الأقلية الغنية ومصالح الخارج وانتاج الغنائم بالحروب الأهلية

نجيب غلاب
2009 / 6 / 4

ما قُدم من تفسيرات لحرب 1994م في أغلبها سياسية وهي توصيفات يقترب بعضها من واقع الحدث إلا أنها تظل ناقصة لأنها لم تتعمق كثيرا في أبعاد الحرب وأطرافها الخارجية ونتائجها في صراع المصالح العالمية ولم تقترب من الرابحين الكبار فيها، لذا سوف نركز على التفسيرات الاقتصادية لأنها ظلت بعيدة، وكشف هذا البعد مهم جدا لأنه أولا: سوف يوسع دائرة الأطراف المخططة والمنفذة، والأمر ذو الأهمية القصوى ثانيا: لأنه سيجعل قراءة الواقع وتحولاته الراهنة للقوى المدنية أكثر واقعية بما يجعلها قادرة على فتح آفاق أبداعية لفهم واقعها واتخاذ القرار الصحيح لصياغة المستقبل الحامي لمصالح الأمة اليمنية.

واستيعاب البعد الاقتصادي بنظرة شاملة قد يمكننا من التعامل مع بعض القضايا المصيرية كمسألة الوحدة بطريقة عقلانية وواقعية بحيث نتمكن من تجاوز لحظات الغضب التي يفرزها بشكل طبيعي واقع القهر والظلم، سنحاول في هذه المقالة كشف مخططات القوى المختلفة خصوصا التي تحركها المصالح الخاصة، والتي تحاول أن تقودنا في المرحلة القادمة نحو حرب خطيرة لإتمام ما لم ينجز في الحروب السابقة، ولمحاصرة القوى الجديدة التي أفرزتها الحرب، والتي تقود نضال جاد لحماية المصالح الشعبية وبطريقة نافية للمصالح التي كونتها آلية الفساد التي أنتجتها الصراعات.

سأحاول هنا أن أعرض الاستراتيجيات المعتمدة في الصراع دون استعراض المعلومات لأنها كثيرة وتحتاج إلى كتاب كامل لإثبات المقولة الأساسية التي تفترضها المقالة وهي أن الحرب والاتجاه نحو العنف باسم حماية القيم الكبرى ليست حاجة وطنية وإنما هي نتاج سياسة عالمية وحاجة نخبوية مرتبطة بأطراف داخلية تجارية وسياسية وأيديولوجية.

ورغم تناقض المصالح الداخلية إلا أن قوى الهيمنة الدولية بتعاون مع أطراف داخلية في الشمال والجنوب تعمل في اتجاهين أحدهما بطريقة خفية يقوي من فاعلية القوى المقاومة كالحراك ودفعها إلى نفي الوحدة حتى تضعف من قوتها وتفقدها هيبتها الوطنية وتجعلها مدخل لتبرير حروبها والاتجاه الآخر هو التفاوض مع القوى الأخرى في السلطة وخارجها وإعادة بناء توافق فيما بينها لقيادة الحروب التي من خلالها سيتم قمع كل الأصوات الحرة المتحدية للمصالح الفاسدة للأقلية وللمنظومة الدولية المتناقضة مع مصالح الشعب، وتوريط القوى الشعبية كالحراك في خطاب غاضب رافض للوحدة مهم جدا لتبرير أي فعل عنيف في المرحلة القادمة ومهم في إعادة تعبئة الجمهور وأيضا تحفيز القوى المختلفة شمالا وجنوبا والتي مصالحها مع الوحدة لقبول السياسات القادمة والتي لن تمر إلا عبر حرب فظيعة.

فتجارب دول كثيرة تؤكد أن الحرب هي الطريق الأكثر جدوى لتمرير السياسات الاقتصادية الجديدة والتي ستعظم من أرباح الأقلية وتمكنها من قمع الناس لقبول التحولات وفي الوقت ذاته تمكن الخارج من تحويل اليمن إلى منطقة نفوذ لقوى الهيمنة وبالتالي جني أرباح اقتصادية وإستراتيجية في ظل صراع عالمي تقوده الأطراف الفاعلة إقليميا ودوليا، ومن تابع مواقف الدول الإقليمية والدولية مؤخرا سيجدها صريحة وواضحة، ومصالحها قد تقتضي تمويل أي صراع قادم بعد أن تكون الأقلية قد قدمت تنازلات مسبقة للخارج.

الصراع اليمني ومصالح القوى الكبرى

بادئ ذي بدء قبل الوحدة كانت اليمن شمالا وجنوبا أرضية لمعارك الدول الكبرى وكانت الإيديولوجية هي الآلة التي فرضتها القوى المتصارعة على اليمن لتعبئة الناس في صراع النفوذ والمصالح الدولية والإقليمية، وتحولت المصالح الخارجية واستراتيجيات النفوذ والهيمنة إلى قوة فاعلة لإدارة حروب دموية بين اليمنيين ضحاياها كانوا أبرياء عقولهم مزيفة وتم حجبها بالإيديولوجيات المطلقة، وهذا النوع من الاستعباد الذي مارسته قوى الهيمنة أدخل اليمن في دوامة من الصراعات الخاسرة، وكانت الوحدة هي الفكرة الكبرى التي جعلت من الحروب أقل ضررا في النفوس بل وجعلتها قوة لتفعيل التآلف والأخوة رغم الدماء التي سفكت في صراع الوكلاء الدوليين، ومن الحروب كانت تتولد اتفاقات وحدوية تؤكد على أن السلم هو طريق الوحدة الوحيد.

ولأن الوحدة هي الفكرة المحورية في أجندة الحركة الوطنية اليمنية فإن الصراعات بين الدولتين وبين القوى المختلفة داخل كل دولة كانت تدار باسم الوحدة، وكان رافع شعار الوحدة حتى وأن كان مخادعا ينتصر دائما، بمعنى أن شرعية الدولتين ونخبها الحاكمة ارتبطت بالوحدة، وهذا كان يخفف من وطأة الصراع الأيديولوجي، ولم يجرؤ أي طرف إذا ما استثنينا بعض القوى التقليدية القبلية والدينية والتجارية في الشمال أن تقاوم هذا الهدف المحوري والجوهري الذي أسست له الثورة اليمنية، ولا يهم الخداع الذي مارسه بعض الساسة بعد أن فقدوا روحهم الثورية في المصالح الأنانية لأنهم كانوا مجبرين على الرضوخ لقوة الفعل الوطني الصادق الذي جعل الوحدة إرادة شعبية وهدف محسوم لا يشكك فيه إلا من أراد أن يتجرع الهزيمة.

دولة الوحدة المذبوحة في صراع المصالح
كان من المفترض أن تكتمل الثورة اليمنية بانجاز الوحدة إلا أن الصراع الذي فجرته قوى المصالح الداخلية والخارجية في دولة الوحدة والتناقضات العميقة الذي أفرزتها التحولات في بنية دولة الوحدة والخوف الذي أصاب النخبة الجنوبية التي وقعت اتفاقية الوحدة من محاصرتها وربما إلغائها مستقبلا خلق حالة صراع خطيرة ومدمرة.

لم تتمكن النخبة الجنوبية من بناء تحالفات في الشمال بل اعتمدت على تحالفات شكلية ومرحلية وحاولت استغلال التناقضات التي أنتجتها دولة الجمهورية العربية اليمنية في المحافظات الشمالية في الصراع ومشكلتها أنها فعلت تلك التناقضات لا من أجل التغيير لصالح مشروع وطني بديل يخدم القوى الحليفة، بل توظيف التناقضات وتفجيرها لإضعاف المنافس وتمرير إستراتيجية تأسيس الوحدة بطريقة مختلفة يخدم النخبة الجنوبية والتي فسرها المنافس بفعل قوة التيار الديني القبلي أنها خطة لتسهيل الانفصال مستقبلا.

كانت المنظومة الرأسمالية قد أعلنت انتصارها ولم تعد تحتمل أي دولة خارج منظومتها العالمية، وقد لعبت الشركات النفطية دورا كبيرا في التأثير على صانع القرار في ضرورة الضغط على اليمن لحل الانقسام الداخلي الذي جعل القرار منقسم داخل دولة الوحدة، فالوحدة الاندماجية لم توحد سلطة الدولة الجديدة، بل أن تعدد مراكز القرار جعل الحسم إشكالية كبرى كما أن الانفتاح السياسي وصراع القوى المختلفة وتناقضاتها لم يقد إلى ترشيد القرار.

كانت اليمن في حالة حرب باردة بين سلطات متعددة تدار داخل مؤسسات الدولة وفي المجتمع، هذه الوضعية أن لم يتم تجاوزها حسب اعتقاد الخارج فإن مصالح الشركات قد تتأثر كثيرا، كما أن تبني سياسات التحرير الاقتصادي حسب مصالح الأقلية والمنظومة الخارجية ستغدو مسألة صعبة ومستحيلة.

كان الحوار الوطني الذي انتهى باتفاقية العهد والاتفاق محصلة رائعة ومقبولة للحفاظ على الوحدة وربما التأسيس لدولة ديمقراطية فيها توازن للقوى المتنافسة إلا أن التيار الديني القبلي وتحالفاته مع النخبة الجنوبية المهزومة في الصراعات السابقة في دولة اليمن الديمقراطية كان قد حسم أمره بالاتجاه نحو الحرب، أما المنظومة الخارجية الدولية والشركات التابعة لدولها فقد رأت في الحرب الطريق الصائب لتفكيك بقايا الدولة الاشتراكية وأضعاف القوى اليسارية حتى تتمكن الشركات من تحقيق مصالحها وتتمكن النخبة السياسية من تمرير سياسات التحرير الاقتصادي بدون مشاكل.

ولابد من ملاحظة مهمة وهي أن قوى الحزب الاشتراكي لم تكن قادرة على قبول سياسات التحرير الاقتصادي وظلت مرتبطا بالإرث السابق، رغم أن بعض القيادات كانت قد حسمت أمرها لصالح الاقتصاد الحر بالنسخة المعممة من للبنك الدولي والتي كانت تعتمد على فلسفة الليبرالية الجديدة أو المتوحشة كما يحب أن يسميها البعض، كانت أغلب القوى الداخلية التجارية أما متخوفة من الحزب وبعضها لها ثأر تاريخي معه، وباختصار لم يتمكن الرأسمال المحلي والخارجي من تفكيك القوة التي يمتلكها الحزب بخلفيته اليسارية سلما، والجنوب مازال ثروة خامة، فكانت الحرب هي الحل.

كان من المفترض أن تنتهي الحرب لصالح الشركات العالمية بتنسيق مع الرأسمال المحلي، إلا أن الطبقة السياسية في اليمن كانت هزيلة وضعيفة ومتخلفة وثروتها لم تكن قادرة على منافسة الخارج كما أن النخبوية المهيمنة على التيار الديني والقبلي لم تتمكن من تفكيك البنية الفكرية والثقافية المتشددة لقواتها التي توظفها في صراعاتها، كما أن القطاع الخاص الذي يعمل بمعزل عن التيار القبلي أيضا وعلاقته القوية بالطبقة السياسية كان متخوف من أي تحول، وكانت مصالح تلك الأطراف مع عرقلة أي تحولات حاسمة وإنما شكلية، وهذا سهل للأطراف القبلية التجارية الجديدة التي كانت تحتاج إلى الدولة الفاسدة حتى تتمكن من أحداث تراكم رأسمالي منافس للبيوت التجارية في اليمن من عرقلة التحولات، وتم تجميد أي تحول داخل البلد لبناء دولة حقيقية ووظفت آليات فاسدة ضخمة من خلال أدوات الدولة وقوتها لتشكيل طبقة جديدة متماسكة ولتمرير مصالح الأقلية.

ورغم كل ذلك إلا أن صراع المصالح والنهب المنظم الذي مارسته النخب لم يتمكن حتى اللحظة من تكوين فئة رأسمالية ناضجة، فالمال المنهوب بقوة السلطة لا يمكنه أن يؤسس لتطور اقتصادي بل يتحول إلى عائق كبير للتنمية وقوة معيقة لأي تقدم، والمال المصنوع بالمصالح الفاسدة مازال مركز على الخدمات النافعة للنخب بمعزل عن الجمهور، وجزء منه مستثمر في اقتصاديات الدول المتقدمة أو الاقتصاديات الناشئة.

اليمن بين خيار الدولة الفاشلة أو الحرب
الحروب هي الطريق لتمرير السياسات القذرة، ولا يمكن أجبار شعب على سياسات متناقضة مع مصالحه إذا لم يكن العنف هو الطريق، وتمثل الحروب الشاملة ونشر الاضطراب والفوضى والخوف والرعب الطريق إلى هيمنة الأقلية، فالتصفيات التي مارستها النخبة الجديدة في العراق مثلا بإشراف القوة الاستعمارية كانت كفيلة بنفي المنظومة السابقة كليا والتأسيس لنخبة جديدة، والعنف الدائم ليس إلا وسيلة لتثبيت قوة النخب الجديدة، أما اليمن فإن العنف ليس إلا طريق لتثبيت مصالح أقلية تملك القوة المالية والعسكرية والتحالفات الداخلية والخارجية والذي سيجعل العنف نزهة هو الأخطاء الفظيعة والغبية التي تمارسها قوى المقاومة الشعبية.

ويمكن القول أن حرب 1994م لم تكن كافية في نظر القوى الظالمة والمدعومة خارجيا بكل قوة، ولأن التحولات القادمة في اليمن ستكون جذرية ومؤلمة على الشعب، لذا لابد من خنق كل قوى محتملة يمكن أن توقف في وجه السياسات القادمة، أن دفع الآخرين إلى ممارسة العنف وتبني استراتيجيات مناقضة لتاريخ الحركة الوطنية هو طريق الأقلية لانجاز المهمة وبموافقة خارجية.

فالمرحلة القادمة وفي ظل الأزمة المالية وضعف الدولة والخوف من تحولها إلى دولة فاشلة فإن التحرير الكامل للاقتصاد أصبح طريقا محتما حسب النصائح المقدمة لليمن من الخارج، ولأن هذا التحرير سوف يوسع من الفقر ويخلق اضطرابات واسعة، فإن الحرب هي الطريق الوحيد لقمع كل الأصوات، وليس إغلاق الصحف إلا المقدمة التي تنطق بها ديكتاتورية الأقلية الغنية.

كانت حرب صعدة مقدمة لامتحان مناطق القبائل وكيف سيتم التعامل معها، وأيضا عينة معملية لمواجهة التيارات الإيديولوجية المتطرفة، أما الحرب القادمة فستكون في الجنوب، وهذا ما يجعلني أؤكد أن دفع الحراك نحو اتجاهات مهددة للوحدة الوطنية يمثل لعبة كبرى يتم دفع الحراك نحوها من قوى داخلية وخارجية لتبرير الحرب وإقامة مذابح فظيعة تبرر السياسات القادمة والتي ستكون نهايتها قدوم الشركات الخارجية لتحويل اليمن إلى ورشة عمل استثمارية لصالح النخب والخارج.

استدراك مهم قد يعتقد البعض أن مقالتي هذا مغايرة لكتاباتي السابقة ولكنها تسير في نفس الاتجاه وهي محاولة لفتح آفاق التفكير والمهم في الأمر أن نحمي القيم الليبرالية التي يحاول البعض قتلها بالليبرالية المتوحشة التي تركز على مصالح الأقلية ومصالح الخارج، ففي دولة كاليمن رأس مالها في الموارد البشرية وتنميتها نحن بحاجة إلى الاقتصاد الحر بأجندة وطنية وبحاجة إلى ليبرالية إنسانية تحمي الفقراء أولا وتحولهم إلى طاقة منتجة لا قوة عمياء توظف في صراعات المصالح القذرة.


المستفيدين من الحروب في اليمن:
الرأسمالية المحلية التي كونتها وأنتجتها الثورة من خلال استغلال الدولة الوطنية والتي تعاظمت ثروتها بعد حرب 1994م بفعل النهب المنظم للمحافظات الغنية في الجنوب، ويأتي في قلبها التيار الديني القبلي الذي يقاتل باسم القيم الكبرى ويقود القبائل والمليشيات التنظيمية لصالح النخبة الغنية في التيار وهي نخبة انتهازية ترتدي ثياب الرهبان وتفكر بعقل الكهانة الطغموية الشيطانية.

تجار الحروب في الداخل اليمني فالحرب تحولت إلى قوة تعطي شرعية لأصحابها باسم حماية الدولة والوحدة والجمهورية لاستنزاف الميزانية العامة، فالحرب تلغي القانون وتتجاوز المؤسسات وتصبح الميزانية العامة وأموال اليمن شيك مفتوح ولا رقيب ولا حسيب، وهذه الطريقة تحدث تراكم في الثروة لتجار الحروب ويتم غسل الأموال عبر العقار وغيره وشراء الولاءات لإسكات الأصوات التي أنفجر قلبها من سياسات النهب المنظم.

الشركات المتعددة الجنسية خصوصا الأمريكية والأوربية وتركيزها على النفط والغاز، كما أن الوكالات المختلفة التي تعمل في اليمن وتابعة للشركات العالمية تعتبر جزء من اللعبة، وفي المرحلة القادمة وحسب المسح التي أجرتها الحكومة بالتعاون مع بعض الشركات فإن اليمن في باطنها من الثروات من نفط وغيره ما جعل لعاب الشركات والأقلية في الداخل يسيل ولا يهم لديها أن يقتل ملايين اليمنيين ـ في معارك يقتتل فيها المظلومين لا النخب ـ حتى تتمكن من النهب في المرحلة القادمة وكل الأصوات مقتولة وكل حراك مقبور.

دول إقليمية ودولية فصراع الاستراتيجيات على النفوذ العالمي والتحولات التي تمر بها المنظومة الدولية جعل الصراع يبلغ مداه وعادة ما يتم استغلال الدول الضعيفة لصالح الدول الكبرى، وفي اليمن فإن الأخطاء الإستراتيجية لصانع القرار جعلته يدير اللعبة بالارتجال وهذا أوقعه في تناقضات وأزمات مع الآخرين وجعله يبدو أنه لا يفقه مصالح بلده بشكل دقيق.

قوى إقليمية تجارية وسياسية بعضها يعمل على تفكيك أي تحول اقتصادي فعلي داخل اليمن فتحويل عدن أو المكلا إلى مدن عالمية ومناطق للتجارة الحرة يتعارض مع مصالح أطراف إقليمية، لذا فهي تحاول أن تفرض وجودها بطريقتين أما من خلال دخولها كلاعب أساسي في اللعبة بحيث لا تتضرر مصالحها في حالة تطور المناطق الحرة، أو الدخول في لعبة الصراعات من خلال المال عبر الوكلاء الانتهازيين لإيقاف أي تحولات حقيقية لصالح اليمن وتغذية الصراعات من المسائل المهمة لعرقلة أي تحول.

أما الخاسر الأكبر من الحرب فهو اليمن وأبنائه خصوصا الفقراء والشباب فهم القوة الجبارة التي يتم انتهاك طاقاتها وقدراتها في حروب قذرة لا تخدم إلا الأقلية ومصالح الخارج، مع ملاحظة أن ضحايا الحروب غالبا هم من أبناء الفقراء فالعقل الطغموي القذر غير مهموم بضحاياه الذين تُزيف عقولهم بالقيم الكبرى والتي هي آخر ما يؤمن فيه عُباد الثروات، وطبعا لا تزيف العقول إلا بعد قتل الحرية.

ما لعمل؟

المطلوب في المرحلة القادمة من القوى المدنية التركيز على النضال السلمي وفق شعارات وطنية وحدوية وعدم الانجرار وراء الغضب الذي تؤسس له ثقافة المغالبة القائمة على التمايز والتغاير الذي يؤسس له وعي القبيلة والذي يعمل على زرع الكراهية وهي المقدمة الأولى والجوهرية التي تخدم المستفيد لتفجير الحرب في أي لحظة.

وحتى نخفف من تهور وطموح قوى المصالح فإننا بحاجة إلى قوة سياسية متحيزة لليبرالية الوطنية المهمومة بالحرية والعدالة الاجتماعية ويمثل الحزب الاشتراكي أكثر التيارات قربا لمصالح الفئات التي ستتضرر مستقبلا لذا فإن التحام الحراك بعد تحريره من أوهامه المهيمنة على نضاله في الراهن بالحزب الاشتراكي وتوسيع نطاق تحالفاته مع الفئات الأخرى في الشمال يمثل الطريق الأكثر أمنا لحماية مصالح المجموع الوطني. (ملاحظة لست عضوا ولا علاقة لي بالحزب الاشتراكي إلا ان المسئولية الوطنية تجعلني أفكر بموضوعية متحيزة لليمن).


وأخيرا:
أدعو القوى المدنية والتي يأتي الحراك في مقدمتها للتعامل مع الأفكار المعروضة في المقالة بجدية وبمنطق العقل ودراسة الواقع اليمني وتحولاته خصوصا دراسة القوى الاقتصادية وأين تكمن مصالحها؟ ولن يكون ذلك إلا بعد استيعاب دراسة الأدبيات العالمية للاقتصاد السياسي والصراع العالمي الحالي ودراسة تجربة العراق ودول أمريكا اللاتينية وبعض الدول الإفريقية خلال الثلاثة العقود الأخيرة من القرن الماضي، لأن الاعتماد على التحليلات السياسية للمناضل الميداني أو المناضل المعزول عن الصراع العالمي والتحولات التي تسعى قوى الهيمنة فرضها على دول العالم الثالث سيجعل التحليل ناقصا وبالتالي فإن الحلول المطروحة ستتحول إلى قوة للتدمير الذاتي.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير