فن الروايس يفقد احد رموزه الاصيلة

المهدي مالك
2009 / 6 / 27

مقدمة مفيدة
يشرفني ان استهل موضوعي الخاص بوفاة المرحوم الرايس مبارك ايسار بالتذكير بالقيمة و الدور الكبير الذي يلعبه فن الروايس كتراث متعدد الوظائف و المهام داخل المجتمع المغربي عموما و الامازيغي خصوصا حيث ان الدول المتقدمة ديمقراطيا و علميا و حتى بعض الدول العربية تسعى الى الحفاظ على تراثها الثقافي و الغنائي ,
ان الهوية الامازيغية كانت و مازالت الضحية لسيطرة المشرق العربي الواضحة منذ اكثر من 50 سنة من التعريب الكلي لثقافتنا الوطنية و المتوفرة على العديد من الانماط الفنية و الانواع الموسيقية كالطرب الانذلسي الاصيل و المحلون الاصيل و فن الروايس الاصيل بطابعه التقليدي و المتجلي في عدة امور اساسية اولها هو الشعر , ثانيا الملابس , ثالثا الآلات الموسيقية , رابعا المدارس الكبرى امثال مدرسة الحاج بلعيد و مدرسة الحسين جانتي و قائمة طويلة للغاية.
اذا اخذنا شعر فن الروايس فسنجده يحمل الكثير من المضامين المسايرة لمجموعة من الظروف مثل الزمان و المكان حيث سنجد ان الحاج بلعيد كان مدافعا عن التقاليد المحافظة و عن الاصالة في عهد الاستعمار الهادف الى احتلال البلاد و تغيير هوية المغاربة الدينية و الثقافية و لهذا السبب ظهر شعر المقاومة عند الرايس الحسين جانتي و الرايس عمر واهروش الخ قصد نشر الوعي بضرورة طرد الاجانب و رجوع المرحوم الملك محمد الخامس من المنفى و هذا النوع من الشعر كان يستعمل الدين كسلاح مفيد و واقعي في تلك المرحلة.
و بعد الاستقلال ظهر جيل اخر من الروايس بمضامين مختلفة عن الجيل السابق كالارشاد الديني و الغزل الرمزي و بالاضافة الى الاغنية الوطنية التي كان يسجلها جل الروايس في بعض الاعياد الوطنية او في بعض الاحداث التاريخية كحدث انطلاق المسيرة الخضراء ,
ان هذا الجيل قد انجب لنا مجموعة من الروايس و الرايسات و كذا عدة هموم مجتمعية كالفقر و تهميش الثقافة الامازيغية و قضية المراة من خلال نموذج الرايسة رقية تابنسيرت و الرايسة فاطمة تيحيحت الكبيرة التي تركت قصائد رائعة و راقية مع المرحوم الحاج البنسير و المرحوم الحاج عمر واهروش و تتحدث هذه القصائد عن معانات المراة خصوصا في العالم القروي,
اذن فن الروايس هو متعدد الوظائف الاجتماعية و الثقافية و الدينية و ساهم بشكل كبير في مقاومة الاستعمار لكن الجهات الوصية على قطاع الثقافة و الاعلام البصري على وجه الخصوص لم تعطي الحق الكامل لفن الروايس كتراث مغربي اصيل حيث لم نسمع بان مؤسسة ذات طبيعة ثقافية قد حملت اسم احد الروايس باستثناء معهد الحاج بلعيد للموسيقى بتيزنيت و لم نشاهد قط برنامج تلفزيوني يستغرق ساعتان يتحدث عن حياة احد الروايس بينما نشاهد برامج سباق الاغاني العربية و برامج مسابقات اكتشاف الاصوات الغنائية في فرع الاغنية العربية و الدولية بمعنى بان هناك مشاكل مازالت قائمة في عملية ادماج الهوية الامازيغية في التلفزيون المغربي,
و في هذا الاطار يستعد المعهد الملكي للثقافة الامازيغية لاصدار تقرير تقييمي حول وضعية الامازيغية في اعلامنا البصري منذ دجنبر 2006 أي منذ بداية بث البرامج الامازيغية في هذا الاعلام لكنني اسجل هنا مع كامل الاسف التمييز الصريح حيث على هامش مهرجان موازين المعروف قامت قنواتنا التلفزيونية ببث سهرات فناني العرب على الهواء مباشرة بينما تابعت سهرة الرايسة فاطمة تاباعمرانت عبر الاذاعة الامازيغية و صراحة اعتبر هذا التصرف بمثابة احتقار للفنان الامازيغي خصوصا لان هذه القنوات مازالت لم تحترم تعهداتها تجاه الهوية الامازيغية حتى اليوم.
رحيل الرايس مبارك ايسار

بعد هذه المقدمة المتواضعة ننتقل الى الحدث المؤلم و المتمثل في وفاة واحد من رموز فن الروايس الذي اعطى الشيء الكثير للاغنية الامازيغية السوسية من حيث الألحان و الشعر المنطلق من احاسيس هذا الفنان و الرايس مبارك ايسار هو انسان له مكانته المحترمة لدى الجمهور الامازيغي باعتباره يملك القوى و الحنان في نفس الوقت و قصائده قد تناولت مواضيع مختلفة مثل الغزل الرمزي و خيانة العهد في الزواج حسب ما فهمت من سماع لاحدى قصائده لان الرمزية في الشعر الامازيغي عامة تستعمل في التطرق الى قضايا ذات صبغة حساسة كالحب بين العشاق و السياسة الحاضرة في قصائد بعض الروايس امثال الحاج البنسير الخ,
ان الشعر الديني حاضر في قصائد المرحوم حيث انه لم يخرج من قاعدة الروايس الهادفة الى الارشاد الديني و زرع الاذاب الاسلامية الا ان مبارك ايسار تميز بقصيدة الموت التي هي عبارة عن معاناته مع مرض الشلل النصفي و قد شكر كل من ساعده في هذه الوضعية .

اهتمام الاعلام

منذ يوم وفاته الذي هو الاحد 31 ماي اهتمت الاذاعة الامازيغية بهذا الحدث حيث خصصت برامج حول حياته الفنية و الشخصية و شهادات بعض الروايس كالرايسة فاطمة تاباعمرانت و الحاج الحسين امنتاك الذي لم يستطيع الكلام بسبب الصدمة القوية عليه باعتباره كان صديق المرحوم و ثم تدخل الاستاذ محمد الخطابي رئيس الفرع الجهوي للنقابة الوطنية الخاصة بكل ما يتعلق بالاغنية المغربية لحديث عن معانات المرحوم مع المرض حيث ذكر الخطابي بان مبارك ايسار سقط على فراش المرض منذ سنة 1997 و يسكن مبارك ايسار في حي الدشيرة الفقير لكنه يتميز بكونه مقر الاقامة لعديد من الروايس و الفنانين الامازيغيين ,
و كما اهتمت اذاعة كازا ف م بهذا الحدث من خلال البرنامج المتميز انموكار ن تيفاوين د ؤمارك حيث استضافت الاستاذة زينة همو الرايسة الكبيرة فاطمة تاباعمرانت التي قدمت التعازي الى المستمعين باسمها الشخصي و باسم المعهد الملكي للثقافة الامازيغية و ثم انتقلت الى استنكار تجاهل اعلامنا البصري لموت مبارك ايسار كفنان مغربي اولا قبل كل شيء و له قيمته الفنية و قالت ان هذا السلوك العنصري يرجع بنا الى العقود الماضية بحيث ان الثقافة الامازيغية كانت لا تتوفر على أية حقوق ثقافية او على اعتراف رسمي بكونها مكون اساسي للشخصية المغربية بمقارنة مع اليوم لكن البعض مازالوا يعتقدون بخرافات الماضي و احتقار كل ما هو امازيغي .
اما بالنسبة لاذاعة راديو بلوس اكادير المتميزة فاعلن الاستاذ محمد ولكاش على انها ستنظم حفل كبير بمناسبة الذكرى الأربعينية لوفاة المرحوم بمشاركة نخبة من الروايس و ربما بعض الاساتذة الباحثين في مجال الثقافة الامازيغية و اقول ايوز لهذه المبادرة الحميدة من اذاعة القرب و اذاعة سوس بامتياز لكن لم نسمع مثل هذه المبادرات على مستوى التلفزيون المغربي بقنواته العديدة كاننا لسنا بمغاربة او فناني المشرق العربي هم خيرا من فنانينا الامازيغيين؟

توقيع المهدي مالك


اليكم عنواني الالكتروني للتواصل
mehdimalek2006@gawab.com






محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير