تحليل ظاهرة الاسلام الساسي في المغرب بين خرافات الماضي و الارتبط الوجداني بالمشرق العربي3

المهدي مالك
2009 / 6 / 3

تحليل ظاهرة الاسلام السياسي في المغرب بين خرافات الماضي و الارتباط الوجداني بالمشرق العربي3
الخلاف الايديولوجي بين الحركة الامازيغية و حركات الاسلام السياسي

مقدمة مفيدة
انني فتحت عيني على محيط يتحدث باللغة الامازيغية و يمارس مجموعة من العادات و التقاليد المرتبطة بتراث الاجداد الثقافي و الديني بمعنى ان هذا التراث لا يتعارض ابدا مع الاسلام كدين و كشريعة و كاخلاق موقرة تحترم الاذاب الاسلامية و تجرم الفساد الاخلاقي كالزنا و الشذوذ الجنسي الخ من قيم مستوردة من الغرب و المشرق على حد السواء و المغاربة عموما و الامازيغيين خصوصا يعتبرون مجتمع محافظ و متدين الا انهم استخدموا العقل و الاجتهاد في جميع مناحي حياتهم الدينية و المدنية من خلال اختراع عدة قوانين وضعية لا تستند على الاساس الديني و هذه القوانين العرفية لا تدعو اجدادنا الى اقامة دور الدعارة او شرب الخمر او هدم المساجد و الزوايا و المدارس العتيقة الخ بمعنى ان المجتمع الامازيغي قد اسس اول نموذج للعلمانية الخصوصية على اسس احترام المعتقدات الدينية أي الاسلام و اليهودية و تطوير الانظمة القانونية و الديمقراطية مثل تنظيم لجمعت و مؤسسة اكادير لتخزين الاشياء ذات القيمة
الرمزية الخ .
انني دخلت الى موقع الدكتور سعد الدين العثماني الذي احترمه شخصيا فوجدت هناك مقدمة كتاب والده المرحوم امحمد العثماني الذي يعتبر احد العلماء الفاعلين داخل الجمعية المغربية للبحث و التبادل الثقافي و للاشارة فقط بان كتابه عبارة عن رسالة جامعية حول الواح جزولة و علاقتها بالتشريع الاسلامي و يقول في مقدمة كتابه
اخترت "ألواح جزولة" موضوعا لبحثي من بين المواضيع التي لم يتناولها الدرس ولا البحث، ولا عالجتها يد الصناع بالنقش والنحت، ولم تعج عليها أقلام الباحثين، ولم تنتبه إليها عقول المفكرين. اخترته لكونه يتعلق بإقليم كان من أعظم النواحي في البوادي المغربية ومن أكثرها غناء في المحافظة على التراث الإسلامي وروحه، وفي المحافظة على اللغة العربية.
اخترته لكون بعض الناس يدعون أن هذا النوع من التشريع لا صلة له بالشريعة الإسلامية، وأن أصحاب هذا النوع من التشريع – وإن كانوا يتكلمون اللغة العربية، ويدينون بالدين الإسلامي- قد انفصلوا عن الجامعة الإسلامية . وعلى هذا الفهم الخاطئ اعتمد واضعو الظهير البربري سنة 1914 وسنة1930 م تنفيذا للسياسة البربرية ، ولم يخطر ببالهم أن عملهم هذا قد دشنوا به بداية النهاية.
اخترته لكون تأريخ هذا الإقليم مجهولا – خصوصا ميدان القضاء ومهملا حتى من أبنائه إلا الترر اليسير
يقول المرحوم في مقدمة كتابه كذلك إني قسمت الموضوع إلى ثلاثة أبواب جامعة، تحت كل باب عددا معينا من الفصول. وقد مهدت لبحث الحالة القضائية والألواح بالخصوص، باب "جزولة جغرافيا واجتماعيا"، من فصلين؛ لأن معرفة جزولة لفظا وموقعها جغرافيا، ومعرفة حالتها الاجتماعية والدينية، يساعدان على معرفتها قضائيا. ودون ذلك، لا أظن أن الباحث يغوص أو يسبح موغلا في ساحل بحر هذه الألواح لاستخراج جواهرها ولآليها.
وهكذا بحثت في الفصل الأول جزولة وما تطلق عليه، وتحديدها جغرافيا، متكلما على موقعها، وعلى وصف ذلك الموقع وصفا شافيا يجعل القارئ كأنه ينتقل بين ربوعها، وارفا بين ظلالها، متزرا بهوائها، مع ذكر أسماء قبائلها الرئيسية، ولغة تلك القبائل وما تمتاز به من دقة في التعبير، وما تشتمل عليه من حكم وأمثال وقواعد عامة، وما قامت وما تقوم به في الحياة المحلية.
ويتحدث الفصل الثاني عن الحياة الاجتماعية مبينا فيه كيفية تكوين الأسرة وما ينشأ عن تكوينها من الالتزام بالحقوق من كلا الزوجين، مبينا دور المرأة الجزولية في الحياة العائلية والقبلية، واصفا بعض المظاهر الدينية الجلية الواضحة للعيان لا تحتاج إلى إعمال الفكر في إدراكها، من بناء المساجد، والمدارس، ومن إقامة أسواق نسوية خاصة بهن تفاديا للاختلاط وفرارا من تعطيل دور المرأة في بناء المجتمع، ومن وسائل نشر الدين بواسطة المراكز الدينية والوعاظ والواعظات، والغناء وما إلى ذلك، منتقلا إلى المسطرة المتبعة في إيصال الحق لصاحبه في القضاء والتحكيم، كيفما كانت الحالة الاجتماعية لمن له أو عليه، وكيفما كان الحق المطلوب.
أما الباب الثاني، فأسميته "الألواح تحريرها وأنظمتها"، وفيه فصلان الثالث والرابع. وقد تناول الفصل الثالث الألواح، مبينا ما هي؟ ولماذا سميت بالألواح؟ ألكتبها أولا على صفائح عودية، أم أن اللغة الشلحية تطلق على كل ما كتبت فيه الموضوعات العرفية "لوحا" ولو كتبت على الورق؟ منبها على كيفية تحريرها وعلى وسائل إشهارها حتى تكون لها الصلة الإلزامية، مشيرا إلى ألواح المرافق التي وضعت لها الألواح، وإلى أنواع القضايا التي عالجتها، متبعا ذلك بنص لوح من الألواح مع دراسته، مردفا ذلك بآراء علماء جزولة في الألواح وإقامتها على الشكل المعروف في جزولة.
وأفردت الفصل الرابع لنظام الحكم في جزولة، متكلما على الهيئة التشريعية والقضايا التنفيذية لهذه الألواح (إينفلاس)، مفسرا هذه الكلمة الشلحية الصرفة، مردفا ذلك بحكم قيام الجماعة مقام القاضي والحاكم حيث لا يتمكن من إجراء الأحكام تحت مراقبة السلطة المركزية، مبينا كيفية اختيار تلك الهيئة من بين أفراد القبيلة أو القبائل، متحدثا عن اختصاصاتها التي لا تتعداها، منبها على أن فصل السلط كان معروفا عند أولئك الأجداد، يطبقونه تطبيقا دقيقا فيما يخص المرافق المعروفة، بينها وبين ما يختص الفقهاء بالاضطلاع به، مستفسرا ومستفهما عن احتمال سبق الجزوليين إلى كثير مما عرف من الأنظمة الديمقراطية عند الدول المتحضرة الحديثة، في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تحكم بواسطة محاكم التفتيش.
ويتألف الباب الثالث من فصل واحد هو الفصل الخامس، وفيه أجريت مقارنة بين موضوعات الألواح والنصوص الإسلامية وأقوال الفقهاء، متكلما على السياسة الشرعية والمصالح المرسلة التي قال بها كثير من علماء الإسلام، ملتمسا مخرجا لما تحتوي عليه الألواح بأي قول ولو خارج المذهب، مبتعدا عن المناقشة البيزنطية4، مكررا القول مرة أخرى أن المقصود بالبحث هو التماس المخرج لأفعال أجدادنا، خروجا بذلك عن تأثيم المسلمين وولاة أمورهم، مبرزا أهم المسائل التي تعالجها الألواح وأهم الوسائل التي تعالج بها.
ثم أردفت ذلك بخاتمة ضمنتها مبادئ ترتكز عليها الألواح إجمالا ،متحدثا عما استهدفت له جزولة زمن الاحتلال الأجنبي لها كبقية أجزاء الوطن الحبيب من استبدال الألواح السابقة بأعراف أخرى وعادات لا تمت إلى الإسلام بصلة،مبرزا مهمة الشباب المثقف الذي يلقى عليه ردف كبير في القيام بالتعريف بجزولة وغير جزولة من أجزاء الوطن العزيز،والتعريف بدورها في الحضارات الإنسانية وفي القيام بدراسة تاريخها الحافل الجزل،لأنه لا حياة لأمة إلا بإحياء ماضيها، والتأسي بعظمائها.
ثم ذيلت البحث بعدة ملاحق تشتمل على نصوص من الألواح، بعضها نقلته حرفيا، وبعضها التقطت له صورة شمسية، لكي نحتفظ بأسلوبها وسذاجتها، لتستنتج منها كيفية التفكير والتنظيم عند أولائك الرجال المشرعين دون جلبة ولا ضوضاء ولا تزويق ولا تنميق في الأسلوب. ووضعت في حواشي كل ملحق تفسيرا لما ورد فيه من مفردات وعبارات قانونية شلحية وردت في تلك الملاحق تكون عقبة كأداء لمن لم يمارس هذه اللغة، ولمن لم يزاول هذه المهنة. كما أن الإضافات التفسيرية تظهر أثناء البحث محصورة بين معقوفتين.
و كما ستلاحظون فهذا النص قد رجع بنا الى منتصف السبعينات حيث كان من الصعب استخدام مصطلحات الحركة الامازيغية المعاصرة مثل اللغة الامازيغية الخ غير انني أثمين مجهود هذا الفقيه المنطلق من واقعه الثقافي الاصلي بدفاعه عن العرف الامازيغي في ذلك الوقت الحساس و المتميز كونه ظرف اعلان العداء بشكل رسمي لكل ما هو امازيغي و رحم الله الاستاذ امحمد العثماني.
مفاهيم الحركة الامازيغية منذ تاسيسها الى اليوم
ان الباحث في تاريخ الحركة الثقافية الامازيغية سيلاحظ عدة امور اساسية في فهم أوجه الخلاف الايديولوجي العميق بين حركات الاسلام السياسي و الحركة الامازيغية حيث ان حركتنا الامازيغية امنت منذ يوم 10 نونبر 1967 أي تاريخ انشاء الجمعية المغربية للبحث و التبادل الثقافي بمفهوم المغرب المتعدد ثقافيا و بمفهوم عراقة المغرب في التاريخ و الحضارة الى غير ذلك و امنت و مازالت تؤمن بشيء اسمه المعتقد الديني لانها جاءت من رحم مجتمع يدين اغلبيته بالاسلام و ادبيات الحركة الامازيغية تدعو الى احترام الدين الاسلامي باعتباره مكونا جوهريا من مكونات الامة المغربية بل سعت هذه الحركة الى خدمة الاسلام من خلال مشروع تمزيغ الفكر الاسلامي أي ترجمة كل ما يتعلق بالدين كالقران و السيرة النبوية و الحديث القدسي و صحيح البخاري بينما حركات الاسلام السياسي كانت و مازالت تعتبر الحركة الامازيغية بمثابة اتجاه اجنبي يريد زرع التفرقة بين ابناء هذا الشعب الواحد في الدين و في لغة القران الكريم المقدسة..
و يستمر كلام هذه الحركات حيث اخترعت الان اكاذيب جديدة بهدف تحطيم و تشويه
صورة حركتنا حيث قالت ان هناك بعض الفعاليات الامازيغية تسعى الى تاسيس جمعيات للصداقة الامازيغية الاسرائلية بل بعضهم ذهبوا الى اسرائل بهدف مساندة هذا الكيان الخ .
و سارد على هذه الاتهامات السخيفة اولا ان الحركة الامازيغية هي اتجاه مغربي الهوية و الانتماء و الدين و من بين اهدافها الكبرى هي الاعتراف رسميا بامازيغية المغرب و انصاف ثقافة الامازيغيين التي طالها التهميش و الحيف منذ الاستقلال الى خطاب اجدير التاريخي و تاسيس المعهد الملكي للثقافة الامازيغية و هذه الثقافة لا يمكن لها نظريا التقدم و النماء الا بالقضاء على ايديولوجيات الماضي كالعروبة و السلفية كونهما ساهمتا في خلق العديد من العراقيل امام الامازيغية كمشروع معاصر لمغرب العهد الجديد و كاصالة مغربية تدعو الى المدنية و الديمقراطية المحلية و مبدأ الفصل بين الدين و السياسة من خلال الاعراف الامازيغية و مبدأ التسامح الديني بين الديانة الاسلامية و الديانة اليهودية بعيدا عن مشاكل الصراع العربي الاسرائلي لكن بعض الجمعيات المحسوبة على حركات الاسلام السياسي والمتواجدة في سوس العالمة و بعض الحركات القومية رفضت مبادرة مجموعة من الشباب الهادفة الى تاسيس جمعية سوس العالمة للصداقة الامازيغية اليهودية في صيف 2007 و انذاك خلقت ضجة كبيرة ضد هذه المبادرة المنطلقة من واقع المجتمع المغربي ككل و المنطلقة كذلك من ضرورة محاربة التطرف الديني خصوصا بعد احداث 16 ماي الارهابية التي اعتبرها نتيجة طبيعية لسياسة مشرقية الدين و الهوية الثقافية طوال عقود طويلة من مباركة كل ما هو مشرقي انطلاقا من السلفية الوهابية حتى وصولنا الى الفساد الاخلاقي بينما هؤلاء القوم يتهمون الحركة الامازيغية و يضعونها في خانة الاستعمار او الصهيونية العالمية لكنهم لا يريدون الادراك ان سبب اغلب مشاكلنا كلها راجع الى المشرق العربي ,
و اما مجتمعنا الامازيغي خصوصا و المغربي عموما فكان لا يعرف ما معنى الخيانة الزوجية او أوكار الدعارة و التكفير الديني حتى دخلنا رسميا الى نادي دعاة العروبة و الاسلام السياسي قصد محو اصالتنا العتيقة و الدفاع المستمر عن مشاكل الاخرين السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية حتى اصبحنا لا نفكر في حل مشاكلنا الحقيقية كالفقر المتواجد في بوادينا الاصيلة و الناتج عن اكثر من 50 سنة من رفع شعار فلسطين هي قضيتنا الوطنية الاولى و اسكات اصوات احفاد المرابطين و الموحدين الخ من اجل استمرار سيادة مقدسات و ايديولوجيات المشرق العربي لقرون اخرى .
لكن بالرغم من كل هذه الاتهامات المجانية فالحركة الامازيغية كفكر مغربي استطاعت فرض مطالبها بالحوار الفكري حتى وصلنا الى سماع احد قيادي حزب التقدم و الاشتراكية المعروف و هو يقر امام الاف من المغاربة باهمية إدراج
مطلب دسترة الامازيغية ضمن الاصلاح الدستوري المتوقع بعد الانتخابات الجماعية.
اذن هذه الحركة طوال العقود الاخيرة ناضلت من اجل حقوق الاغلبية الساحقة من المجتمع المغربي الثقافية و اللغوية و التنموية من خلال ادبياتها المعروفة الا ان اليوم ظهر جيل جديد من المطالب مثل رد الاعتبار لبعدنا الديني و استرجاع عاداتنا المؤسساتية كالفصل بين ما هو ديني صرف و ما هو سياسي او علمانيتنا الاسلامية كتراث تركه الاجداد لنا بهدف الاستقلال الايديولوجي عن المشرق العربي الذي أنتج اشياء سلبية لعبت ادوار اساسية في جعل شعبنا المغربي لا يتقدم نحو التطور و النماء و الاعتزاز بهويتها الثقافية مثل شعوب اوربا او الشعب التركي المسلم و الشعب الايراني المسلم كذلك بمعنى اننا اصبحنا نكره سماع عبارات من قبيل التحالف السوسي الاسرائلي او فلسطين هي قضيتنا الوطنية الخ من هذه العبارات المنطلقة من منطلق اهانة هذا الشعب اولا و اخيرا .
الخاتمة
يشرفني ان اختم هذا الموضوع الطويل بدعوة حركات الاسلام السياسي المغربية الى القيام بالنقد الذاتي و الانطلاق من اصالتنا الاسلامية المغربية و تحصين شبابنا من الدخيل سواء من التطرف الديني او من الانحلال الاخلاقي و الاعتراف بامازيغية المغرب الخ و التخلي بصفة نهائية عن مقدسات المشرق العربي .

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير