صارت هذه الحركة ذات مطالب جعلتها تصف من طرف اعداءها المعروفين بالالحاد و العمالة للكيان الصهيوني الخ لكنها حققت مكاسب مهمة طوال هذه السنوات العشر من عهد الملك الشاب.
انجازات العهد المبارك
منذ اول ظهور رسمي للملك الجديد و ذلك في يوم 23 يوليوز 1999 أي يوم رحيل والده الحسن الثاني كان المغاربة يحملون امالا كثيرة بحدوث التغيير الحقيقي على كل المستويات و الاصعدة لكن بشكل واقعي أي يمكنه ان يستغرق سنوات او يستغرق عقودا بسبب ارث الماضي المؤلم بالنسبة لبعض الملفات كحقوق الانسان و القضية الامازيغية لكننا يجب ان نعترف ان المغرب هو احسن نموذج للديمقراطية و حقوق الانسان على صعيد عالمنا الاسلامي بفضل فكر محمد السادس المتنور و اصلاحاته العميقة في المجتمع المغربي شملت كافة الميادين و القطاعات الحيوية .
ان من الصعب قراءة عشر سنوات من العهد الجديد بكل الموضوعية لكنني ساحاول التركيز على ملفان اساسيان في نظري المتواضع و هما ملف حقوق الانسان و ملف القضية الامازيغية بشكل كبير.
ان الملك الشاب اراد ان يفتح صفحة جديدة تدعو الى احترام الانسان المغربي و تدعو الى اعادة قراءة ماضي العهد السابق بكل الشجاعة و الجراة بحيث ان المغرب يعتبر اول بلد اسلامي يؤسس تجربة الانصاف و المصالحة امام عيون الشعب المغربي بفضل نضال الفعاليات الحقوقية طوال هذه العقود من اجل حرية الاقلام الصحافية و من اجل حرية الراي المنطلقة من المسؤولية الخ ثم ان تجربة هيئة الانصاف و المصالحة حاولت كشف حقيقة ما جرى في الفترة بين سنة 1956 الى سنة 1999 بشكل صريح الا ان البعض له انتقادات مشروعة تجاه هذه الهيئة المحترمة بالنسبة لي كونها سمحت لعقد النقاش العمومي في مختلف وسائل الاعلام من الاذاعة و التلفزيون حول توصيات هيئة الانصاف و المصالحة الرامية الى جبر الضرر الجماعي لضحايا سنوات الرصاص و المناطق التي شهدت هذه الوقائع المؤلمة لكن يبقى التحدي الكبير الان هو عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان فاحداث سيدي ايفني جعلت المغاربة يتخوفون من رجوع بلادنا الى احضان تلك السنوات بكل الموضوعية لكن بالمقابل فالمغرب يملك ارادة قوية و مشتركة من طرف مختلف الفعاليات من اجل تقدمنا في مجال حقوق الانسان السياسية و الاقتصادية و
الثقافية و بالاضافة ان المغرب اصبح في الطريق الصحيح بمقارنة مع بعض الدول المشرقية التي مازالت تمنع حرية التعبير و الراي و تمنع المراة من مجرد قيادة سيارتها الخاصة الخ .
و ننتقل الى موضوع القضية الامازيغية في هذا العهد المبارك حيث كانت هويتنا الاصيلة قبل اعلان الملك محمد السادس عن نيته تاسيس المعهد الملكي للثقافة الامازيغية في خطاب العرش لسنة 2001 تعتبر قضية فئة او نخبة واعية من الامازيغيين تناضل من اجل تحقيق المطالب ذات صبغة ثقافية كتدريس هذه اللغة في المدرسة المغربية و ادماج ثقافتها في اعلامنا السمعي البصري و ترسيم اللغة الامازيغية كما جاء في بيان الاستاذ محمد شفيق الشهير لكن في ذلك الوقت كانت جل احزابنا السياسية لا تعترف اصلا بوجود شيء اسمه الامازيغية بل حاربتها بالطرق المعروفة و القائمة الى حد اليوم غير اننا يجب الاعتراف بان تاسيس المعهد الملكي للثقافة الامازيغية من طرف الملك الشاب قد ساهم بشكل كبير في تحطيم الحواجز الفكرية و الايديولوجية امام النهوض و تقدم هويتنا الامازيغية نحو الادماج الفعلي في كافة القطاعات الحيوية كالتعليم و الاعلام بالرغم من وجود عدة مشاكل جوهرية في عملية هذا الادماج خصوصا في قطاع الاعلام البصري بفعل تاخير انطلاق القناة الامازيغية منذ اكتوبر 2006 الى الان تحت حجج مختلفة تقولها وزارة الاتصال بشكل دائم و بالاضافة الى عدم وفاء قنواتنا التلفزيونية بالتزاماتها بشان نشر اللغة و الثقافة الامازيغيتان بل من الملاحظ عودة المصطلحات مثل الظهير البربري و اللغة البربرية الى التناول الاعلامي كأن مؤسسة المعهد الملكي للثقافة الامازيغية غير موجودة على ارض الواقع ام انها مجرد ديكور لا اقل و لا اكثر بالنسبة لهؤلاء الإعلاميين فهذه المؤسسة موجودة منذ 2003 بقرار ملكي سامي و تنظم مجموعة من اللقاءات و تساهم كشريك اساسي في تنظيم عدة مهرجانات مثل مهرجان فاس سايس للثقافة الامازيغية و مهرجان جائزة الحاج بلعيد المنظم بيزنيت الخ بينما هؤلاء الاعلاميين مازالوا يستعملون هذه المصطلحات التي اكل عليها الدهر و شرب.
ان الارادة الملكية في النهوض بالمكون الامازيغي تعتبر راسخة و قوية غير ان هذا المكون عانى من المشاكل ذات البعد الايديولوجي حيث من الصعب تحقيق الادماج الحقيقي في ظل وجود تيارات الماضي تعرقل هذا الورش الهام تحت حجج مستندة على مدرسة الظهير البربري و مستندة كذلك على الاستغلال عن طريق الدين من قبيل القول ان اللغة العربية هي لغة مقدسة يتحدث بها اهل الجنة و هذا الاستغلال تمارسه حركات الاسلام السياسي المؤمنة بعروبة المغرب ضد المشاريع الامازيغية كمسالة اختيار الحرف المناسب لتدريس لغتنا حيث قامت المعركة بين الاسلاميين و الحركة الامازيغية حتى جاء القرار الحاسم و القاضي باعتماد حروف تيفناغ في 2003 لكن هجمات الاسلاميين لم تتوقف عند هذا الحد بل عرفت تصعيدا على خلفية مطالبة اغلبية الامازيغيين بالعلمانية منذ احداث 16 ماي 2003 بمعنى ان الامازيغيين استغلوا هذا الحدث المؤلم لصالح القضاء على مرض الاستغلال عن طريق الدين المحترم بالنسبة للمغاربة عامة و لصالح مستقبل الهوية الامازيغية و مطالبها الحالية كالاعتراف الدستوري و رد الاعتبار للاعراف الاصيلة.
و على أي فهذا العهد المبارك قد اعطى الاهمية المستحقة للنهوض بالهوية الامازيغية بدون ادنى شك لكن التحدي الكبير امام الحركة الثقافية الامازيغية هو الحفاظ على هذه المكاسب المحققة طوال عشر سنوات على كل المستويات و خصوصا الاجتهاد الفكري حيث ينبغي التركيز على محاربة التعريب و سياساته التي رجعت منذ صعود حزب الاستقلال الى الحكومة في اكتوبر 2007 و المعروف تاريخيا كونه يسعى الى اقبار الهوية الامازيغية بكل ابعادها منذ زمن طويل و لعل قانون التعريب المقدم من قبله الى مجلس النواب اكبر دليل على انه لم يتخلى عن ارثه القديم .
ثانيا هناك تحدي جوهري امام الحركة الامازيغية و هو وقف تحريف تاريخنا المغربي و اختزاله في 12 قرنا كخرافة جديدة تحمل الينا بالعديد من الرسائل الرمزية .
و نختم هذا الموضوع المتواضع فنقول الحمد لله على انجازات هذا العهد
المبارك و بهذه المناسبة ابعث باسمى عبارات التهاني الى المقام العلي بالله سائلين الله تعالى ان يحفظ المغرب و شعبه الوافي في السلام و المزيد من التقدم على درب الديمقراطية و حقوق الانسان في ظل قيادتنا الرشيدة.
اعداد المهدي مالك



محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير