التيار الديني القبلي يهدد الدولة والديمقراطية

نجيب غلاب
2009 / 5 / 29

لا يمكننا أن نفهم ما يجري في الوطن اليمني اليوم ما لم نحلل طبيعة الصراع الفاعل والحقيقي الذي يجري في عمق الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ويمكن القول أن الصراعات في العهد الوحدوي حتى اللحظة والتي سيطرة على الساحة ووعي الناس ليست إلا مظاهر للصراع الفعلي في لعبة كبيرة تدار في وضح النهار وفق آليات لا يمكن كشفها ولا يمكن تصديقها من قبل المراقب العادي، كما أن الحديث عن هذا الصراع له مخاطر كبيرة فالحيتان على استعداد أن تزيف كل شيء لحجب المؤامرة، كما أن كشف بعض ملامح المخطط له تأثيرات سلبية على أمن واستقرار نخبة النظام والدولة والمجتمع، إلا أن المسئولية تحتم علينا توضيح بعض الخيوط، فالواقع الحالي ـ الذي يقود الوطن إلى الهاوية ويسعى بالناس إلى أتون الصراع المظلم ـ يفرض علينا أن نفكر بعقل مفتوح وبمصداقية وليغضب من يغضب، وهي دعوة مفتوحة من أجل التأسيس لثورة جديدة.
ملامح مشروع المستقبل
ما يدور في اليمن ليس إلا صراعا بين مشروعين، مشروع يتطلع إلى المستقبل وأغلب قواه مشتتة وموزعة في كل اتجاه تم استبعاد أقواها في حرب 1994م من مراكز النفوذ السياسي والتأثير الاجتماعي ومن تبقى من مشروع المستقبل تنظيمات شكلية وأفراد خائفين يخدمون النظام أو مراكز قوى والغنيمة هي محور بقائهم لذا لا خطر منهم، ومؤيدي هذا التيار وأنصاره الفاعلين لا يمتلكون أي قوة اقتصادية وليس لديهم قوة عسكرية ولا يمكنهم بفعل مشروعهم المدني أن يلجئوا إلى القبيلة أو الطائفة أو العرق أو الخارج لأن همهم الإنسان وقيمه ومبادئه والتي لا يمكن فرضها بالقوة بل بالعقل والروح المتصوفة في حب الحياة وخدمة كل إنسان.
أما بعض ملامح مشروع المستقبل فهو إعادة تخليق الوطن ليصبح وطناً للجميع من خلال صناعة التقدم والمجد بالحرية والعدالة والمساواة والأخوة ومنح كل فرد في المجتمع حقوقه الإنسانية كاملة، وهذا التيار على قناعة تامة أنه لا يمكن صناعة التقدم بدون فرد حر، كما أن مجموع الأفراد الأحرار هم القادرون على بناء الدولة المدنية الخادمة للفرد والمجتمع والقادرة على أن تتبنى سياسات لتحفيز النمو وخدمة المشروع الاقتصادي الحر بما لا يتناقض مع العدالة الاجتماعية.
مشكلة مشروع المستقبل أن الجزء الأقوى فيه غارق في أوحال الفساد ومصالحه تخلق في واقع المصالح الفاسدة وبآلياتها وانتهازيتها وعفونتها، وهذا الجزء رغم واقعه السيئ إلا أن طموحاته على مستوى الخطاب لا تختلف عن القوى الوطنية الصادقة، وميزاته أنه يمتلك القوة الفاعلة التي يمكنها مساندة القوى المدنية، ومشكلته أنه مازال متخوفاً من القوى المدنية لذا فإنه يحاول إعادة ترتيب صفوفه لحماية مصالحه مع قوى تقليدية، إلا أن قوة المشروع الديني الأصولي وتمكنه من الهيمنة على واقع الصراع والتحكم فيه واتجاهاته للهيمنة على الدولة والتجارة والثقافة ستجبره للاتجاه نحو مشروع المستقبل، وهنا أشير بواقعية قد تبدو مرة ومتناقضة إن واقع القوى المدنية يتطلب منها مرحليا أن تستوعب لغة البراجماتية السياسية حتى تتمكن من مواجهة واقعها وهذا قد يتطلب بعض التنازلات في معركتها الكبرى من أجل يمن حر ومعاصر.
أما الأخطر فأن بعض قوى مشروع المستقبل تحولت إلى أداة بيد المشروع المناقض لأهدافها وطموحاتها بعضها بوعي لأن مصالحة تقتضي ذلك كالبيوت التجارية الكبيرة القديمة والناشئة والبعض الآخر بدون وعي كالقوى المدنية التي فقدت مشاريعها في صراعها مع التيار الديني القبلي فأصبحت تابعة له وهي تمني نفسها بأوهام ما أنزل الله بها من سلطان، وهؤلاء يديرون معارك وطنية وفق وعي مضاد لحاجات الواقع وطموحاتهم المستقبلية، ونتائج أفعالهم تنتهي في حصيلتها النهائية لصالح المشروع النقيض.
المشروع الماضوي بوجهه القبلي والأصولي
المشروع الثاني وهو المهيمن والفاعل هو مشروع التيار الديني القبلي وهو مشروع ماضوي ويهيمن علية تيار قوي وجبار يوحي خطابه أنه يتطلع إلى المستقبل إلا أن الماضي القبلي والديني هما جوهر فاعليته وحركته، وهذا التيار متستر خلف مقولات أصولية وعصرية، وتمثل العقيدة والقوة بمفهومها المادي والفكري والدعاية وتقاليد القبيلة ووعيها العصبوي الباحث عن الغنيمة أهم أدواته للهيمنة على الدولة والمجتمع كهدف مهم لتحقيق غاياته التي مظهرها المبادئ والقيم وجوهرها تحصيل الغنائم.
جزء من هذا التيارات جماعات دينية لا تفقه السياسة ولا لعبها ولا خلفياتها، لذا فهي أداة طيعة بيد من يغازلها بخطابها، وهي سند قوي للفاعلين في هذا التيار، أو تيارات دينية مسيّسة احترفت السياسة والجهاد وتلعبها بلغة ميكيافلية متزينة بالفضيلة، وتحول الدين لديها إلى قوة في الصراع تستخدمه باحتراف لتدمير أعدائها وخداع الجماهير الطيبة، وهذا التيار رغم شعاراته الثورية المعارضة إلا أنه جزء من المعركة التي تدار باحتراف من داخل النظام وخارجه.
أطراف هذا المشروع خليط غريب من قوى اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية فكرية بعضها له نكهة معاصرة، وحركته الراهنة تتجلى بوضوح في اولا: مافيا الفساد المنظمة والتي تزين نفسها بالشعارات السياسية الكبرى أو من خلال الجمعيات الخيرية أو من خلال دعم بعض المظلومين في المجتمع بالقول الحسن لا بالفعل المنتج للحق، وثانيا: الأصولية المسيسة وهي تعمل بنشاط محموم في المعارضة وفي المجتمع وداخل الدولة ولها أذرع تجارية وعسكرية وأمنية مرهوبة، وقوتها الفعلية في المليشيات التنظيمية والقبلية التي يمكن تعبئتها في أي لحظة، وثالثا: القبلية الانتهازية وهي العمود الثالث وهذه الفئة هي نخبوية ولا علاقة لها بأبناء القبيلة لأنهم ضحية طموحات النخب، ويتم تعبئة أبن القبيلة بالعصبية وتقاليد القبيلة المطعمة بقيم أصولية، وهذا الأعمدة الثلاثة متداخلة مع بعضها وأحيانا يصعب الفصل بينها.
مع ملاحظة أن هناك طفيليات عصرية تتغذى من هذا التيار وتعيد تزيين صورته، وقد تمكن التيار الديني القبلي من محاصرة مشروع المستقبل وتم إغراقه في صراعات عبثية مع الواقع ومع نفسه وحولت جزءاً من تكويناته إلى أداة إضعاف للتكوينات العصرية وفي الوقت نفسه اختراقه وتحويله إلى قوة لتدمير نفسه ذاتيا من خلال جره لتبني استراتيجيات صراعية محصلتها النهائية تخدم أهداف التيار الديني القبلي وليس الحراك إلا أبرزها.
الحرب كأداة حسم لدى التيار الديني القبلي
ظلت القوى القبلية والتقليدية تحارب القوى العصرية المدنية بكل قوتها وكلما تمكنت القوى المدنية من الاقتراب من تحقيق رؤيتها ولو بالحد الأدنى اتخذت القوى القبلية الأصولية ومافيا الفساد الحرب كآلية لتدمير نقيضها، فالحروب هي مصدر قوته والأزمات هي من تمكنه من هزيمة أعدائه، ولدى تكويناته احتراف في أدارة الصراعات الداخلية في المعارضة وفي بنية السلطة وفي المجتمع وبوعي عشائري ذكي، كما أنها تمتلك القوة لحسم معاركها فالقبيلة وإعادة بعث وعيها العصبي بشكل دائم مهم، لأن القبيلة مع العصبية تتحول إلى معسكرات جاهزة للحرب من أجل الغنيمة، وتدعمها مليشيات منظمة يتم تفعيل دورها في كل دورات الصراع.
تعاظمت قوة التيار الديني القبلي بشكل مذهل ومرعب في عهد الرئيس صالح، وأمتلك أداة تنظيمية سرية هي الأخوان المسلمين وواجهة علانية هي المؤتمر الشعبي العام الذي تمكن من ابتلاع كل القوى الحديثة في الثمانينات وحيدها وحولها إلى قوة جامدة وخائفة ومرعوبة، صحيح أن هذا التيار تحالف مع الرئيس صالح ومثل قوته التي استند عليها إلا أن الرئيس حس بخطرهم مبكرا وكانت الوحدة مخرج لتغيير اللعبة إلا ان الصراع الذي دشنه التيار الديني القبلي قبيل تحقيق الوحدة وبعد تحقيقها خلط الأوراق كلها وأصبح التيار الديني القبلي هو واجهة الصراع وظل الرئيس يخافهم ويناورهم حتى عام 1997م، حيث تمكنت بعض القوى الحديثة من أعادت ترتيب صفوفها ووجهت ضربة قاصمة لجزء من التيار، إلا أن قوة التيار المتنفذة تمكنت من تحويل تجمع الإصلاح إلى حربة في المعارضة وتحييد جميع القوى لصالح أهداف التيار داخل المنظومة الحاكمة.
في المحافظات الجنوبية كان وعي القبيلة العصبوي يعمل ولكن بطريقة مختلفة، فالقيم المثالية المتعالية هي أدوات الصراع أما الفاعل في التحالفات فهو وعي القبيلة الذي أنفجر في عام 1986م، وكانت الوحدة هي الفكرة المحورية التي كانت جميع القوى مقتنعة أنها من ستمكن الجميع من الخروج من واقع الصراعات العصبوية للمناطق، لذا كلما كانت الأزمات السياسية التي ينتجها وعي القبيلة تقترب من الانفجار كانت الوحدة هي الحل، والحروب من أجل الوحدة يمكن إرجاع جزء من أسبابها إلى رغبة جامحة لدى النخبة في الجنوب لتجاوز مأزقها الداخلي والصراعات المتناقضة مع فكرة الدولة التي يدار من داخلها صراع اجتماعي بوعي قبلي فكان يتم البحث عن الدولة الوحدوية لتجميع الصفوف وتجاوز الوعي القبلي الذي كانت تفرزه الصراعات الداخلية.
مع تواجد القوى الجنوبية التي خسرت المعاركة في 1986م في الشمال ومع سقوط الاتحاد السوفيتي وتعاظم الصراع في الشمال ونزوع التيار الديني القبلي للاستيلاء على النظام السياسي ثم التحرك من خلال الجناح الجنوبي المتواجد في الشمال بهدف القضاء على الدولة الجنوبية ثم تحقيق الوحدة بالقوة، وكانت المنظومة الدولية والشعب في الجنوب مهيئا لضرب الدولة من خلال انتفاضة داخلية وقدوم المحررين من الشمال وعلى رأسهم على ناصر محمد.
كانت الوحدة خياراً محسوماً للجميع لتحقيق الحلم ولتجاوز الصراعات التي كانت كفيلة بتفجير الحروب، أي ان الوحدة جاءت من أجل السلام وتحقيق العيش المشترك بين أبناء اليمن، وتمكنت القوى الناضجة من فرض الديمقراطية وكانت هي الخيار الذي كان كفيل بتوحيد القوى الثورية لتحقيق أحلامها، أقترح الرئيس إدماج الحزب الاشتراكي بالمؤتمر حتى يتخلص من هيمنة التيار الديني القبلي، إلا أن قوى الحزب لم تستوعب المسألة وكان لها حساباتها الوطنية والشخصية.
بمجرد تحقيق الوحدة أتخذ التيار الديني قرارا بالتخلص من الحزب الاشتراكي وتدمير القوة التي يستند عليها، وتمكنت وباحتراف من الدفع بالجميع نحو الحرب وقد حركت كل قوتها السلطوية والشعبية في معركتها، وتحالفت مع التيار الجنوبي وفعلت وعيه القبلي، وأصبحت المعركة معركة ثأرية يحركها وعي قبلي أصولي والشعار تثبيت الوحدة، ولأن التيار الديني القبلي يتعامل مع الحروب بعقلية دينية قبلية فقد تم التعامل مع الجنوب كغنيمة حرب.
كانت الخطة المتبعة رغم التقارير المرفوعة والآراء السديدة التي طرحت لمنع أي تعديات وأصدر قرار من الرئيس بمنع أي عملية نهب إلا أن القرار تم رفضه وتحرك التيار الديني القبلي لممارسة النهب العلني، كان التيار الديني لديه خطة واضحة أن عليه أن يكون طبقة غنية لا يمكن مواجهتها مستقبلا من خلال نهب الثروة كالأرض والنفط، ومع الوقت تضخمت القوة الاقتصادية للتيار الديني القبلي ونمت قوى اجتماعية جديدة ملحقة به في الجنوب، وعندما شعرت الأطراف الأخرى في منظومة السلطة بالخطر بدأت تمارس نفس الأسلوب، ولأن الغي بلغ مداه انتفض أحرار الجنوب وبالغوا في نضالهم نتيجة للواقع السيئ فطالبوا بالانفصال.
لعب التيار الديني القبلي لعبته باحتراف وخلق ضباب قوي يعمي الإبصار وتم أخراج الصراع من دائرته من خلال تركيزه على العائق الأكبر أمام أهدافهم وهو الرئيس صالح وتم تحميله كل المشاكل التي أنتجتها الصراعات وأصبح هو حجر العثرة أمام كل إصلاحات وهو السبب الأول والوحيد وجذر كل أزمات البلاد. وكان الهدف من ذلك أعاقت الرئيس من إعادة بناء التحالفات وتأليب الواقع عليه وجره في صراعات تدمر تاريخية وتضعف الدولة والخطة القادمة هو تدميرها ثم تبني حرب شعبية بعد تفكك أجهزة الدولة ستقودها المليشيات الدينية والقبائل لإعادة بناء دولة يكون التيار الديني القبلي هو صاحب القول الفصل فيها.
الرئيس صالح وتحالفاته المتشعبة والمتناقضة هي العقدة الكبرى لدى النواة التي تدير التيار الديني القبلي، لأن التداخل في بنية التحالفات التي تستند عليها السلطة جعلت الرئيس في القلب، ومكنته من التحكم بالكثير من مراكز القوى التي هي الحامل الفعلي لمشروع التيار الديني القبلي، والخطر الذي يواجه التيار أن الرئيس يعمل على تفكيكها بعد أن أصبح بين فكيها.
ولمحاصرة الرئيس وإلقاء القبضة النهائية عليه، يتم توريطه في صراعات كثيرة ليس "الحوثية" و"الحراك" و"المشترك" و"القاعدة" إلا ملامحها الرئيسية، أما القوة الفاعلة فهي تحويل القوى المحيطة بالرئيس والتي تم استبعاد بعضها لضرورات تخدم قوة الرئيس إلى قوة مشاغبة وظيفتها تأليب مراكز قبلية لنشر الفوضى والاضطراب وتحدي إرادة الدولة، وتحويلها إلى أدوات لإثارة غضب المجتمع وتحفيزه وتهيئته للتغيير القادم، فالفوضى وانعدام الأمن وبث صراعات لا حصر لها في بنية المجتمع سيجعله مستقبلا مهيئا لحكم التيار الديني القبلي الذي ستكون ملامحه دكتاتورية دينية لشرعنت حكم القبيلة.
وما عظم من خوف التيار الديني القبلي وربما لجوئه للعنف مستقبلا هو القوى الجديدة التي تنمو داخل السلطة وخارجها وفق مسارات مغايرة لمصالح التيار الديني القبلي ومشروعه الفكري والسياسي، ولأنهم عاجزون عن الحسم بدون أنهاك الدولة وأضعاف القوى المحتملة التي يمكن أن تواجهها، فإن الحل هو تبني خطاب قوي وحاسم لصالح الدولة وشرعية النظام وإدخاله في صراعات عبثية تنهك الجميع ثم سقوط الثمرة تلقائيا في أحضان التيار الديني القبلي.

كان هدف التيار الديني السابق هو الحكم من خلال الرئيس كواجهة وتحميله أخطاء المراحل كلها ثم أحداث انتقال للحكم بسلاسة وبطريقة سلمية لصالح التيار إلا أن التعقيد في تركيبة السلطة بعد 1995م وتطوراتها اللاحقة أوصلت التيار إلى قناعة أن الرئيس أصبح قويا ويسعى في اتجاهات محاصرة التيار وعزله وتفكيكه، لذا فإن رحيله أصبح خيار واضح ولأن التحالفات متداخلة ومعقدة فإن أنهاك الجميع هو الطريق للنصر.
أما أهم الآليات فهي تأليب الرأي العام على الرئيس والقوى التي تعمل معه وبالذات مراكز القوى الجديدة التي تكونت بفعل الصراع، وأيضا إدخال النظام السياسي في صراع مع كل قوى المجتمع حتى يصبح منبوذا ومكروها من الجميع ويصبح الدفاع عنه أشبه بمعاونة الفساد على تدمير الوطن، ثم توريط النظام في صراعات مع المجتمع وحركاته السياسية الفاعلة حتى يتم إنهاكه وتضعف الدولة ويصبح استبعاد بعض مراكز القوى المرتبطة بالرئيس والتي تحميه في الراهن مسألة سهلة، ثم بناء تحالف واسع مع جميع القوى في المجتمع بعد أضعافها ومن ثم تشكيل وتفعيل المليشيات الحزبية لإعادة النظام ثم بناء الدولة الأصولية القبلية للتيار الديني القبلي.
يشكل الحراك قوة جبارة في إضعاف هذا التيار لذلك فقد تم توريطه في شعارات مناقضة لدولة الوحدة والهدف تدميره ذاتيا، وتحويل الدولة إلى قوة للقضاء عليه، ومن أهم الآليات اختراقه عبر قوى أصولية وستكون هي امتداد التيار الطبيعي والفاعل والعنيف في الجنوب لإسكات كل صوت معارض، ويعتقد التيار أن أخراج الرئيس وضرب القوى المدنية في الشمال وتحويل المقربين من الرئيس من خارج أسرته إلى كبش فداء كفيل بتهدئة الخواطر وإعلان التأييد للتيار الديني القبلي ودولته الأصولية المتزينة بلغة العصر.
ما العمل؟
من أهم الآليات المستقبلية التي يمكن أن تحمي البلاد والعباد من أوهام التيار القبلي الديني الأصولي الذي يسعى لتفجير اليمن هي التغيير الجذري من خلال الصدمات الغير متوقعه وفي تصوري أن تصريحات الرئيس مؤخرا بأن اليمنيين سيتقاتلون من بيت إلى بيت لم تكن تقصد الحراك ولا الحوثية أنما الصراع العنيف بين مراكز القوى الذي أصبح الرئيس غير قادر على كبح جماح حركتها الغير مهمومة بمصالح اليمن بل بمصالحها الخاصة وإيديولوجيتها المتطرفة.
الخيار الأول: يمثل الحراك الوطني السلمي في الجنوب مدخل لإنقاذ اليمن والأمر لن يتم وفق إستراتيجيته الحالية التي يحركها الوعي القبلي والعصبية الجغرافية، بل روح على عنتر وعبد الفتاح إسماعيل وأفكار الحركة الوطنية الوحدوية هي المدخل، كيف سيتم ذلك؟
أن يتم إعادة بناء المشروع الوطني وفق رؤية وطنية شاملة هدفها بناء دولة الوحدة المدنية بكافة إبعادها ثم الالتحام بالقوى الشعبية المدنية في المحافظات الشمالية لمواجهة الجميع ووضعهم أمام خيار الدولة المدنية أو قيادة حرب شاملة في اليمن كله ضد مافيا الفساد، وكم سيكون ثوريا أن يتجه الرئيس إلى عدن ويتحالف مع القوى المدنية في الجنوب وامتدادها في الشمال ومع قوة الدولة ونقل العاصمة إلى عدن ثم إعلان حرب ثورية ضد قوى الفساد، فإن هذه الإستراتيجية كفيلة بإسقاط كل قوى الشر بدون معارك.
الخيار الثاني: ولا أستبعد أن يتم بناء تحالفات غير علنية إذا تعاظمت الأزمة ثم إعلان حالة الطوارئ العامة ودعوة كل القوى الوطنية بلا استثناء بما في ذلك المتواجدة في الخارج لإدارة حوار وطني شامل تحت رعاية رئاسية وربما بإشراف وساطة عربية على أن تشكل حكومة تكنوقراط برئاسة العطاس أو يرئسها الرئيس نفسه تدير أمور الناس، وفي الوقت ذاته تقوم القوى الوطنية بإعادة بناء النظام السياسي ومعالجة مشاكل الواقع المختلفة.
ومن المهم جدا قلب التحالفات الحالية وبناء تحالفات جديدة تناسب النظام السياسي الجديد والدولة المدنية التي سوف يتم التأسيس لها.
بعض ملامح للتحالفات المستقبلية:
• يقوم الرئيس صالح بحل المؤتمر الشعبي العام وبناء تيار جديد يتكون من قوى فاعلة في المحافظات الجنوبية وكل القوى المدنية والقبلية القريبة من مشروع الدولة المدنية في المحافظات الشمالية على أن يكون التيار الهاشمي المدني فاعل في تركيبة هذا التيار، وستكون القوى التجارية الناشئة وجزء من الرأسمالية التجارية التعزية والقوى التجارية القبلية المدنية وجزء من الرأسمال الحضرمي هم سند التيار وقوته، على أن تكون القوى الفكرية والمثقفة هي روح هذا التيار وصانعة فكره والمشرفة على أنشطة التيار وصنع سياساته، وهذا التيار بحاجة إلى تفعيل دور القوى المشائخية التي لها طموحات حقيقية لتعمير اليمن وقادرة على التضحية من أجل تنمية أبناء القبائل.
• أن يقوم الحزب اليمني الاشتراكي بإعادة قراءة مشروعه الحضاري وينتقد تجربته الماضية ونضاله السياسي ويعيد قراءة تجربة التصاقه بالجنوب حتى يتحرر من هذه العقدة، أما قواه فهي القوى المدنية خصوصا اليسارية الليبرالية، وسيشكل الحراك السلمي في الجنوب جوهر قوته، والحزب الاشتراكي سيتحرك في ظلال المبادئ الكبرى التي تحرك القوى المدنية وهي الوحدة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وعليه أن يتحالف مع الرأسمال الوطني خصوصا التجار الصغار وبعض القوى التجارية الناشئة الحالمة بمستقبل عادل ودولة النظام والقانون، والحزب قادر بخبرته وتجربته الحزبية أن يتحول إلى تيار ثاني في البلد وفي تصوري أن أغلب القوى الاجتماعية في المرحلة الراهنة خصوصا الفئات المثقفة الجديدة الملتحمة بثقافة العصر، والحالمة بدولة مدنية ستجد نفسها في الحزب والأمر مرتبط بقدرة الحزب على تجديد نفسه والأهم من كل ذلك قدرة الحراك على إعادة قراءة المشروع الوطني وتحويل نفسه إلى حامل مدني للمشروع الوطني وللدولة المدنية حتى يتمكن من التمدد شمالا وقيادة كل المظلومين في اليمن. وفي تصوري أن الحزب قادر على أن يستوعب جزء كبير من التيار الهاشمي المظلوم، وسيكون رائعا لو تم التحالف أو إدماج التطرف الهاشمي في أطار الحزب لأن ذلك سوف يخفف من الطرح الديني المتطرف وسوف يساعد قوى التطرف على التحرر من عرقيتها وتعصبها المذهبي فالحزب قوة مدنية الإنسان محور تفكيره.
• عودة معارضة الخارج كالبيض والعطاس تتحالف مع النخبة العدنية القريبة منها ويتم تشكيل تيار سياسي جديد يمتد شمالا وهذا التيار سيكون قوة أبداعية في تجديد الروح اليمنية وسوف يمدها بالحس الوطني المتحيز للحب والسلام وصناعة الثروة وتخليقها، على أن يكون التيار معبرا عن الرأسمال الحضرمي الذي ستمكنه ثروته في ظل الدولة المدنية من بناء حامل اجتماعي يدافع عن الرأسمالية الوطنية الباحثة عن دولة النظام والقانون لخدمة وطنها بما يحقق مصالحها العادلة، وهذا التيار سيكون متحالفا تلقائيا مع الرئيس صالح ومع القوى القريبة منه.
• أن يتحرر الأخوان المسلمين من طموحاتهم في الانقلاب على النظام وأن يتخلوا عن وعيهم الديني الأصولي ويفكوا ارتباطهم مع الوعي القبلي ليشكلوا تيار سياسي مدني يسهم في خدمة اليمن لا خدمة التنظيم الداخلي وقواه السرية في منظومة النظام الحاكم، ويقتنعوا أن اليمن دولة وطنية لا علاقة لها بالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين.
• أما القوى القومية فلم يعد أمامها خيار كي تستمر إلا أن تعيد ترتيب صفوفها وتتوحد في تيار واحد مستوعب للتجديدات التي طرحها الفكر القومي وأن يستوعبوا التحولات الداخلية والإقليمية والعالمية وأن يتحرروا من عقليتهم التآمرية ويتحولوا إلى حزب قومي وطني أنساني، وبغير هذا الخيار فإنهم سيظلون تيارات مشتتة وضعيفة مستقلة أو ملحقة بإحدى القوى الفاعلة في الساحة.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير