وعي القبيلة أضاع العقيدة وفكك المجتمع وخنق الجمهورية من أجل الغنيمة

نجيب غلاب
2009 / 7 / 15

امتلكت النخب القبلية مع دخولها لعبت السياسة وعي انتهازي، وتمكنت من الهيمنة على القبيلة وقيدتها في وعي متخلف واستعبدتها باسم العصبية وجعلتها فريسة للجهل والفقر والمرض، وحولت أبنائها من أحرار شرفاء إلى مرتزقة في معارك الشيخ، ومن الشهامة والكرامة والدفاع عن المظلوم، إلى قوة قاهرة للقيم الإنسانية بتدمير القانون والنظام وانتهاك شرف المجتمع بتحديهم للقيم الموحدة للناس، وفي معارك الغنيمة حول أبناء القبيلة إلى قوة حامية للنهب المنظم لحقوق الآخرين، وتحول النكف من اجل العدالة إلى نكف من أجل الظلم، لقد حولهم الشيخ إلى بيادق مقاتله في معاركه التي تركزت في الدولة ونفوذها التي من خلالها يتم نهب ثروة الدولة والمجتمع.
وفي ملحمة صراع الغنائم تم تصوير القبيلة بأنها تتميز بهوية اجتماعية ثابتة لا يمكن تغييرها، وإنها تتميز بثقافة مصمتة لا يمكن تجاوزها، فالقبيلة متجذرة في التاريخ من قبل الإسلام، وأن العقيدة الدينية المنزلة من السماء قد اعترفت بالقبيلة وثقافتها، بل أن القبيلة كبنية كلية هي المكون الفعلي لدولة المسلمين، وهذا الطرح التبريري المخادع يهدف إلى تأبيد التخلف وتأبيد البنى التقليدية في مواجهة العصر لأنها تخدم مصالح النخبة القبلية على حساب تطور أبناء القبائل.
والطرح المدافع عن القبيلة لا يدرك أن القبيلة قد ابتلعت العقيدة في ثقافتها ووظفتها في صراعها الدائم من اجل الغنيمة التي عادة ما تتراكم بيد القلة، وبفعل وعيها النابذ للآخر المؤسس على الشعور بالتمايز والمغايرة وعلى تاريخ الآباء والأجداد، دمرت روح التسامح والمساواة والعدالة والأخوة التي أسست لها العقيدة، وتحولت القيم الدينية إلى عامل قوة في ممارسة الهيمنة ونهب الآخرين ورفض الآخر بل والسعي لتدميره، فالصراعات في بنية دولة المسلمين هي نتاج لوعي القبيلة، فالحرب الأهلية مثلا ـ الفتنة ـ في زمن الخلفاء هي نتاج لقراءة الإسلام بوعي القبيلة، فالخوارج مثلا هم أعلى تجلي للعقيدة بوعي القبيلةـ هذا الأمر بحاجة إلى تفسير واسع سنتناوله في مقالة منفردة ـ ، وتحويل الخلافة إلى ملك عضوض هو نتاج لوعي القبيلة، وبفعل وعي القبيلة الذي ضخمته الغنائم تولدت الصراعات وأصبحت الغلبة هي أساس بناء الدول.
لنعود إلى اليمن، كانت القبيلة في اليمن عبر التاريخ قوة إيجابية في حماية الفرد وفي تأسيس السلام، وكان زعيم القبيلة يستند في شرعيته على خدمة أبناء القبيلة، كان حرا يحكم أحرار، وكانت القيم السامية الحامية للأمن هي الفاعل في حركة القبيلة، ومن يتابع تاريخ الحضارات اليمنية سيجد أن القبائل كان لها الدور الفاعل في بنائها، ففي صراعاتها كانت تتقاتل من أجل التوحد لتعميم السلام لأنه كان الطريق الأكثر جدوى لنمو الثروة وتحقيق مصلحة الجميع، وبناء الدول لتحقيق السلام كان أيضا نتاج لحاجة موضوعية، فالزراعة والتجارة هي المهنة التي احترفتها الأرض اليمنية، وكلاهما تتطلب أمن واستقرار، وهذا جعل المجتمع أكثر قدرة على ترسيخ ثقافة التوحد في ظل قبول التنوع، ولأن التعدد القبلي كان يمثل إشكالية تولد الحرب، فقد تم بناء الدول على أساس لا مركزي، وكلما حاولت دولة معينة أن تهيمن بفرض إرادة المركز فإنها غالبا ما تقود المجتمع إلى التفكيك والتشتت، لذا فإن ملوك الحضارات العباقرة تمكنوا من خلق آليات ناعمة لفرض سيطرة الدولة، صحيح أن الدول القديمة اليمنية في مراحل التأسيس قد اعتمدت على القوة إلا أن استمرار الدولة كان يعتمد على رضا وقبول المجموع.
قبل دخول اليمن في الإسلام كان الصراع هو المهيمن بعد أن فقدت اليمن حويتها في صراعات القبائل والغزو الخارجي الذي استقدمه اليمنيون في صراعاتهم الداخلية، مع تبعيتها للمدينة المنورة وبفعل الدين الجديد تحقق السلام في اليمن بعد أن غرق في التشتت والفرقة، إلا أن صراعات المركز في المدينة أو بغداد أو دمشق، ونشوء المذاهب وحركات التمرد وهيمنة القادمين من خارج الحدود على حكم اليمن، حول القبيلة اليمنية إلى قوة قاهرة للسلام، تقاتل اليمنيون في معارك النخب القادمة من خارج الحدود، ودمرت ثقافة القبيلة في صراعات النخب الدينية في صراعها المحموم على المجتمع اليمني وهي في أغلبها نخب سياسية دينية كانت العقيدة أداتها في تفعيل الوعي القبلي لتعبئة القبائل وتبرير شرعية الغلبة التي ترسخها القوة القاهرة، وهذا أدخل اليمن في صراعات دائمة وعمق الأحقاد والكراهية بين أبناء اليمن.
فعندما تداخل وعي القبيلة مع العقيدة بصورتها التي أنتجها الصراع داخل المجتمع الإسلامي تولدت ثقافة الطائفة، وعندئذ فقدت القبيلة في اليمن حريتها لصالح الطبقة الدينية القادمة من خارج القبيلة وتحالفت مع الشيخ الذي حمى الدعاة لنشر الدعوات، ومع تطور الصراع وحاجات الطبقة الدينية التي أصبحت حاكمة تحول الشيخ إلى أمام داخل القبيلة، أي أن النخب القادمة من خارج نظام القبيلة تحالفت مع الشيخ لتزييف وعي أعضاء القبيلة بالثقافة الطائفية لتتعاظم قوة الشيخ وتمنح الوالي أو الأمام شرعية الحكم بالغلبة والقهر، وهكذا تحول أبناء القبائل إلى قوة مقاتلة في دويلات الطوائف، ومع تعدد الدويلات تقاتل اليمنيون فيما بينهم لقهر بعضهم البعض لصالح أولياء الأمر أصحاب الدعوات الدينية.
تقاتلت الدويلات فيما بينها وقهر المجتمع وسلبت إرادته، وكان تحويل الشيخ إلى رمز مهيمن ومتفرد مهما لدولة الطائفية حتى يتمكن من إخضاع أعضاء القبيلة، لذا لم تكن القيم الدينية هي الفاعلة بل قيم الوعي القبلي بصورته المتخلفة، وكانت تحالفات الحاكم في أغلب الدويلات التي كونتها نخب الطوائف مع زعماء القبائل هي أسس غلبتها، لذا فإن ترسيخ ثقافة القبيلة بوجهها المتخلف وتقوية زعاماتها كان مهما لاستمرار الهيمنة ومغالبة الآخرين، أما قهر المغاير وإذلاله فكانت مهمة لمحاصرة أي تمرد.
لقد أدخلت دويلات الطوائف في بنية المجتمع اليمني صراعات قاتلة ولدت حالة من التناقضات والكراهية والشك مازالت آثارها فاعلة في بنية المجتمع حتى اللحظة، واستمرار الإشكالية حتى اللحظة وأيضا عجز الثورة من تحقيق أهدافها يعود إلى هيمنة وعي القبيلة على الصراعات في اليمن الجمهوري، فالصراع السياسي في بنية الدولة الجديدة ونتيجة ضعف قيم التنوير ومحاصرة الثقافة المدنية الجنينية وهيمنة وعي القبيلة أنتجت الجمهورية في صراعها من أجل إثبات الوجود مخلفات صراع دويلات الطوائف في بنية الجمهورية، ومع الوقت أحتل الدولة الجديد وعي القبيلة وأصبح هو جوهرها وأصل شرعيتها، وهذا يفسر الصراعات التي نعيشها حتى اللحظة.
لم يجد المجتمع اليمني بما في ذلك قواه المدنية المتنورة أمام تعميم ثقافة القبيلة على المجال العام ونتيجة ضعف الثقافة المدنية إلا أن يفعل وعي القبيلة في الصراع والذي يتجلى بصور مذهبية أو مناطقية أو عرقية أو قبلية...الخ، وفي ملحمة التخلف تهيمن النخب ويستتبع المجتمع، وتصبح السلطة والثروة هي محور الصراع بين النخب التي تبني توافق فيما بينها، ويعتمد استمرار الأفراد في طاولة أكل الكعكة على قدرة عضو النخبة على تمثيل المنطقة أو المذهب أو القبيلة ..الخ وهذا ما جعل النخب تقف أمام أي تحول مدني وتدمر المجتمع لصالح وعي التخلف وخلق الأزلام، ومن هذه التركيبة تولد الفساد ليصبح هو أساس شرعية النخب السياسية، لذا فالفساد نتاج لغياب الوعي المدني وهيمنة وعي القبيلة على المجال العام.
أن التداخل الذي أحدثته الجمهورية بين النخب القبيلة والدولة أفقد الدولة وجودها لصالح وعي القبيلة الذي أصبح هو الغالب على المجتمع، الدولة الحديثة التي حاولت الجمهورية التأسيس لها بنية جديدة مختلفة عن سابقها من الدويلات السلطانية المهيمنة بالعقيدة وبالحق الإلهي لعنصر بشري له صفة التقديس العرقي والديني، كانت بحاجة إلى تأسيس ثقافي مدني تصنعه القوى الجديد خارج سياق القبيلة إلا أن دخول النخب القبلية بوعيها وهيمنتها على الدولة وفرض إرادتها بالقوة على القوى الجديدة أضعف الجمهورية وأصبحت القيم الجديدة شعارات وبناءات فارغة يوظفها وعي القبيلة بتجلياته المختلفة في صراع الهيمنة والمكاسب.
الدولة الحديثة مازالت حالة طارئة في وعي القبيلة، وهيمنته عليها وتوظيفه في خدمة النخب، أفقد التحولات معناها، وأصبح فرض هيبة الدولة مسألة أقرب إلى المستحيل أن لم تحرر من الوعي الذي يحتلها، وتحرير المجتمع من ثقافة التقاليد البالية لصالح وعي مدني عصري، أن الجمهورية ودولتها المدنية بحاجة إلى ثورة ثقافية لتدمير تراكمات التاريخ المر.
وبدون التأسيس الثقافي للدولة المدنية فإن الدولة المدنية ستظل غائبة مهما رفعنا من شعارات، وهذا لا يعني أن ننتظر غلبة الثقافة الجديدة، لابد أن نبدأ في بناء الدولة المدنية وتحويلها إلى أداة خادمة لمرحلة التأسيس الثقافي، على شرط أن يكون التأسيس الثقافي حاسما مهما كانت أخطاء السياسة بحيث يصبح الثقافي هو المقوم والمرسخ للفعل السياسي لا العكس.
وهنا سوف أضرب لكم مثلا لفهم مخاطر النخب القبلية على إعاقة التحول: من يتابع سيجد أن الدولة بفعل القوى المدنية الضعيفة في بنيتها تحاول في لحظات هزيمتها وانتحارها في الوعي القبلي أن تفرض هيبتها وتعيد ترتيب أوراقها لصالح قانونها حتى تعيد الحياة إلى روحها، إلا أن الفعل لا يفسر من قبل رمز القبيلة ان الدولة كقوة مجردة هي التي تفرض إرادتها من اجل أمن المجموع بل هي إرادة الحاكم الشخص، ولأنه يتحدى رئيس القبيلة باعتبارها الأصل وسامية وفوق الدولة يتم نزع صفة الحاكم القبلية كانتماء طبيعي، ويرمى خارج الإطار الأسطوري للقبيلة، أنها محاولة ساذجة لسلبه شرعيته التي يعتقد لولاها لما حكم.
بمعنى أن المقاومة التي يبديها زعيم القبلية هي نتاج اعتقاده ان الدولة طارئة وأن الشرعية المدنية للحاكم ليست إلا شعارا زائفا للتعمية على منهم خارج القبيلة، أما الحقيقة اليقينية التي يؤمن بها فجوهرها ان الحاكم حاكم لأنه أبن القبيلة لا لأنه تعبير عن قوى اجتماعية على امتداد الوطن اليمني، وعلية فإن تهديد الرئيس من خلال نزع جنسيته القبلية ورميه في الفراغ المدني العاجز عن حماية حتى رأس الدولة يمثل الفكر المؤسس للنضال السياسي الذي يتحرك من خلاله الشيخ.
يمكن القول أن شيخ القبيلة حتى بوجهه المدني يطالب بالتغيير إلا أن الزمن في وعيه ثابت لا يتحرك، والتغيير المطلوب هو التغيير الخادم لقوته لا لأبناء المجتمع وحتى أبناء قبيلته، والدليل واقع قبيلته التي تعيش خارج العصر رغم أنها كما يعتقد صنعت الثورة، وهنا كما ينطق الواقع يمكن القول أن النخب القبلية بتجليها المناطقي أو الطائفي أو العرقي أو ..الخ حركتها مركزة في تحصيل القوة وفرض الهيمنة وتعظيم الغنيمة، ولا يمكنها أن تكون مجندة في النضال المدني، وأن تحركت من خلاله فلها الصدارة دون العالمين أو فليذهب الجميع إلى الجحيم.
لذلك نحذر القوى المدنية أن لا تخدعها الشعارات الرنانة التي تستخدم في صراع المصالح، فالوعي القبلي قد يظهر بأشكال عصرية وهذه الحيلة تجذب المثقف المدني قائد التغيير الحقيقي كفراشة تبحث عن النور فتحترق بنار زائفة لكنها قاتلة فتنهك قواه في معركة خاطئة وترسخ ما تريد أن تنفيه ولن يعي المناضل المدني خطئه إلا بعد أن يتحول إلى جزء من شرعية نقيضه التقليدي، بل أن البعض أصبح على يقين أنه يخدم نقيضه ولكنه مستمر في لعبة فرضها الواقع التعيس.
العقل العشائري عقل مراوغ يحترف الخداع في صراعه من أجل النفوذ، هو عقل يتماهى مع الفكر السائد وآليات الصراع الموجودة في البيئة، لذا فقد يطلق لحيته ويبكي وهو يستمع إلى شيخ أصولي يذكره باليوم الآخر وقد يتحدثن من الحداثة أن كان المحيط يمنح شرعية لهذا الفعل المهم أن العقل العشائري مهموم بالمحصلة النهائية وهي تدعيم القوة التي يملكها بفعل العصبية القبلية وهي من منحته الفاعلية في الوسط المدني لا قوته المدنية، والتحرك بأدوات مدنية أمر واقع لا مناص منه، أنها إستراتيجية مهمة وضرورية، المهم لديه أنه في نهاية الأمر سوف يتحول إلى وجود مؤثر وفاعل ليعظم غنائمه وهي الهدف النهائي، وغالبا ما يتم له ذلك بفعل نزاهة ومصداقية المثقف المدني.
وهنا أسال القوى المدنية لتوضيح الفكرة. لماذا لا يتحول أبن القبيلة العادي إلى زعيم في الحراك المدني رغم أنه يمتلك القوة الناعمة أي الكفاءة والجدارة التي تمكنه من ذلك؟ ولماذا يتحول الفلاح العبقري الذي تلقاء تعليمه في أرقاء الجامعات إلى تابع ذليل يتلقى الفتات في مائدة الغنيمة الموزعة بين العصبيات التي استحوذت عليها الرموز القبلية رغم السمات القيادية التي يتمتع بها هذا الفلاح الباحث عن العدالة؟ ولماذا تقتل طاقاته كلما نطق بالحق من أجل الشعب؟ ولما يكفر الكافر بطغيان الظلام؟ ويقتل البطل المدني المخلق من روح الشعب في معركة صناعة الرموز.
أنها لعبة محبوكة ودعاية خبيثة تصنع باسم الوطن والدين وتتحكم بها مراكز القوى الفعلية في البلد سواء كانت في المعارضة أو في الحكم والتي تعيد صناعة الرموز ولا تبحث إلا عن الرموز التي تقبل القسمة الضيزى للثروة والسلطة.



المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي