اليسار وإنقاذ الرأسمالية

شريف حتاتة
2009 / 3 / 1

لا أحد يعلم إلى أين يُمكن أن تقودنا الأزمة الاقتصادية الحالية التي نتجت من السباق المحموم نحو مضاعفة الأرباح الذي انساقت فيه الرأسمالية المالية منذ أن فرضت هيمنتها على الاقتصاد العالمي. ففي كل يوم تنهال علينا الأخبار عن انهيار شركات كبرى للائتمان، أو مصارف عملاقة مثل «بنك أميركا» أو «سيتي غروب» أو «بنك أسكوتلندا» أو غيرها، عن أزمات طاحنة تُعانيها شركات الاستثمار العقاري، والمقاولات، وشركات إنتاج السيارات، وتنبؤات بانهيار مئات المنشآت في الولايات المتحدة الأميركية واليابان وإنكلترا وفي بلاد أخرى كثيرة.
في ظل هذه الأزمة يفقد مئات الآلاف بل الملايين من الرجال والنساء عملهم لينضموا إلى جيوش العاطلين في كل البلاد ومنها مصر. أصبح الكساد كلمة متداولة عند وصف الحال في بلاد الاتحاد الأوروبي، أو اليابان، أو أميركا، أو روسيا، أو حتى في الصين. هذا علماً بأن وسائل الإعلام المملوكة للشركات المتعددة الجنسية لا تهتم بالحديث عن الكساد الذي تُعاني منه بلاد الأطراف، أي الجنوب وفقاً للمصطلح الذي حل محل ما كان يُوصف بالعالم الثالث. في البلدان كافة يفقد العاملون الكثير من المكاسب الاجتماعية التي حصلوا عليها ليتأكد التطور الذي بدأ منذ انهيار ما أطلق عليه «المعسكر الاشتراكي»، وتراجع الحركات الديموقراطية والوطنية. في كل يوم يُعاني الناس في بلادنا من تفاقم صعوبات المعيشة، من ارتفاع أسعار السلع والخدمات، من البطالة، من سياسات التخصيص في التعليم والصحة. تلك الصعوبات التي من المؤكد أنها ستتضاعف خلال الفترة المقبلة. هذا على رغم أن الأزمة لم تصل بعد إلى مداها، ذلك المدى الذي من المنتظر أن تصل إليه خلال السنة الحالية أو بداية السنة المقبلة، حيث يتوقع البعض أن يحدث نوع من التحسن في الأحوال بعد هذا التاريخ.
الواضح مما يحدث أن الشعوب هي التي تدفع ثمن الجشع الرأسمالي الذي انطلق بلا حدود، وبلا كوابح من الحكومات اليمينية المختلفة التي سيطرت على السياسات منذ أن دخل النظام الاقتصادي العالمي في مرحلة العولمة. الشعوب هي التي تدفع الثمن نتيجة استشراء البطالة، وتقلص أو زوال الضمانات والخدمات الاجتماعية، والسلع المدعمة من الدولة، ونتيجة انخفاض الأجور. تدفع ثمنه أيضاً لأن أموالها المدفوعة في الضرائب، أو المدخرة في الائتمان، والتأمين، والبنوك هي التي ستنفق لنجدة المشاريع الرأسمالية المنهارة ومؤسساتها. الرأسمالية تلهو، وتتوحش، وتقيم القصور، وتُسافر في اليخوت، وتُبعثر النقود في الحفلات والأعراس، وتشن الحروب، وتصنع البؤس الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وتفرض القمع السياسي، تلك العوامل مجتمعة التي تصنع التربة المناسبة لنمو الإرهاب واستشرائه، ثم تُطالب الشعوب بإنقاذها، وتقتطع من لحم وعرق حياة الرجال والنساء والأطفال في سبيل ذلك.
يطرح علينا ما يحدث الآن تساؤلات مُرة. يطرح على اليسار بالذات تساؤلات ينبغي الإجابة عليها. هل المطلوب الآن أن نكتفي بالفرجة على الرأسمالية وهي تُعاني من تقلصاتها؟ فاليسار طوال عمره معارض لها أو على الأقل معارض للرأسمالية الاحتكارية الكبرى، معارض للشركات العابرة للأوطان وسياساتها. يسعى إلى التقليل من غلوائها، إلى كبح استغلالها، وإلى أن ينتقل إما من طريق ثورة شعبية وفقاً لرأي البعض، أو من طريق التطور الديموقراطي الجماهيري في المجتمع وفقاً لأكثر تياراته، إلى نظام ديموقراطي حقيقي ينتقل في المستقبل البعيد إلى نظام اشتراكي بدلاً من نظام يفرض مصالح أقلية ضئيلة على مصالح الأكثرية الساحقة من الكادحين من الناس.
مع ذلك من الواضح أن انهيار النظام الرأسمالي العالمي يجلب الآن، وسيجلب في المستقبل كوارث تشمل جميع سكان الأرض. في هذه الأيام تُصاب الرأسمالية بأضرار جسيمة لا شك، على رغم محاولات الإنقاذ التي تتركز عليها، على أهم وأكبر مؤسساتها بالطبع. لكن الشعوب هي التي تتحمل وستتحمل العبء الأكبر للمصائب التي تشمل بلدان الأرض كافة. هذا بسبب تشابك المصالح الاقتصادية وشمولها في إطار نظام عالمي يتأثر به الناس جميعاً في حياتهم. الحقيقة إذن هي أننا جميعاً شعوب كادحة، ورأسماليون ليست لنا مصلحة في انهيار الرأسمالية، في حدوث كساد شامل وعميق يدوم سنوات، في إفلاس مئات الآلاف من المؤسسات الرأسمالية. بمعنى آخر يعني هذا أن مصلحة الشعوب في المرحلة الحالية هي أن تحول دون أن يحدث الكساد، من دون أن ينهار النظام الرأسمالي القائم الآن، بل أن تُساهم في إنقاذه. هذه هي الحقيقة المُرّة التي أصبحت تُواجهنا جميعاً بما فيها من ينتمون إلى اليسار.
المساهمة في الإنقاذ لها بالطبع شروطها. أن تتم تعديلات في طريقة سريان الرأسمالية واتجاهاتها، في النظم التي تعمل في إطارها، أن تُفرض عليها شروط من طريق التحرك الجماهيري والتشريعي، من طريق الضغوط التي يُمارسها المواطنون والمواطنات في كل مكان. لذلك أصبح على اليسار أن يعيش مفارقة غريبة فهو التيار المناهض للرأسمالية، لكن عليه في الوقت نفسه أن يفكر في الوضع القائم الآن، وفي السياسات التي ينبغي أن يُحددها أثناء هذه الفترة، عليه أن يُساهم بتفكيره وسياساته وتحركاته في إنعاش الاقتصاد الرأسمالي مع فرض القيود اللازمة لتغيير الاتجاه الذي سار عليه. أن يبذل جهوداً جدية لدراسة الأوضاع القائمة حالياً وتأثير الأزمة عليها، أن يخرج بسياسات واقتراحات وإجراءات تتناسب مع الأزمة الشاملة التي انقضّت علينا، والتي يعم تأثيرها علينا جميعاً.
هذا الطريق يطرح تساؤلات أخرى. إن كان على اليسار أن يسعى لتدعيم الاقتصاد، وأن يتقدم بسياسات ملائمة تتمشى مع هذا السعي، إن كان من المطلوب أن تتضمن هذه السياسات اقتراحات وخطوات وشروطاً تحمي مصالح أفراد الشعب على قدر الإمكان، تحمي مصالح العمال والفلاحين، والموظفين، والحرفيين والمثقفين والفئات المتوسطة في المجتمع وتحول دون انهيار الرأسمالية وحدوث كساد عميق طويل الأمد، كيف يُمكن ضمان التوازن المطلوب بين الطرفين؟ هل معنى هذا أنه ليس شرطاً أن يكون كل تحرك جماهيرياً، كل اعتصام أو إضراب مفيداً ومحققاً لمصالح المشاركين فيه؟ هل يتطلب هذا تحديد القوى الأخرى التي ينبغي التعاون معها في دراسة الأوضاع، وبلورة السياسات الملائمة لمواجهتها، هل يحتاج إلى تحديد التنسيق الذي يُمكن أن يقوم بين القوى السياسية والاجتماعية المختلفة حيث إن الأزمة ستصيب الجميع، وإن الكارثة ستعم؟ هل يُمكن التفكير في تعاون مع قوى لم يكن في ذهن اليسار أن يتعاون معها من قبل بما فيها السلطة أحياناً أو أجزاء منها أو مع رأسماليين كبار في بعض مواقفهم؟ هل يعني هذا إقامة تحالفات حتى مع بعض من كان يُعارضه؟
الوضع ليس سهلاً والإجابات على هذه التساؤلات تحتاج إلى مرونة وجهد، هذا إن كانت تساؤلات تحتاج إلى أن نهتم بها بدلاً من أن نُلقي بها في سلة المهملات. إنها تتطلب أن تُدرك الأطراف المعنية مدى المخاطر التي تهددها، وأن يدفعهم هذا إلى التخلص من مواقف سابقة لا تصلح لمواجهة المخاطر التي أصبحت تلوح من قرب.
أعرف أن هناك «نيراناً صديقة» قد تُوجه إليّ لكن بعد سنين طويلة في اليسار، وفي هذه المرحلة من العمر لم يعد هذا يهم.


* كاتب مصري

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان