من سياتل إلى مومبي ...الحركة المناهضة للعولمة النشأة.. التطور..التحديات

منيف ملحم
2004 / 4 / 14

طور جديد في الرأسمالية
أصبح من الضروري اليوم إعطاء رؤية أكثر دقة لما أصبح يعرف بالعولمة من جهة... والاتجاهات الرئيسة للتطورات المستقبلية للسياسة الأمريكية من جهة أخرى. و إن كان هذا يحتاج إلى جهد ليس بقليل من قبل المهتمين باحثين ومفكرين و سياسيين ولكن يجب العمل من اجل ذلك... والحوار وتبادل الآراء وحده يغني تحديد أكثر دقة لهذه الظاهرة أو المرحلة أو الطور في الرأسمالية بشكل عام وفي الولايات المتحدة بشكل خاص.
فعلى ضوء تحديدنا ما هي العولمة يكون موقفنا منها..؟..... ولنتذكر انه في بداية القرن العشرين كان يتم على ضوء تحديد أو تعريف ما هي الإمبريالية تحديد الموقف منها، فالذين قالوا: إن الإمبريالية هي الرأسمالية المتطورة كان لهم موقف مختلف- وأحفادهم الفكريون في الرؤية هم أبطال الليبرالية الجديدة- عن أولئك الذين قالوا إن الإمبريالية هي الرأسمالية الاحتكارية وسيطرة المراكز على الأطراف والصراع بين المراكز الإمبريالية.
ولان العولمة كما اعتقد هي تعيين جديد أو طور جديد أو مرحلة جديدة في الرأسمالية وليس خارجها فهي تحمل الكثير من سمات المراحل أو الأطوار التي سبقتها سواء منها طور الرأسمالية الليبرالية في مرحلة النشوء أو سمات الطور الإمبريالي في المرحلة الاحتكارية. وهذا ما يخلق تشويشاً كبيراً في تحديدها والموقف منها.
هذه السمات المتشابهة هي متشابهة في الشكل لذلك من الخطأ إسقاط بعض ما تظهره المرحلة أو الطور من الرأسمالية المعولمة على ما تشابه فيما أظهرته الرأسمالية في الأطوار أو المراحل السابقة سواء منها الليبرالية أو الإمبريالية.
فالحرب التي تشنها اليوم الإدارات الأمريكية بوصفها زعيمة الإمبريالية العالمية ضد دول وشعوب العالم الثالث والخلافات ضمن المراكز الإمبريالية، تبدو في بعض الأحيان وكأنها الحروب الكولونيالية التي جرت في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين والنزاعات الإمبريالية في النصف الأول من القرن العشرين. ولكن بتدقيق بسيط يتبين لنا أن ما هو مشترك هو إن الحرب جزء مكون عضوي للرأسمالية بكل مراحلها سواء منها الليبرالية أو الإمبريالية أو المعولمة. و إن ما هو مختلف هو البنية الجديدة للرأسمالية والأسباب والدوافع لهذه الحرب.
فليس صحيحاً أن مجيء المحافظين الجدد( كما أصبحت تسميتهم) بقيادة بوش الابن هو السبب الرئيس للحرب التي تشنها اليوم الإدارة الأمريكية على العالم تحت شعار: الحرب على "الإرهاب"
فأياً كان الرئيس الجالس في البيت الأبيض فإننا سنشهد هذه الحروب ولكن ربما تكون بأشكال أخرى.
و من حسن الحظ (أو وقاحة الطاقم الأمريكي والأمر سيان) فإنه يمكننا أن نسمع بعض الأهداف المعلنة لهذه الحرب. فإذا قال وزير الخارجية باول: "إننا بصدد إعادة ترتيب أوضاع المنطقة العربية" دون أن يحدد لنا بشكل واضح وصريح ماذا يقصد بذلك فإن منظِّر الحرب وواحد من مستشاري وزير الدفاع والبنتاغون توماس ب.م بارنيت يقول: دعوني أشرح لكم لماذا التدخل العسكري ضد نظام صدام حسين في بغداد ليس ضرورياً وحتمياً فحسب ولكنه جيد أيضا. عندما تخوض الولايات المتحدة حرباً في الخليج الفارسي، لن تكون تسوية لحسابات قديمة أو مجرد نزع بالقوة للأسلحة غير المشروعة أو التهاءً بالحرب على الإرهاب. ستشكل حربنا المقبلة منعطفاً تاريخياً، إنها اللحظة التي تحكم فيها واشنطن قبضتها على الأمن الاستراتيجي في عصر العولمة.
نعم >>ليس العراق إلا اختباراً<< من اجل إخضاع العالم للهيمنة المطلقة للولايات المتحدة الأمريكية.
لذلك لم يكن موقفنا من هذه الحرب نابعاً فقط من كوننا أبناء المنطقة العربية التي تتعرض للحرب والاحتلال والتهديدات والليبرالية الجديدة ولكن لقناعتنا بأنه على ضوء نتائج هذه الحرب سيتحدد مصير العالم لعقود عديدة.
لقد كنا نتوقع منذ بداية العقد الأخير من القرن الماضي وفي عقب انهيار الاتحاد السوفييتي أن الأزمة الاقتصادية التي تضرب أمريكا والخوف من تراجع هيمنتها الاقتصادية( التي وجدت أمريكا نفسها فيها بعد الحرب العالمية الثانية) مضافاً إليها القوة العسكرية التي تملكها( والتي لم تعرف مثيلاً لها البشرية في تاريخها) وسيطرة وقوة المجمع الصناعي – العسكري في الولايات المتحدة سيكلف البشرية الكثير من الدماء قبل التخلص من هذا الوحش الذي أنجبته الرأسمالية في طورها المعولم.
إن الحديث عن خروج العولمة عن سكتها ما هو إلا محاولة لإعطاء هذه المرحلة أو الطور من الرأسمالية شهادة حسن سلوك وإلقاء وحشيتها على هذه السياسة أو تلك لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبوش وبلير.علماً أن قطار العولمة المندفع والذي يسحق في طريقه شعوباً ودولاً لم يخرج عن المسار الذي حدد له في اتفاق واشنطن.
كما إن الحديث عن أن هناك في العولمة الرأسمالية جوانب إيجابية لذلك من الخطأ الوقوف ضدها بالمطلق ما هو إلا تضليل وذر للرماد في العيون. فليس هناك شر مطلق وخير مطلق إلا في ذهن ريغان وابن لادن وبوش.
فالحقبة الاستعمارية لم تكن شراً مطلقاً، والإمبريالية التي سببت للبشرية حربين عالميتين وعشرات الحروب المحلية التي راح ضحيتها أكثر من مئة مليون إنسان لم تكن شراً مطلقاً. ومع هذا مازالت البشرية تسعى للتخلص من كل أشكال الاستعمار ومن الإمبريالية.
لذلك فإن الحديث عن عولمة بديلة( مهما كانت نيات أصحابها طيبة بدلاً عن الحديث عن عالم آخر ) يظهر وكأنه بحث عن رأسمالية بديلة، رأسمالية دون حروب، رأسمالية دون تمييز عنصري، رأسمالية دون فقر واضطهاد، رأسمالية دون تدمير للبيئة، رأسمالية دون بوش وابن لادن وبلير.
إن التخلص من العولمة الرأسمالية لن يكون إلا بالتخلص من الرأسمالية كنظام كانت الإمبريالية احد تعييناته- أطواره في بداية القرن العشرين وهاهي العولمة تعيينه- طوره الآخر في بداية القرن الواحد والعشرين ولا نعرف ماذا يمكن أن يكون التعيين- الطور القادم للرأسمالية إذا لم تستطع البشرية التخلص منها.

المنتدى الاجتماعي العالمي
النشأة – التطور – التحديات

عرف العقد الأخير من القرن العشرين نشوء حركات اجتماعية من نمط جديد انتشرت بسرعة كبيرة على الصعيد العالمي وقد عرفت جميعا وبغض النظر عن الاسم الذي تطلقه على نفسها بالحركات المناهضة للعولمة.
لقد كانت بداية العمل المشترك لهذه الحركات الدعوة التي أطلقها المنتدى العالمي للبدائل( ) من اجل "دافوس مضاد" انعقد مؤتمره الأول في مدينة دافوس( ) نفسها في يناير 1999.
إن نجاح "دافوس المضاد" شجع على حضور مئات الحركات الاجتماعية إلى مدينة سياتل عام 1999 حيث كانت منظمة التجارة العالمية تعقد اجتماعها بحضور ممثلين على المستوى الوزاري لجميع دول العالم تقريباً. إن المواجهة الناجحة التي خاضتها هذه الحركات الاجتماعية في مواجهة المجتمعين وإعلان رئيسة المؤتمر ممثلة الحكومة الأمريكية ووزيرة التجارة فشل المؤتمر شكل بداية المواجهة التي نشهدها اليوم ضد السياسية الليبرالية الجديدة ونقطة الانطلاق لحركة اجتماعية عالمية ذات طابع أممي وصفت من قبل بعض المعلقين بعد تظاهرة الملايين العشرة التي انطلقت في 15 شباط(فبراير) ضد الحرب على العراق بأنها القوة العظمى الجديدة في مواجهة القوة الأمريكية.
إن النجاحات الجزئية التي حققتها الحركات الاجتماعية الجديدة في مواجهة الليبرالية الجديدة ومؤسسات طغم رأس المال الدولية( صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية وG8 ) وبشكل خاص النجاح في خلق وعي أممي مناهض للعولمة والنجاح في إفشال اجتماعات منظمة التجارة العالمية في سياتل أو كانكون من خلال تشكيل قوة ضغط على أعمالها ساعدت بلدان الجنوب الفقيرة في رفض الشروط المجحفة التي تحاول فرضها دول الشمال الغنية أو الشروط التي تحاول فرضها الولايات المتحدة على دول أمريكا اللاتينية من خلال منطقة التجارة الحرة بين الأمريكيتين. هذه النجاحات يجب أن لا تجعلنا ننام على حرير، فقدرة رأس المال على التكيف مع الضغوط و الأوضاع الدولية التي تفرضها الشعوب في بعض المراحل كبيرة جداً. ويملك رأس المال خبرة و إمكانيات ليست بقليلة على هذا الصعيد وهناك ألف طريقة وطريقة متاحة لرأس المال للخروج من الأزمة أو الضغوط التي تواجهه.
إذا كانت المواجهة في سياتل بداية الانطلاق لولادة حركة عالمية جديدة فإن المولد الحقيقي للحركة المناهضة للعولمة كان في بورتو اليغري عام 2001 حيث التقى ولأول مرة منذ عقود ممثلون عن القوى الاجتماعية غير الحكومية لكافة دول العالم تقريباً. وحيث تم وبفضل جهود المنظمين البرازيليين (حزب العمال البرازيلي) الخروج بميثاق للعمل عرف وبعد التصديق عليه من قبل المنتدى الاجتماعي العالمي بميثاق المبادىء الذي يتوجب احترامه و الالتزام به من قبل كل الحركات المشاركة في هذا المنتدى أو التي يمكن أن تشارك مستقبلاً.
إن الخطوط الرئيسة لهذا الميثاق بينت أن المنتدى الاجتماعي العالمي يمكن النظر إليه باعتباره:
1- مكان مفتوح للقاء و للحوار وتبادل الخبرات وعقد الصلات.
2- يناهض الليبرالية الجديدة وسيطرة رأس المال على العالم و أي شكل من أشكال الإمبريالية.
3- يضم كل منظمات المجتمع المدني والحركات الاجتماعية ويستبعد من المشاركة كل منظمة سياسية أو عسكرية.
4- يبحث عن البدائل للمشكلات التي تسببها العولمة الرأسمالية.
إن ما يلفت الانتباه في الميثاق هو العداء للأحزاب السياسية واستبعادها من المشاركة حتى وان احترمت أو التزمت بمبادىء الميثاق وهو شيء يذكرنا بعداء الحركات السياسية في الماضي إلى الحركات الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني التي لا تمثل استطالة لهذه الأحزاب. وهذا الموقف من تقديس الحركات ومنظمات المجتمع المدني هو الموقف المعكوس نفسه للأحزاب السياسية في الماضي لتقديس العمل السياسي والنظر بعين الريبة للعمل الاجتماعي أو المدني المستقل.
كان يمكن للميثاق أن يكون أكثر انسجاماً لو كان له الموقف نفسه من ممثلي الدولة الرأسمالية ولكنه لم يفعل ذلك عندما اعتبر انه >>يمكن دعوة القادة الحكوميين وأعضاء الأجهزة التشريعية بصفتهم الشخصية<< إذا ما أظهروا التزامهم بهذا الميثاق؟؟؟؟؟!!!. النقطة الثانية التي يمكن التوقف عندها هو موقف الميثاق من الرأسمالية كنظام إذ أعلن الميثاق انه يناهض الليبرالية الجديدة و أي شكل من أشكال الإمبريالية. أي انه يناهض تجليات رأس المال و افرازاته ولكنه يقف خاشعاً أمام أسوار أريحا( النظام الرأسمالي) ينفخ أبواقه لعل وعسى ينجح كما نجح يشوع بن نون.
لم يخرج البيان الذي صدر عن المنتدى الاجتماعي العالمي الأول في بورتو اليجري عن جوهر الميثاق إذ أكد على مناهضة العولمة الليبرالية وكل افرازاتها و أدواتها والسعي من اجل خلق بدائل لها.
على الرغم من كل الملاحظات التي يمكن أن تكون صحيحة على الميثاق والبيان الختامي للمنتدى الاجتماعي العالمي الأول في بورتو اليجري فإنه شكل ولادة حركة أممية جديدة ذات محتوى إنساني فرضتها المرحلة أو الطور الجديد من الرأسمالية المتوحشة( أو كما يسميها كلاوديو كاتز إمبريالية القرن الواحد والعشرين) التي تنطلق تحت الاسم المخادع"العولمة".
لقد عقد اللقاء الثاني للمنتدى الاجتماعي العالمي في بورتو اليجري تحت ضغط الأحداث التي سببها هجوم 11/أيلول-سبتمبر والحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية على أفغانستان فكان عليه أن يعيد التأكيد على تضامن الحركات الاجتماعية بعد أن بدا أن هناك محاولات من قبل القوى الإمبريالية لخلق شرخ في صفوف الحركة العالمية من خلال اللعب على وتر تأجيج النزعات القومية والوطنية والحضارية و محاولة تصدير الأزمات التي تعيشها المراكز وبشكل خاص المركز الإمبريالي القائد في الولايات المتحدة الأمريكية.
لم تنجح الحركة الاجتماعية العالمية في الحفاظ على الوحدة فقط بل أكدت التزامها بما صدر عن الاجتماع الأول و طورت خطابها ومطالبها من خلال تبني أهداف ومهام سياسية جديدة فأعلنت إدانتها للحرب التي تشنها الإدارة الأمريكية تحت ذريعة مكافحة الإرهاب كما أعلنت تضامنها مع كفاح الشعب الفلسطيني من اجل الاستقلال في مواجهة الهمجية الإسرائيلية، كما أعلنت رفضها للحصار على العراق وكوبا. باختصار خطت الحركة خطوة نحو الأمام تحت تطورات الصراع الدولي وتحت ضغط قوى اجتماعية راديكالية جديدة.
انعقد اللقاء الثالث للمنتدى الاجتماعي في مطلع عام2003 في ظل طبول الحرب على العراق التي تقرع في واشنطن معلنة حربها على العالم تحت شعار محاربة "الإرهاب" و من ليس معنا فهو ضدنا وفي محاولة لجعل الأمم المتحدة أداة دولية لتحقيق مشاريع المحافظين الجدد في أمريكا. وفي ظل تناقضات بين المراكز الإمبريالية تم الاعتقاد أنها دفنت بعد الحرب العالمية الثانية نهائياً بفعل الدمج الذي قامت به المرحلة الإمبريالية لرأس المال وتجاوزه لهويته القومية( ).
لم ينجح المنتدى في عدم الوقوع بالانحياز إلى طرف رأسمالي في مواجهة طرف رأسمالي آخر فقط (على الرغم من العداء الذي اتسع للسياسة الأمريكية وعنجهية وصلف قادتها) بل خطا خطوة كبيرة نحو الأمام عندما أعلن:>>أننا نشعر بالحاجة إلى تطوير عملنا المشترك، وطريقة عملنا واتخاذنا لقراراتنا المشتركة. و ذلك من أجل تكوين إطار مفتوح وراديكالي وديمقراطي وتعددي وأممي ونسوي ومعادٍٍٍِ للتمييز وللرأسمالية. ليكون إطاراً يسمح بمفصلة وتنسيق تحليلاتنا والتزاماتنا ونشاطاتنا. هذا الأمر يتطلب مشاركة كافة الحركات بشرط احترام استقلاليتها عن الحكومات والأحزاب السياسية، من جهة. وفي إطار احترام استقلاليتها الخاصة، من جهة أخرى. كما هو منصوص عليه في ميثاق الملتقى الاجتماعي الدولي<<.
هذه الخطوة التي خطاها المنتدى نحو موقف أكثر جذرية لم تحجب عن المراقبين التباينات التي ظهرت ضمن المنتدى الاجتماعي العالمي وكان أبرزها الاستياء الذي ظهر في أوساط المنتدى الاجتماعي بسبب انتقال الرئيس البرازيلي و زعيم حزب العمال البرازيلي(لولا) من منصة المنتدى الاجتماعي في بورتو اليغري إلى منصة المنتدى الاقتصادي في دافوس.
لقد شكل اللقاء الرابع للمنتدى الاجتماعي العالمي في مومبي (الهند) نقطة تحول نوعية في مسار حياة المنتدى وعلى ضوء التطورات اللاحقة لمؤتمر مومبي سيتقرر مصير المنتدى ومصير الحركة المناهضة للعولمة.
إن ما هو نوعي في منتدى مومبي ليس الحضور الكثيف للحركات الاجتماعية القادمة من جنوب العالم حيث العولمة الرأسمالية لا تعمل من خلال سياسة الليبرالية الجديدة بانتزاع المكاسب التي حققتها الطبقات الشعبية في المراكز بفعل نضالات طويلة وشاقة من جهة. وبفعل توازن القوى الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية في ظل الحرب الباردة من جهة ثانية.وإنما تعمل على تدمير كامل لهذا الجنوب.
لذلك فإن شعوب هذه البلدان لم يعد خيارها إجبار طغم رأس المال بالتراجع عن الإجراءات الليبرالية الجديدة للخروج من الوضع الكارثي الذي وصلت إليه بلدانها وإنما التخلص من سلطة رأس المال وقوانينه وعلاقاته.
إن ما هو نوعي في مومبي هو المنتدى الموازي للمنتدى الاجتماعي والذي عرف باسم: مقاومة مومبي والذي ضم311 حزباً وحركة اجتماعية رأت أن السبيل لمواجهة العولمة ليس البحث عن بدائل لليبرالية الجديدة أو عولمة بديلة وإنما في مواجهة الرأسمالية كنظام اجتماعي – اقتصادي قائم على الربح ليست العولمة إلا تعيينه الجديد. >>والعمل على إقامة نظام جديد، يقوم على أساس المساواة والعدالة للجميع – عالم يتحرك نحو الاشتراكية<<.
لقد شكل منتدى مقاومة مومبي الموازي مهمازاً للمنتدى الاجتماعي دفعه للإعلان في بيانه الختامي: >> نجتمع هنا من أجل تنظيم المقاومة ضد الرأسمالية وإيجاد بدائل لها<<.
التحديات..؟؟؟
تواجه المنتدى الاجتماعي عدة تحديات سنحاول إبراز أهمها:
1-المكونات التي نشأ منها المنتدى.
في لقاء المنتدى الأول في بورتو اليغري عام 2001 كانت الحركات الاجتماعية الموجودة في المنتدى بمعظمها تنتمي إلى القارة الأوروبية مع حضور ليس بالقليل للحركات الأمريكية اللاتينية بحكم انعقاد المؤتمر على أرضها والحضور القوي لهذه الحركات على الأرض اللاتينية حتى قبل نشوء الحركات الاجتماعية الأوروبية كون السياسة الليبرالية الجديدة جعلت من بلدان أمريكا اللاتينية حقل التجارب الأول للتطبيق. لذلك كان الهاجس الأول لتلك الحركات هو مواجهة العولمة الليبرالية الجديدة كونها على صعيد أوروبا أخذت بانتزاع بعض المكاسب التي تحققت في مرحلة الكنزية والحرب الباردة، أما على صعيد أمريكا اللاتينية فقد كانت قد دمرت القوى الاجتماعية سواء في المدينة أو في الريف.
لم يكن يشكل ثقل كبير على كاهل الحركات المجتمعة في بورتو اليغري قوة وثقل الهجوم العولمي الكبير لرأس المال من خلال سياسته الليبرالية الجديدة فقط بل كانت ترزح تحت ثقل الانهيار الكبير للأنظمة التي كانت تسمى اشتراكية في الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية. هذا الانهيار الذي حطم الكثير من اليقينيات القطعية من جهة وخلق تشكيكاً في إمكانية انتقال البشرية من عالم رأس المال المتوحش. ومع ذلك استطاع المنتدى الذي اختتم أعماله تحت شعار من اجل عالم أفضل للبشرية أن يمنح جيلاً جديداً الآمل بخلق بدائل لعالم رأس المال المتوحش.
مابين بورتو اليغري الأول و مومبي كانت بنية المنتدى قد تغيرت وكانت العولمة الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة قد أسفرت عن وجهها المتوحش بشكل وقح وسافر ليس على صعيد عولمة الليبرالية الجديدة وإنما على صعيد العسكرة و بناء إمبراطورية رأس المال العالمي سلماً أو حرباً.
في مومبي حضرت الحركات الاجتماعية القادمة من دول الجنوب . هذا الجنوب الذي لم يشهد تشكل هكذا حركات إلا متأخراً. حركات تسعى إلى المشاركة في تقرير مصير المنتدى وإلغاء الاحتكار الذي سيطرت عليه بعض الحركات المؤسسة للمنتدى والتي وضع تحت تصرف بعضها الإمكانيات المادية المثيرة لخلق عشرات علامات الاستفهام. و التي تسعى بعضاً منها إلى خلق حركات اجتماعية وهمية في دول الجنوب من اجل إغراق المنتدى بحركات من هذا النوع من اجل تعزيز وضعها في المنتدى.
إن التحدي الذي يواجه المنتدى مستقبلاً هو إعادة تشكيله على قاعدة ديمقراطية دون وصاية أو احتكار من قبل متعهدي الحركات الاجتماعية مع الحفاظ على التعددية والتنوع في إطار ميثاق عمل جديد ومهام أممية إنسانية جديدة تتناسب مع التحديات التي تواجه البشرية في مواجهة وحدة عولمة رأس المال.
2- عولمة بديلة...أم عالم آخر
برز شعار العولمة البديلة بعد انعقاد اللقاء الثاني للمنتدى الاجتماعي وكان للأصدقاء الفرنسيين قصب السبق في استخدام العولمة البديلة كبديل لمواجهة العولمة منطلقين مع من اتبعهم في الرأي. من أن مواجهة العولمة يدل على فعل رجعي. وهؤلاء ينقسمون إلى اتجاهين.
الأول: وهم الذين يرون أن المهمة ليست مواجهة الرأسمالية وإنما مواجهة الآثار السلبية التي خلفتها العولمة من خلال سياسات الليبرالية الجديدة والشركات العملاقة ومنظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي واتفاق واشنطن.
وهؤلاء إما يحنون إلى دولة الرفاه التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية بفعل عوامل كان أهمها:مرحلة الحرب الباردة ودورة التوسع الطويلة للرأسمالية( وهذا بجوهره موقف رجعي) وإما لا يرون في العولمة إلا محاولة أمريكية للهيمنة على العالم(وهو موقف قومي بعيد عن طبيعة الحركة المناهضة للعولمة التي انطلقت باعتبارها حركة أممية إنسانية تسعى من اجل خلق عالم أفضل غير عالم رأس المال القائم على الربح).
الثاني: وهم خليط ممن يعتقدون أن العولمة ثورة جديدة في الرأسمالية كما كانت البورجوازية في مرحلة صعودها( وكثير ما يخلطون بين ثورة الاتصالات والمعلوماتية التي حدثت في الربع الأخير من القرن العشرين و التي مهدت لظهور طور جديد في الرأسمالية-العولمة- وبين العولمة كتغير بنيوي في طبيعة الرأسمالية أبرزها التركز الخيالي لرأس المال في أيدي قلة من الأفراد وطبيعته الجديدة على الصعيد العالمي والمترافقة مع أزمة ركود منذ منتصف السبعينيات) وهم في موقفهم اقرب إلى موقف الاشتراكيين الديمقراطيين في مطلع القرن العشرين الذين رأوا إن الإمبريالية هي الرأسمالية المتطورة. وهم في معظمهم من الستالينيين سابقاً أو المراجعين ليساريتهم السابقة من التيارات الأخرى بعد انهيار "المنظومة". وأكثر ما يربكهم في مواجهة العولمة هو اسمها. هذا الاسم المخادع والمنمق الذي اختاره منظروها للمرحلة الجديدة من الرأسمالية أو الإمبريالية. لذلك يختصرون مواجهة العولمة في مواجهة الليبرالية الجديدة ومؤسستها الدولية.
صحيح أن العولمة البديلة لم تستخدم حتى الآن في المنتدى العالمي ولكن هذا التيار ضمن الحركات الاجتماعية يشكل تحدٍ للمنتدى باتجاه تحويله من حركة اجتماعية لتغيير العالم إلى حركة "إصلاح" للرأسمالية.
إن قناعتنا بأن العمل من اجل إصلاحات تمس الطبقات والفئات التي تسحقها وتهمشها العولمة في ظل الهجوم المسعور للرأسمال وفي ظل ميزان القوى المختل بشكل كبير لصالح هذا الأخير شيء يجب العمل من اجله، وبين أن تتحول الحركة الاجتماعية إلى حركة "إصلاح" للنظام الرأسمالي شيء أخر.
3-منظمات المجتمع المدني
إن استبعاد الحركات السياسية من عضوية المنتدى الاجتماعي كما أّعلن في الميثاق. يرمي كما اعتقد واضعوه حماية المنتدى من سيطرة القوى السياسية على المنتدى بفعل وجودها القوي وإمكانيتها الضخمة سواء تلك الحركات السياسية التي في السلطة أو خارجها. وهو شيء يمكن أن يكون صحيحاً. ولكن ألا يمكن للقوى الرأسمالية أن تغرق المنتدى بمنظمات مجتمع مدني وحركات اجتماعية تصنعها كما تصنع بعض منتوجاتها وتسوقها على الرغم من عدم وجود حاجة إليها في مجتمعاتها.
إن إغراق المنتدى الاجتماعي بمنظمات من هذا الطراز لم يعد احتمالاً بل أصبح كما اعتقد حقيقة قائمة وخاصة تلك القادمة من بلدان الجنوب الفقيرة هذه البلدان التي أّغرقت في السنوات الأخيرة بآلاف المنظمات المدنية . ويمكن ملاحظة أن هذه المنظمات لا تعقد مؤتمراتها إلا في فنادق الخمس نجوم. كما أن مندوبيها إلى المنتدى الاجتماعي من نزلاء فنادق النجوم الخمسة.
إن إعادة النظر بالبنية المكونة للمنتدى أصبح من التحديات التي تواجه التطور المستقبلي للمنتدى.

إلهامي الميرغني كاتب وباحث يساري في حوار حول الوضع المصري ودور وافاق الحركة اليسارية والعمالية
سلامة ابو زعيتر باحث وناشط نقابي ومجتمعي في حوار حول افاق ودور الحركة النقابية والعمالية في فلسطين