دويلة -عدن أبين- القاعدية وأوهام الأصولية الحوثية

نجيب غلاب
2009 / 7 / 14

تتداعى على اليمن الأزمات الواحدة تلو الأخرى، وتأتي كل أزمة حاملة في طياتها الأولى، وتتراكم تلك الأزمات ليصبح تفكيكها شبه مستحيل، وعادة ما يتم إدارة الأزمات بالأزمة فينتج واقع شبه مستقر يغلي بالأزمات، وكلما ضعفت الدولة تفجرت براكين الغضب المكبوتة، وفي كل دورة صراع تتولد إشكالات جديدة، وتصبح القوى الفاعلة في المجتمع عاجزة عن إدارة صراعاتها بلغة السلم فتتجه نحو العنف لتحسم المعركة بالقوة، ويتولد من النيران المشتعلة أزمات جديدة تنفجر بين الحين والآخر، ليتخلق مع الوقت شبح حرب كبرى، في الراهن أصبحت الحرب خيار مطروح، وهذه الحرب سوف تهدد وجود الدولة وأمن المجتمع.
وحتى اللحظة لا شيء يوحي بالتفاؤل فالصراع بين القوى الوطنية في يمن اليوم قد بلغ مبلغا خطيرا اجتاحته ثقافة الثأر والكراهية والرغبة الجامحة في الاستيلاء على المصالح بمعزل عن الآخرين، وخطاب الإلغاء والإقصاء المتبادل يوضح فقدان الثقة بين جميع الأطراف، وما يزيد من وطأة الأزمات هو بروز قوى فوضوية في الساحة لم تعد مهمومة بالوطن ولا بمصالح الناس بل تحركها عقائد سياسية ودينية متخلفة متناقضة مع أبسط مبادئ المشروع الوطني الذي أسست له الحركة الوطنية خلال الستين العام الماضية.
وفي خضم صراعات النفي واثبات الوجود ظهرت حركات فوضوية في الساحة اليمنية هي تنظيم "القاعدة" الإرهابي والحركة "الحوثية" في صعده بمشروعها المذهبي والسياسي، هذه الحركات المدمر لمستقبل اليمن والمهدد لأمن المنطقة وأمن الممرات المائية تستغل صراع القوى السياسية والاجتماعية على موارد محدودة ودولة شبه منهكة وعلى مجتمع فقير بالكاد يغطي حاجاته الأساسية، وقد تمكنت هذه الحركات النابذة للدولة من فرض وجودها بقوة، والخطير في الأمر أن البعض يوظفها في الصراع المحموم على المصالح، دون أدراك لواقع تلك الحركات واستيعاب لأهدافها ووظيفتها في صراع المصالح الإقليمية والدولية.
والخطر الأكبر هي الأوهام التي تعيشها قوى المصالح داخل السلطة وخارجها والتي ترى أن تلك الحركات هي المدخل لتبرير عنفها القادم بموافقة إقليمية ودولية دون إدراك إن العنف قد يصبح هو القوة الدافعة لتهيئة البيئة لفوز الحركات النابذة للدولة فتوريط الدولة في معارك خاسرة شمالا وجنوبا هي بداية الفوضى الشاملة في اليمن، والتي ستدفع المنظومة الدولية لاتخاذ سياسة محاصرة اليمن بحريا لحماية الممرات المائية، ثم بناء حاجز يمتد من المهرة إلى الجوف وبناء دولة مدعومة إقليميا ودوليا في هذه المنطقة لحماية مصالح الشركات الأجنبية في الصحراء اليمنية وأيضا حماية الخليج، وتحويل سواحل حضرموت إلى مركز للتموين، وترك بقية اليمن يأكل نفسه حتى يأتيه اليقين بأن الدولة المعبرة عن الكل لا الجزء هي الحل.
أولا: دويلة عدن ـ أبين ومنطقة التوحش القاعدية
البنية العقدية والايدولوجيا التكفيرية المؤسسة لـ "تنظيم القاعدة" وفرعه "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" لا تؤمن بالأوطان وتُكفْر الحكام وتنفي كل من يخلفها، وإستراتيجيتها المحركة لفعلها ترفض العملية السياسية الحديثة التي تتطور في البلدان العربية والإسلامية، فالدول الوطنية ليست إلا كيانات كافرة وتدميرها وإلغائها هو المقدمة الأولية لتأسيس دولة الخلافة ونصرة الإسلام. والطريق المؤسس لمشروع الخلافة هو القتال والتدمير والحرب الدائمة حتى يتحقق الحلم النهائي في بناء دولة الخلافة التي سوف تصبح منطلقا لمحاربة الآخر، فالحياة قتال دائم من أجل الحق وهزيمة الباطل، والحق هنا هو فهمهم للدين لا الدين ذاته.
الأوهام التي بنتها الإسلاموية الجهادية في معاركها مع واقعها كثيرة ويتم التعامل معها كحقائق مطلقة، ولأنها تستند في بنائها الإيديولوجي على غيبيات فإن التفسيرات التي قدمتها الحركات الإرهابية لا علاقة لها بالواقع ولا تحولاته وهي قراءة شاذة للدين ونصوصه، لذلك فإن نتائجها كما ينطق الواقع كانت خراب ودمار.
وفي حركتها المحمومة في ظلال النصوص وأوهام الإيديولوجية الجهادية تم إنتاج مخاطر لا حصر لها على الإسلام وعلى المسلمين وتحولت القاعدة وأشباهها إلى أداة هدامة لمستقبل الجميع، والمستفيد الأكبر من أفعالها وفكرها هم أعداء العرب والمسلمين، ولو اجتمع أذكاء أذكياء العالم ومخططوه الاستراتيجيين العباقرة لوضع مخطط لتدمير أمة العرب والمسلمين ودينهم ومصالحهم ما وجدوا أداة كـ "تنظيم القاعدة" لتنفيذ المخطط.
اليمن جزء من أوهام الإرهاب الإسلاموي، فالأحداث المتلاحقة في اليمن جعلته منطقة رخوة وبيئة ملائمة للنمو، وما يقوي من فاعلية الاتجاه نحو اليمن هو الأوهام الدينية، ولتحقيق الوهم الذي يؤكد على خروج جيش أسلامي من عدن أبين أعد له بدقة خلال الأعوام السابقة، ومراحل التنفيذ قد بدأت وهي تجري على قدم وساق في الراهن، والفرق المقاتلة قد تم إعدادها ويتم إعداد المدد والعمل على إعادة تنظيم القادمين من خارج اليمن، وحاليا يقومون بتهيئة الواقع لإعادة التجنيد من أوساط الشباب الغاضب خصوصا في المحافظات الجنوبية، ولخلق ضباب في المرحلة القادمة فإن الإرهاب الأصولي يعمل على خلق تنظيمات متعددة وفق خطط مرسومة بحيث تتمظهر بأشكال متعددة بعضها لا يرفع شعارات إسلاموية ولكنها مرتبطة بعلم وبدون علم بالنواة (قيادة سرية) المحرك للفعل كله.
وهذا الوهم الأصولي الذي يستقطب الإرهاب للمعركة القادمة في اليمن بعد ان حوصر وفقد ملاذاته الآمنة ليس مرتبطا بـ "تنظيم القاعدة" فحسب بل بحركات جهادية متعددة وهي في مرحلة تنسيق جهودها لتوحيد الصف من أجل تنفيذ وهمها، أما النص المؤسس لهذا الوهم فهو حديث الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم، "يخرج من عدن أبين اثنا عشر ألفا ينصرون الله ورسوله هم خير من بيني وبينهم".
وحسب دستور القاعدة الجديد فإن الأمر يحتاج في بداية الأمر إلى تحويل بعض المحافظات الجنوبية إلى "منطقة توحش" حسب الدستور الإيديولوجي والعملي للقاعدة الذي ظهر في كتاب "إدارة التوحش: أخطر مراحل ستمر به الأمة" لمؤلفه أبي بكر ناجي، ومنطقة التوحش تعني أفراغها من أي سلطة إلا سلطة الإرهابيين التي تتكون من جيش المقاتلين المنتظم في خلايا وجهاز إعلامي دعائي وجهاز خداماتي قضائي من المتعاونين لتنظيم الحاجات الأساسية وحل المشاكل فيما بينهم بالشرع الديني كما تفهمه القاعدة، وفي منطقة التوحش يوجد جهاز استخباراتي سري وظيفته ملاحقة أعداء التنظيم، ووضعهم أمام خيارين لا ثالث لهما أما التوبة والاستجابة لإستراتيجية التنظيم أو القتل، ومن يقاوم يتم تصفيته بالاغتيال.
أما الوظيفة الأساسية لمنطقة التوحش فهي تحويلها إلى منطقة انطلاق لضرب الأعداء في المناطق المجاورة وضمها إلى التنظيم، وأيضا التنسيق مع التابعين للتنظيم في الدول المجاورة لضرب المراكز الحيوية لتلك الدول وإنهاكها حتى تسقط بأيدي "تنظيم القاعدة"، وتحويلها إلى مناطق توحش بدورها.
وقيام مناطق للتوحش يمثل ضرورة إستراتيجية لمواجهة الأعداء القادمين من الخارج الذي سيؤدي قدومهم إلى الدخول في حرب مع المجتمعات لا مع الدول و"القاعدة" تعتقد أن الصراع مع الغرب في ظل تدمير الدول والنخب السياسية المرتبطة مصالحها معها ووفق آليات إدارة التوحش الذي يمثل القتل والذبح محوري فيه سيجعل الأفراد في ظل الفوضى إلى اللجوء للدين ولن يتعاونوا مع الأجانب بل مع من يمثل الإسلام أي القاعدة حسب اعتقادهم حتى يموتوا شهداء.
قد يبدو الأمر بالنسبة للأذكياء والخبراء بواقع المجتمعات العربية وواقع الدول والمنظومة الدولية وأيضا المدركين لتاريخ حركات التحرر الوطني أن دستور القاعدة يبدو ساذجا وعدميا، إلا أن الأوهام الأصولية وواقع "تنظيم القاعدة" وخلفياته التاريخية وطبيعة تكوينه والمستفيدين من أفعاله وبعد أن أختطف الإسلام من قبلهم ومن قبل شيوخ التطرف والمتأسلمين الفوضويين، يجعلنا نرى أن الأوهام الأصولية الإرهابية تدير معاركها بحسم وقوة وبإرادة جازمة ووفق آليات قد تبدو ساذجة وعدمية إلا أن فاعليتها ومع دخول التكوينات الجديدة "لتنظيم القاعدة" المخترقة من الأجهزة الاستخباراتية للدول المستفيدة قد يمكنها من تحقيق بعض أهدافها بما يضر المصالح العربية ليس إلا، لذا لابد من التعامل مع التهديدات بجدية وبعمل شامل منظم وتكوين مفاعلات مضادة لحماية المجتمعات والدول من هذا الفكر والعمل التدميري.
ومسألة دخول الإرهاب على خط الصراع السياسي في اليمن يمكن قراءة بعض ملامحه من فاعلية التنظيم وانتشار رؤاه لدى تيار ليس بالهين ومن متابعة الكتابات المتعددة في الصحافة العربية والعالمية ومواقف الدول الداعمة لدولة الوحدة فالآخرين أصبحوا علي يقين من خطورة الوضع فطبيعة الصراع الراهن قد يتحول إلى مدخل لتفجير الوضع وتهيئة البيئة للإرهاب.
المشكلة أن بعض القوى الداخلية تتحرك بأوهام متناقضة مع الواقع، فالبعض في ملحمة الصراع المحموم على المصالح أو نتيجة الإغراق في نظريات المؤامرات أو نتيجة قلة الخبرة بالواقع يعتقد أن ما يجري في عرض البلاد وطولها من تخطيط النظام وتدبيره لضرب خصومه ومحاصرة المهدي "المشترك" !! أو قتل "الحراك السلمي" الذي يدمر نفسه ذاتيا في خطابه العصبوي الذي بث الكراهية والحقد بين الناس ليقتل طاقاتهم الإنسانية الكفيلة بتحرير الواقع من الظلم وأيضا في تحركه خارج سياق المشروع الوطني وبما يناهض حاجات الواقع الباحث عن العدالة والمواطنة المتساوية وتحقيق الشراكة ومشكلة الحراك العويصة أنه يبحث عن مشروعه السياسي برؤية انتهازية مؤسسة على الغنيمة وتائه في مصالح اللحظة الراهنة متناسيا طموحات المستقبل والحاجات الواقعية، ولو استفادوا من أطروحات الحزب الاشتراكي التي يطرحها الأمين العام رغم اختلفنا معه لحققوا الكثير من النجاح.
ثانيا: الحوثية وتوريط الزيدية في جدلية الغيبيات الإيرانية
ولتكتمل الصورة لابد من الإشارات إلى الحركات الدينية النابذة للدولة كـ "الحوثية" وهي حركة غامضة لا تعبر عن التكوين الزيدي بل هي حركة خطيرة مهددة للزيدية، أو أنها زيدية متطرفة تحاول تثوير الفكر الزيدي بآليات الثورة الإيرانية والحركات السياسية التابعة لها، ومن يتابع أنشطة الحوثية الأخيرة وتصريحات القيادات سيجد أنها تتبع خطى حزب الله اللبناني رغم اختلاف البيئات وطبيعة الصراع، وفي تصوري أن أسلوب عملها الأخير يدل أنها انتقلت إلى مرحلة الثانية من التوسع والانتشار ولم تكن الحروب السابقة إلى مرحلة أولى لبناء المظالم والتأسيس عليها في المواجهة السلمية القادمة التي قد تصبح ساخنة أن لم تتعقل الحوثية وتعيد ترتيب نفسها من خلال قبول شرعية تواجد الدولة وهيمنتها على مناطق تواجدها، وعندئذ سيكون لها الحق في التعبير عن نفسها بما لا يناقض مع قانون ودستور الدولة.
يؤكد بعض المحللين أن الحوثية مساندة لمخططات "القاعدة" بطريقة غير مباشرة، فتأسيس مجتمع مغلق على الحوثية في جزء من شمال اليمن والحلم بتكوين جيتو حوثي في صعده وتحويله إلى منطلق للتوسع والانطلاق لبناء الدولة في اللحظة المناسبة جعلها تتوافق مع القاعدة فيما يخص أنهاك النظام السياسي، ورغم أن هذه المسألة مبنية على معلومات مشتتة وغير واضحة إلا أن طبيعة الصراع الإقليمي والاستراتيجيات التي تعتمدها بعض الدول الإقليمية كإيران في مواجهتها للسعودية قد يجعل الأمر مقبول خصوصا والدول في سلوكها الخارجي تستند على قاعدة الغاية تبرر الوسيلة، ومسألة إشغال المملكة في خاصرتها الجنوبية وخلق بؤر توتر في الجزيرة العربية يمنح إيران مجال لتحقيق مصالحها ويمكنها من أن تكون لاعب مهم، والمملكة بالنسبة لايران بصرف النظر عن العقائد الدينية قوة معيقة لهيمنة إيران، لذا فإن ارتباطات الحوثية بإيران حتى غير الرسمية يمثل مخاطرة كبيرة على مستقبل اليمن.
وقد صرح أكثر من مسئول يمني أن الحوثية لها ارتباط مع دوائر غير رسمية مجنونة تتحكم فيها إيديولوجيات دينية مهووسة بغيبيات مهداوية، وسر أهتمام بعض رجال الدين باليمن ذا بعد غيبي فالأحاديث في المراجع الأثنى عشرية تؤكد أنه يخرج من كرعة من قرى خولان صعدة حسن أو حسين يستولي على صنعاء ورايته من أنقاء وأصدق الرايات حتى من الرايات الإيرانية وهذا اليماني المناصر للمهدي يتجه إلى الحجاز لملاقاة المهدي في مكة بعد خروجه ثم الاتجاه إلى العراق ليلتقي بالرايات السود القادمة من إيران لمقاتلة السفياني القادم من سوريا في العراق وعند هزيمته على يد اليماني القادم من صنعاء سوف يستتب الأمر كله للأمام، وظهور حركة دينية في صعدة هي المقدمة لهذا اليماني وهي حسب المعتقدات الشيعية الأثنى عشرية من علامات ظهور المهدي كما ورد في كتاب عصر الظهور لمؤلفة الكوراني.
يؤكد الكثير أن الحوثية لا علاقة لها بالاثنى عشرية إلا أنها متشيعة سياسيا لإيران ونظامها الحاكم وأسلوب الحكم يمثل نموذجا للحوثي ومشايعيه، بل أن الحوثية تحاول أن تتبع خطى المذهب الاثنى عشري فيما يخص ترسيخ مفهوم الولاية السياسية والدينية، وهي محور كل ملازم حسين الحوثي الذي قتل في مرحلة سابقة، وهذا المفهوم من ناحية عملية في حالة تحويله إلى عقيدة دينية معممة لدى عامة الناس فإن الحكم لن يكون إلا في البيت الحوثي حتى وأن كان النظام جمهوري، فإيران الفارسية بالإيديولوجية المذهبية جعلت العربي الهاشمي حاكما، فكيف باليمن العربية المحبة لآل البيت، والمسألة بحاجة لترسيخ مفهوم الولاية ليصبح الحكم لصالح الحوثي.
استغلال إيران الحوثية عبر زكاة الخمس أو استغلال الحوثية لإيران في مواجهتها وصراعها الداخلي لمواجهة الدولة وفرض فكرها قد يكون مبررا في لعبة السياسة والصراعات والتناقضات الداخلية اليمنية والإقليمية لأنه لم تعد تلتزم بأي معايير، إلا ان النتائج ستكون وبيلة على الدولة والمجتمع وستكون الحوثية أكبر الخاسرين أن أدركت الواقع كما هو لا كما يُفهم من خلال الإيديولوجية لأن الإيديولوجية تتجاوز الواقع كما هو وتصنع واقعها المتخيل.
وهذه الحركة في وضعها الراهن تتشابه مع "القاعدة" من حيث الآليات العقلية التي تحكم طريقة فهم الواقع وأيضا من حيث التحرك في مجال الأوهام والغيبيات التي ما أنزل الله بها من سلطان، رغم ان الحوثية أكثر تعقلا واحترافا في إدارة معاركها مقارنة بالقاعدة، يؤكد بعض المراقبين أن كل طرف يستغل الآخر رغم إدراكهما لتناقض الأفكار والأهداف النهائية لكلاهما، وكل طرف يقنع نفسه أنه هو المنتصر في نهاية الأمر حتى وأن تعاون مع عدوه المذهبي لأن كلاهما على قناعة مطلقة أنه وحده مالك الحقيقة والمدعوم من رب السماء، وكل طرف يعتقد أن الآخر على باطل مطلق وأنه مهزوم لا محالة والضرورات لدى الطرفين تبيح المحظور.
وما يجمعهما أن مجال الحركة الأكثر أهمية يتجه شمالا نحو السعودية والخليج فالمنطقة هي الغنيمة الكبرى لتحقيق الأوهام!!
الحراك في بؤرة الخطر المضاعف
ومن يتابع الواقع سيجد أن بعض القوى السياسية والاجتماعية وحتى الدينية قد وقعت في براثن مخططات الآخرين بدون علم أو نتيجة ارتباط بعضها بدوائر خارجية تدير معاركها دون ان تكشف أوراقها للفاعلين صانعي الحدث في الواقع اليمني، ولأني سأضرب مثال بقوى في المحافظات الجنوبية وحتى لا يظن البعض أن كلامي القادم يستهدف المظلومين في المناطق الجنوبية أو مشروعهم السياسي المشوش فإني أقر بالظلم الواقع على تلك المحافظات نتيجة سوء الإدارة وجشع بعض القوى الانتهازية والفاسدة، وأطالب بمعالجات جذرية للمسألة الجنوبية حتى لا تقع القوى الشريفة والمناضلة والوطنية أياً كانت أخطائها في براثن الأوهام الأصولية.
فمثلا صرح قيادي قبل عام في "الحراك الجنوبي" أن حركات جهادية وتنظيم القاعدة قد انضموا "للحراك السلمي" وكان لذلك التصريح والذي هدد فيه باللجوء للعنف ردود فعل كثيرة من قبل الدولة ومن قبل القوى المدنية في الحراك. وعندما سؤل قيادي في الحراك مؤخرا في صحيفة محلية بخصوص انضمام حركات إرهابية للحراك أكد أن الحراك الجنوبي يقوم على إستراتيجية سلمية وهو مفتوح للجميع وكأن الأجدر أن ينفي أي علاقة ويؤكد أن الحراك لا يمكنه أن يستوعب الإرهاب الإسلاموي في بيته لأنه حركة مدنية سلمية لا يمكنها أن تتعامل مع الإرهاب.
اعتبر البعض تلك التصريحات دعائية لتهديد النظام الحاكم وممارسة ضغوط على دول الجوار، ولم تتضح خلفيات تلك التصريحات إلا بعد أن أعلنت "القاعدة" والجهاديين المتطرفين تأييدهم للحراك والذي تجلى بوضوح في خطاب الجهادي طارق الفضلي والذي أعترف في مقابلة لصحيفة أهلية أن علاقته بأقطاب الجهاد قوية ودشن خطاب قبلي يحمل في مضمونة نبرة العنف، ورغم نفيه لأي علاقة بالقاعدة إلا أن تحليل بنية خطابه مع البيان الذي أعلنه زعيم "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" والذي ذاب حبا في الحراك!! سيلاحظ الكثير من التشابه.
قد يبدو الربط بين الحراك والقاعدة لا يستند إلا وقائع مثبتة إلا أن القاعدة ربما لها طموحات في الهيمنة على الحامل الشعبي الذي يستند عليه الحراك من خلال تبني مطالبه بوجهها المنتج للعنف، لأن الحراك بعد أن تورط في خطاب الجغرافيا عجز عن تطوير مشروع سياسي واضح، ويتحرك في فراغ فكري بالاستناد على أوهام متناقضة مع واقع الجنوب التاريخي، والنتيجة أن الحراك يتحرك بلا مشروع فكري واضح ومشروعه السياسي مشتت ومرتبك ويستند على قيم الوعي القبلي في مواجهة دولة الوحدة ولو أستند على وعي مدني وعمل على بناء المشروع الوطني وابرز فيه مشروعه السياسي لحمى نفسه من فيروسات الثقافة التقليدية ولبناء سدود منيعة في وجه من يريد تدميره.

هذا الفراغ المرعب والمخيف في ظل التعبئة المستندة على بث الكراهية سيجعل الأفكار الدينية "الجهادية" التي دشنها ناصر الوحيشي زعيم تنظيم القاعدة في جزيرة العرب تلقى استجابة قوية لدى الفئات الشابة التي يعتمد عليها الحراك في المحافظات الجنوبية في حالة تفجر الصراع، والوعي الأصولي يتشابه كثيرا مع الوعي القبلي من حيث استناده على القوة والمغايرة ونفي الآخر ومقاتلته وإلغائه والاستناد على تاريخ الآباء والأجداد...الخ لذلك فإن البيئة مهيأة للحركات المتطرفة لأنها أكثر استجابة لحاجات الوعي القبلي الذي يرسخه الحراك، وفي حالة تفجر الصراع فإن النخب الواعية في الحراك وربما قيادته أمام خيار الاستجابة للجمهور الذي سيتماهي مع الفكر الاسلاموي الإرهابي أو التصفية لأنهم خونة.

من الواضح أن الصراع على المصالح وإستراتيجية الحراك في مواجهة المظالم هما المدخل لإشعال الحروب، ورغم شعارات السلم المرفوعة إلا أن إستراتيجيته الحالية النافية للوحدة قد تتحول إلى أداة هدامة مدمرة للدولة واستقرار وأمن المجتمع لصالح الحركات المتطرفة، والقضاء على دولة الوحدة الضامن الأكبر للسلام، فالحركة العشوائية والغاضبة لمواجهة واقع الظلم والفساد في ظل تهور سلطوي غير قادر على تقديم التنازلات لبناء الدولة قد يحول اليمن إلى مركز لنشر الفوضى في المنطقة.
التقاء المصالح المتنافية .. من الرابح؟
أين تلتقي مصالح المتطرفين يمكن القول أنه إذا كان الهدف المحرك "للقاعدة" هو تشكيل دويلة إسلاموية أو منطقة توحش حسب دستورها في المحافظات الجنوبية تابعة للتنظيم من خلال تبني المظالم ومحاولة التماهي مع مطالب الحراك، فإن الحراك في لحظات اليأس قد يجد بعض أطرافه مجبراً على قبول الإرهاب الإسلاموي في بنيته حتى يتمكن من مواجهة صنعاء، وهنا ستقع الكارثة على الدولة والحراك ليربح الإرهاب.
أما تعاطف الحركة "الحوثية" مع الحراك بوجهه المتطرف فمهم جدا، فالانفصال سوف يقود إلى الحرب وهنا سوف تتمكن الحوثية من فرض وجودها وقد طالب الناطق باسمها الرئيس صالح بالتخلي عن الجنوب وتركه لأهله، بل أن بعض القيادات الحزبية في الجنوبية القريبة من فكر وإستراتيجية الحوثي هي من القوى النشطة والفاعلة في الوسط الذي يعلي من الخطاب المهدد لدولة الوحدة وكان لها دور قوي في الاجتماع الذي نظمه طارق الفضلي في أبين في 27 أبريل الماضي.
والأخطر أن العمى وغياب المشروع جعل بعض المتعصبين للجغرافيا الجنوبية يعتقد أن نشؤ دويلة "حوثية" سوف يقوي انفصال الجنوب عن الشمال لأن المحافظات الشمالية ستدخل في صراع سياسي ومذهبي وهذا سيشتت طاقة الدولة، مما يسهل لهم تنفيذ مشروعهم، دون إدراك لمنطق الجغرافيا السياسية ومصالح القوى الإقليمية وتناسي القوى المتنامية للمتطرفين في المحافظات الجنوبية.
أما أنصار دويلة "عدن أبين" فهم على قناعة تامة أن التطورات سوف تخدم أهدافهم ونشوء دولة متطرفة مذهبية في مناطق القبائل سوف ينهك الدولة وهذا سيمكنها من السيطرة على الجنوب وتحويلها إلى منطقة توحش، بل أن ذلك ربما يدفع بعض القوى في المحافظات السنية الشمالية للالتحاق بالدويلة الإسلاموية في الجنوب ومساندتها في صراعها العالمي والمركز على البحار وعلى الخليج، وعلى أقل تقدير أن تخترق تلك المحافظات وتحولها إلى مخزون بشري لدعم معاركها، أو تحويلها إلى مناطق توحش لمواجهة الدولة الشيعية في شمال الشمال.
ومن المهم أن ندرك أن تشكل دويلة تابعة "للحوثية" في الشمال ودويلة إرهابية في الجنوب سوف يمثل قوة ضغط على الخليج وسوف يسهل للقاعدة تنفيذ أهدافها في إشغال المنظومة الإقليمية والدولية، وكل ذلك تلقائيا سوف يمكن إيران من فرض مصالحها على الجميع وربما السعي لفرض هيمنتها بعد أن تتحول اليمن إلى مدخل لإضعاف العرب وإشغال العالم.
ولن يجد الغرب والخليج أمامه من خيار كما ذكرنا إلا عزل الخليج بدولة تمتد من المهرة إلى الجوف ومأرب وبناء جيش من المرتزقة لمواجهة المهدد لأمنهم، ومحاصرة اليمن بحريا، وبناء تحالفات مع أمراء الحروب، ولن يتوانوا عن ضرب التجمعات السكانية، والأكثر تعاسة أن اليمن سيتحول إلى مكان لتفرز القوى الإقليمية والدولية أحقادها بدماء أهل اليمن.
ما العمل؟
لا مخرج لليمن إلا ببناء الدولة وتدعيم قوتها، ويمثل إعادة بناء شراكة ديمقراطية حقيقية أولوية في المرحلة القادمة لتحقيق الهدف، دولة الشعب لا دولة المصالح الفاسدة، دولة النظام والقانون لا دولة القبيلة، دولة الحق والعدالة لا دولة الباطل والظلم، دولة مدنية لا دولة دينية مزينة بشعارات عصرية، وبدون ذلك فإن الصراع نتاج طبيعي، على النخب أن تسعى من أجل صفقة تاريخية لحماية مصالحها المشروعة، وبدونها فإنها أصبحت أمام خيار أن يتطور الوضع تلقائيا ليتجه نحو الفوضى أو أن تتحمل مسئوليتها التاريخية لعقد صفقة تاريخية واقعية تستجيب لمستقبل اليمن وتستوعب المصالح من خلال تأسيس سياسي قادر على الاستجابة لمصالح الجميع بطريقة مدنية راقية.



المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي