تحليل ظاهرة الاسلام الساسي في المغرب بين خرافات الماضي و الارتباط الوجداني بالمشرق العربي2

المهدي مالك
2009 / 5 / 23

تحليل ظاهرة الاسلام السياسي في المغرب بين خرافات الماضي و الارتباط الوجداني بالمشرق العربي2
القضية الامازيغية و ظاهرة الاسلام السياسي
مقدمة مفيدة
منذ طفولتي بدات الادراك ان هويتي الدينية هي الاسلام بحكم مجموعة من العوامل اولا تربية ابواي الدينية , ثانيا تأثير محيطي العائلي المحافظ , ثالثا محيطي التربوي داخل مؤسسة الوردة الرملية و كذا داخل مركز وردة الجنوب فالدين الاسلامي بالنسبة لي هو شيء مقدس و رائع كونه يجعلني اؤمن بوجود الله و رسوله الاكرم و اؤمن بوجود يوم القيامة الخ من ثوابتي الدينية و اقوم بواجباتي الدينية كالصلاة و صيام رمضان و اتمنى أداء فريضة الحج في السنوات القادمة ان شاء الله.
اذن انني امنت بالاسلام عن القناعة الفكرية اولا و عن القناعة الروحية ثم عن الثقة باجدادي المغاريين بمعنى انني لا يمكن لي اعنتاق اية ديانة اخرى سواء المسيحية او اليهودية باعتبارها اول ديانة سماوية يدين بها الامازيغيين و حتى الان مازال البعض منهم على اليهودية كاختيار شخصي و القران الكريم قال لا اكراه في الدين .
غير ان الاسلام السياسي كفكر مشرقي مارس منذ 1930 الاكراه الهوياتي حيث استطاع طوال هذه العقود مسخ هوية المغرب الامازيغية من خلال اختراع جملة من الاكاذيب الخرافية و الداعية الى اقبار كل ما هو امازيغي بمساعدة و دعم ايديولوجي قوي للمرجعية السلفية و المرجعية التعريبية اللتان ساهمتا في سيادة الاحادية طوال عهود القمع و استعمال سلاح الدين لكن السؤال العريض هو هل الاسلام يوافق مع اقبار هوية شعب اغلبيته الساحقة هم من المسلمين الخ من الاسئلة التي ساحاول الاجابة عنها.
مدخل الى هذا الموضوع
ان ديننا الاسلامي منذ العهد النبوي دعا اتباعه الى تقبل الاختلاف و التعدد الديني و الثقافي و نبد التعصب القبائلي و العنصري بين المسلمين بسبب الجنس و العرق و اللغة و الدليل عن قولي هذا متوفر في احد اركان الاسلام الخمس بشكل صريح الا و هو الحج الذي اصبح اليوم مؤتمر عالمي للمسلمين من مختلف الهويات الثقافية الدولية مثلا الفرنسي الذي اعتنق الاسلام لكنه ظل يحافظ على هويته الثقافية و على لغته الفرنسية و كذلك الايراني المسلم لكنه يحافظ على هويته الثقافية و على لغته الفارسية ,
اذن اقول بان ليس العيب في الدين الاسلامي ولكن العيب في الايديولوجيات المشرقية كالعروبة و السلفية السائدتان في خطاب الاسلام السياسي منذ نشاة الحركة الوطنية الى ظهور تيارات الاسلام السياسي المعروفة,
فمنذ الاستقلال اخذت الامور تسير وفق مشروع النخب المعروفة و الهادف الى فرض العروبة كهوية ثقافية وحيدة للمغاربة من خلال مجموعة من الاجراءات الاساسية اولها جعل العربية لغة مقدسة يتحدث بها اهل الجنة كاكذوبة مخترعة من طرف بني امية المعروفين بتاريخهم الاسود تجاه الاسلام و المسلمين فهؤلاء القوم اسسوا لمفهوم العروبة بهدف تقديس عرقهم العربي و نهب الشعوب تحت ستار الفتح الاسلامي كما حدث في شمال افريقيا الا ان الامازيغيين استطاعوا طرد بني امية من الاندلس كونهم اصحاب الفساد الاخلاقي لا غير بمعنى انهم لم يقدموا للاسلام كحضارة الخ لكن ايديولوجيتهم العنصرية استطاعت الاحياء من جديد من خلال ممارسة سياسة تخريب عقول المغاربة و فكرهم الاصيل بعد سنة 1956 على عدة مستويات كالتعليم حيث اصبح الطفل المغربي انذاك يتعلم تاريخ المشرق و رموزه كأن بلده لم ينجب ابطالا تركوا شواهد حضارية قبل الاسلام و بعده في المغرب الكبير و الاندلس و جنوب الصحراء,
فيكفي ذكر الدولة المرابطية التي حملت مشعل الدين الاسلامي و رسخته في الاندلس كجزيرة رجعت الى ما قبل الاسلام حيث كانت تسبح في بحور الفواحش و الفجور بسبب دولة بني امية و ثم جاءت الدولة الموحدية العظيمة و اسست من طرف المهدي تومرت على اسس المذهب الشيعي و الهوية الامازيغية كما قاله ابن خلدون في تاريخه الخ من هذه الحقائق الصريحة على ان الامازيغية كثقافة و كحضارة و كبشر خدمت و مازالت تخدم الاسلام بكل ابعاده و نماذج كثيرة سنرجع اليها اثناء الحديث عن الخلاف الايديولوجي بين الحركة الامازيغية و حركات الاسلام السياسي ,
جذور مسالة التعريب
ان العروبة كانتماء ساهمت طوال هذه العقود في قمع الهوية الامازيغية كمكون اساسي للشخصية المغربية في جميع المستويات و الاصعدة حيث يشرفني الاعتماد على وجهة نظر صديقي و استاذي احمد عصيد بحيث يقول في مقاله الجميل الجذور الفكرية لايديولوجيا التعريب المطلق ظلت المسألة اللغوية بالمغرب في قلب النقاش العمومي منذ الإستقلال، كما أنها لم تنفصل قط عن الرهانات السياسية للسلطة و للفرقاء المختلفين، و ارتبطت في جوانب أخرى بإشكالية الهوية و الإنتماء، و بالوضع اللغوي المغربي الذي يتميز بتعقده بسبب تجاور عدد كبير من اللغات الوطنية و الأجنبية في شكل تراتبي انعكس على وظائف تلك اللغات و مكانتها. و بالقدر الذي فرض الإرث الكولونيالي وضعية امتياز للغة الفرنسية في دواليب الدولة و في المجتمع، سعت الحساسيات الوطنية بعد الإستقلال إلى إعادة الإعتبار للغات الوطنية العربية و الأمازيغية، حيث جعلت أحزاب الحركة الوطنية من التعريب أحد مبادئ المنظومة التربوية، كما انبثقت من عمق المجتمع حركة مدنية للتذكير بالمعطى الأمازيغي هوية و لغة و ثقافة، غير أنّ الطريقة التي تمّ بها تدبير التنوع اللغوي المغربي على مدى العقود المنصرمة لم تكن تنحو نحو حلّ الإشكال اللغوي بالوضوح اللازم بقدر ما صنعت وضعية متأزمة يطبعها الإرتباك و التردّد مما أنتج وضعية قلق هوياتي عميق. فالإزدواجية اللغوية عربية ـ فرنسية كانت تخفي وراءها رهانا طبقيا لم يكن في صالح أغلبية المغاربة، و إن كان في صالح أقلية استوعبت في وقت مبكر دور اللغة الفرنسية في الترقي الإجتماعي و الحفاظ على امتيازاتها،
و يقول استاذنا العزيز في شان جذور مسالة التعريب ان لخطاب التعريب المطلق هذا جذور في الفكر المغربي ترجع إلى سنة 1930 تحديدا، و هي السنة التي ترتبط بنشأة الحركة الوطنية السياسية التي قادتها أرستقراطية مدينية مكونة في أغلبها من العائلات المنحدرة من أصول أندلسية، و التي تواجدت في عدد من الحواضر المغربية و خاصة فاس و سلا و الرباط و تطوان.
و تؤشر سنة 1930 لصدور ظهير 16 ماي 1930 الداعي إلى إحداث المحاكم العرفية " بالمناطق ذات العوائد البربرية"، و هو القرار الذي اتخذته إدارة الحماية انطلاقا من حسابات استعمارية مرتبطة بموازين قوى تلك المرحلة، حيث كانت للفرنسيين "سياسة عربية" تجاه الأعيان الحضريين و "سياسة يهودية" تجاه اليهود المغاربة و "سياسة مخزنية" تجاه المخزن و العرش، و طبعا سياسة بربرية تجاه القبائل الأمازيغية،
و قد سكتت العائلات العربية كليا عن السياسة التي اعتمدتها إدارة الحماية ما بين 1912 و 1924، و الهادفة إلى تأهيل النخب الحضرية و التعاون معها و التي كانت في صالح الفئات التي ينتمي إليها مؤسسو الحركة الوطنية السياسية. نفهم من هذا الأسباب التي جعلت ظهير 16 ماي 1930 يثير رعب الأرستقراطية الحضرية المعرّبة، حيث يترتّب عنه الإعتراف رسميا بالثقافة الأمازيغية ـ ثقافة الأغلبية ـ ممثلة في الأعراف الأمازيغية، الأساس القانوني للديمقراطية المحلية في المناطق التي كان ينعتها المخزن بـ " بلاد السيبة"، و هو ما جعل ردّ فعل الوطنيين لا يقف عند حدود تنظيم قراءة اللطيف و توزيع المناشير ضدّ قرار سلطات الحماية، بل تعدّى ذلك إلى مهاجمة "الأعراف البربرية المتوحشة التي ما أنزل الله بها من سلطان" و التي اعتبرت اختراعا فرنسيا، و إلى المطالبة الصريحة بـ "عدم إعطاء أي لهجة من اللهجات البربرية أي صفة رسمية، و من ذلك عدم كتابتها بالحروف اللاتينية" كما ورد في عريضة فاس. و في نفس الوقت انطلقت نخبة الحركة الوطنية في التنظير لـ " عروبة المغرب" فكريا و سياسيا في أدبيات و بيانات و كتب كثيرة.
و يستمر استاذنا في حديثه حيث اعطى نماذج تاريخية حيث يقول قد كان طبيعيا أن تصطدم إيديولوجيا التعريب المطلق منذ بداية الإستقلال بعقبة أولى هي الواقع المغربي و طبيعة المجتمع ذاته و تركيبته. و في هذا السياق نسوق نصّا لأحد زعماء التيار التعريبي المحافظ و السلفي ممثلا في المرحوم علال الفاسي، حتى نربط الماضي بالحاضر، و نبرز منطلقات و أهداف أعضاء الفريق الإستقلالي الذين عادوا هذه الأيام (أي في سنة 2008 !؟) إلى اقتراح " تعريب الحياة العامة" على البرلمان من جديد، دون مراعاة التنوع اللغوي الوطني.
يرجع هذا النصّ الهام إلى سنة 1965، أي عشر سنوات بعد الإستقلال، و هو بعنوان " فعالية اللغة العربية" منشور بمجلة "اللسان العربي" العدد الثالث. و فيه يطرح علال موقفه الحقيقي من وضعية اللغة العربية بالمغرب بوضوح تام و موضوعية نادرا ما نجدها عند "وطنيينا" في مثل هذا الموضوع .
استهلّ علال مقاله على الشكل التالي: " قضية العربية في المغرب قضية مزمنة و الحق يقال، فهي ليست بنت اليوم و لا ناشئة فقط عن أثر الإستعمار في وطننا، و لكنها في الأصل ناشئة عن تقصير أجدادنا العرب في إكمال مهمة التعريب في المغرب ".
إن المشكل إذن هو عدم تعريب المغرب من طرف العرب القدامى (أجداد علال) مما أبقى على وجود "البربرية" بكثافة عاقت تعريب المجتمع في الماضي، و سندع علال يشرح لنا السبب الذي جعل هذه الكثافة تستمر مما أدّى إلى فشل تعريب المغرب كما حدث لبلدان أخرى، يقول : " قلت إن مشكلة العربية في بلادنا مزمنة، و أعني بذلك أن التعريب الذي بدأه أجدادنا لم يتمّ في هذا الوطن، فما يزال قسم من جبال المغرب لا يتكلم العربية و لا يتقن الكلام بها، و هذا على عكس ما انتهى إليه الأمر في كل من تونس و ليبيا و البلاد المشرقية". و طبعا لم يجد علال بدّا من إلقاء اللوم على أجداده العرب الذين لم ينتبهوا إلى وجود "الجبال" أو قصّروا في اقتحامها مما جعلها تظلّ معاقل " للعجمة البريرية"، يضيف قائلا :" إنني أوجّه قبل كل شيء اللوم على أجدادنا من رجال العرب الذين حملوا رسالة الإسلام و العربية لهذا الوطن، فإنهم عوضا عن أن ينكبوا على العمل لإكمال مهمتهم التاريخية المقدسة، شغلوا أنفسهم بالتطاحن على الغنائم و على مقاعد الحكم و خلفوا في وطننا مشاكل اجتماعية لا يمكن أن نتجاهل مصدرها إذا كنا نريد أن نبحث عن الداء و نلتمس له الدواء". و يلاحظ هنا إصرار علال على ربط " رسالة الإسلام" بـ " رسالة التعريب"، فبالنسبة له لم يأت أجداده العرب لنشر الديانة الإسلامية فقط بل و لتحويل ساكنة هذه المناطق من هوية إلى أخرى و من لغة إلى أخرى، حيث كان من الخطإ حسب رأيه ترك بعض المناطق معزولة تعيش حياة ثقافية خاصّة، يقول في توضيح ذلك : " وقد زاد في الطين بلة الإضطراب الذي صاحب المغرب في تاريخه كله، و الذي انتهى إلى تباعد الإتصال الفردي بين مختلف الأقاليم المغربية ثم انعزال بعض الجبال التي و إن احتفظت بارتباطها السياسي بالدولة فقد عاشت أجيالا حياة خاصة بها تتطور في دائرة العزلة و تنسى ما عرفته من العربية التي لا يبقى لها وجود في غير المسجد و الكتاب القرآني و على ألسنة بعض الفقهاء". سوف يلاحظ القارئ بأن علال الفاسي لم يستحضر هنا معطيين رئيسيين لتفسير الظاهرة التي يخوض فيها، الأولى أنّ تجذر الثقافة و اللغة لدى الشعوب لا يفسّر بالجبال أو السهول أو بالعامل الجغرافي وحده، الثاني أنّ المرحلة التي يتحدّث عنها عند قدوم العرب لأول مرّة إلى شمال إفريقيا خلال القرن الأول لم تكن تسمح لهم بالإستقرار بالمغرب و بالأحرى تعريب السكان، حيث كانوا في معظمهم يعودون إلى الشرق بعد الغزو، و أما الإستيطان العربي بالمغرب فقد بدأ في ظلّ الدول الأمازيغية ( خاصة الموحدون و المرينيون ) التي لم يكن ممكنا بدورها أن تقوم بتعريب المغاربة لأنها كانت تعتمد لغة القوم و ثقافتهم سواء في عصبيتها أو في تعبئتها لمشروعها السياسي
الاتجاه السلفي لدى فقهاء سوس و المختار السوسي كنموذج
اذن اشكر الاستاذ عصيد على مقاله الرائع الذي ساعدني على فهم عدة اشياء جوهرية مثل ان الاتجاه السلفي كان و مازال المحرك الاساسي لعملية مشرقية عقول النخب و الفقهاء و خصوصا في سوس كمنطقة تتميز بتعددها اللغوي أي الامازيغية و الدارجة و كذلك تتميز بتعددها الديني بحكم تعايش الديانة الاسلامية مع الديانة اليهودية منذ اقدم الازمان و العصور في منطقة افران الاطلس الصغير و مدينة تيزنيت و مدينة الصويرة الخ ,
كما ان جهة سوس معروفة بتراثها الديني الضخم و المتكون من عدة عناصر هامة كالمدارس العتيقة و الزوايا للطرق الصوفية و الشعر الديني الامازيغي و التقاليد المحافظة الخ ,
ان فقهاء سوس قد اسسوا الدول الامازيغية مثل دولة المرابطين و دولة الموحدين و دولة السعديين و كما عملوا على نشر الرسالة المحمدية بلسانهم الامازيغي من خلال تأليفهم للكتب في شتى فنون الشريعة و التصوف و غيرها الا ان فقهاء سوس قد انخرطوا في الفكر السلفي و المعتبر بان الامازيغية كابعاد مختلفة هي الكفر بالله و رسوله الاكرم
و تعتبر بالنسبة لهم بمثابة العودة الى الجاهلية المعروفة في مكة المكرمة مع كامل احترامي لمؤسسة فقهاء سوس,
و بدا هذا الاتجاه منذ المرحوم الحاج محمد المختار السوسي باعتباره احد دعاة التعريب المطلق و سلفية العقول و طمس الهوية الامازيغية من خلال تحويلها الى لهجات يتحدث بها سكان البوادي البعيدة عن اكبر المراكز الحضرية انذاك في منتصف الخمسينات,
لكن علينا ان نفهم السياقات التاريخية التي جعلت المختار السوسي يتجه نحو هذان المصطلحان المهمان في خطاب الاسلام السياسي حيث ان مغرب الاستقلال قد اراد تهميش الهوية الامازيغية و جعلها تعادي الاسلام و تثير الفتن العنصرية بين العرب و الامازيغيين و بالتالي فمن يدعو او يدافع عن هذا المكون كان يعتبر احياءا للاستعمار الفرنسي و مسالة تنصير البربر كما تقوله الحركة الوطنية و اخزابها الى يومنا هذا ,
و هكذا نفهم بان المختار السوسي كان يساير عصره الظلامي الا انه لم ينسى قط لغته الام حيث سجل للاذاعة الامازيغية 99 حلقة خاصة بالتوعية الدينية و له كتب كثيرة حول تاريخ سوس و علماؤها الكرام لكن اتجاهه السلفي عرف انتشارا واسعا في صفوف فقهاء ايت سوس و هذا الانتشار أسهم إسهاما
جوهريا في تاسيس نخبا و جمعيات عدة على اساس عبادة الاسلام السياسي .
و خلاصة القول على ان الحديث عن مؤسسة فقهاء ايت سوس هو حديث طويل دون شك و سارجع اليه في المستقبل من الايام غير انني ساواصل بحثي المتواضع حول ظاهرة الاسلام بالمغرب بين خرافات الماضي و الارتباط الوجداني بالمشرق العربي






المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي