سورية في ظل التهديدات الأمريكية – الإسرائيلية وحكومة الفرصة الضائعة

منيف ملحم
2004 / 2 / 13

   يوم أعلن الرئيس بشار الأسد في اجتماع للجبهة الوطنية التقدمية انه  سيتم حل حكومة رئيس الوزراء مصطفى ميرو وتشكيل حكومة إصلاح جديدة، عاد الأمل في الشارع السوري إلى الانتعاش ولكن هذه المرة بحذر شديد. فتجربة السنوات الثلاث السابقة منذ تولي الرئيس بشار الأسد مهامه الدستورية خلفاً لوالده الراحل وما رافقها من كثرة الحديث عن الإصلاح والتحديث من دون أن يتحقق شيء ذو قيمة وعلى الصعد كلها، وبخاصة على صعيد الإصلاح السياسي الذي اعتبره النظام مؤجلاً إلى أن يتم العمل بالإصلاح الاقتصادي  والإداري. في الوقت الذي اعتبرته القوى السياسية المعارضة مفتاح أي إصلاح جدي وحقيقي في البلاد. هذه التجربة هي ما جعلت الحذر هو المسيطر على الشارع السوري.
 ولكن على الرغم من الحذر الذي سيطر فإن الأمل لم يكن غائباً تماماً وذلك لأن الإعلان عن هذه الحكومة جاء ليكسر الكثير من القواعد التي رافقت تشكيل الحكومات السابقة (على قلة العدد) منذ أكثر من ثلاثة عقود. فهي المرة الأولى التي يعلن فيها في سورية عن النية لحل حكومة وتشكيل حكومة جديدة من قبل أعلى مسؤول في الدولة وتُحدَد لها أهداف مسبقة. فقد جرت العادة منذ تولي الرئيس الراحل حافظ الأسد السلطة عام 1970 حل الحكومة وتشكيل حكومة جديدة خلفاً لها خلال 48 ساعة، ولم تخرج عن هذه القاعدة حتى حكومة مصطفى ميرو الثانية التي جاءت بعد تولي الدكتور بشار الأسد مهامه الدستورية كرئيس للجمهورية.  هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى فإن وضعاً جديداً واستثنائياً يرمي بثقله وتحدياته على سورية حكومة وشعباً ونعني به احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة وإعلانها إعادة ترتيب أو صياغة أوضاع المنطقة العربية، ويرجح أن تكون سورية هي الهدف الثاني بعد العراق... ولاسيما بعد سيل التهديد والوعيد الذي يتبارى القادة الأمريكيون في إطلاقه تجاهها والذي تُوِّج أخيرا  بموافقة الكونغرس على ما سمي "قانون محاسبة سورية". وهو ما ترافق مع الاعتداء الإسرائيلي على منطقة عين الصاحب القريبة من دمشق.
السنوات الضائعة
  تسلم الرئيس الأسد الابن مهامه الدستورية بخطاب أصبح يعرف بخطاب القسم واعداً السوريين بعهد جديد عنوانه الإصلاح والتحديث واحترام الرأي الآخر. وقد اعتقد الشارع السوري، أن مضمون هذا الخطاب يجب أن يكون هو الخروج من الأزمات التي عانت منها سورية في العقدين الماضيين والتي تمثلت بشكل رئيسي على الصعيد السياسي بعلاقة الدولة مع المجتمع، علاقة احتكار السلطة من قبل الأجهزة الأمنية، هذه السلطة التي قامت خلال عقدين على القمع العاري ليس للمعارضين فحسب بل لكل أطياف المجتمع وفئاته ناشرة الرعب والخوف في كل ثنايا المجتمع ومرسلة آلاف المعارضين إلى القبور أو غياهب السجون والمعتقلات لسنوات تجاوزت العقدين في كثير من الأحيان، ومشردة عشرات الآلاف من أبناء الوطن في كل أصقاع العالم مطاردين أو منفيين قسراً أو طوعاً.
إن الأزمة السياسية في سورية لا تعود في جوهرها إلى عام 1970 حيث صعدت الديكتاتورية إلى السلطة. ففي عقد السبعينيات صعدت عشرات الأنظمة الديكتاتورية إلى السلطة في الكثير من دول العالم ومع ذلك شهدنا رحيلها بأشكال مختلفة. وإنما تعود إلى الحرب الأهلية الخفية التي انفجرت مابين القوى الدينية المتطرفة والسلطة في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي، والتي بدأتها القوى الدينية وأنهاها النظام ضد جميع القوى السياسية وطالت كل ثنايا المجتمع السوري.
  لذلك فإن أي حديث عن الإصلاح ما لم يبدأ بطي صفحة الحرب الأهلية التي عاشتها سورية هو إضاعة للوقت وتأجيل لانفجارها بأشكال مختلفة ( شهدنا في العراق أحد أشكالها المأسوية). عندما نقول السنوات الضائعة فلأنه لم تتوفر في سورية خلال العقود الماضية فرصة لطي هذه الصفحة كما توفرت خلال السنوات الثلاث من حكم الرئيس الأسد الابن.
  فليست الأوضاع التي تحيط بالوطن والمنطقة هي التي وفرت  الفرصة والشروط وتفرض استحقاقاً كهذا وإنما الشروط الداخلية وعنينا بها استعداد أطياف المجتمع السياسية والاجتماعية بكل تلويناتها، واتجاهاتها للبدء بخطوة كهذه متجاوزة بعض الأصوات الموتورة أو الحاقدة أو المتهورة قي السلطة والمعارضة.
  لقد أعلن المسؤولون وأصدقاؤهم والمصفقون لهم أن الإصلاح الاقتصادي والإداري الذي كان شغل الحكومة الشاغل خلال السنوات الماضية قد فشل على الرغم من كثرة المراسيم التي صدرت وعدد الموظفين الذين أوقفوا بتهمة الفساد. فكل يوم يزداد الفقراء فقراً وترمي الأزمة الاقتصادية بالمزيد من المواطنين إلى ما تحت خط الفقر أو خارج سوق العمل. والتقديرات عن أرقام البطالة في ازدياد، ويلهث المواطن بشكل دائم وراء تأمين الكهرباء والهاتف والمواصلات والطبابة والتعليم، وحجم الفساد ونهب وسرقة أموال الدولة أخذ أبعاداً خيالية وكأن المسؤولين عن مؤسسات الدولة يريدون جمع كل شيء وإيداعه في البنوك الأجنبية  قبل ركوب الطائرة وإطفاء الأنوار.
  إن جوهر الأزمة في سورية سياسي وليس اقتصادياً أو إدارياً فلا يمكن إصلاح الاقتصاد السوري من قبل من أوصلوه إلى الوضع الذي هو فيه. كما إن الإصلاح يفترض مشاركة المواطنين في تحديد خياراتهم من خلال ممثليهم ( أحزاب ،نقابات، برلمان...الخ) لا أن يصدر الإصلاح وخططه من قبل لجان تجتمع في غرف مغلقة كما يحدث الآن (راجع برنامج الإصلاح الذي نشر في جريدة الثورة الحكومية بتاريخ 5 تشرين الثاني 2003).
  فعلى الرغم من أن برنامج الإصلاح الموعود قد اختير له عنوان مضاعفة الرواتب سبعة أمثال خلال السنوات السبع القادمة، وهو ما يفترض انه يدغدغ جيوب المواطنين الخاوية، إلا انه لم يلق الاهتمام من قبلهم وذلك لعدم ثقتهم  بوعود الحكومة بعد تجاربهم المريرة مع الوعود الماضية. ولاسيما أن هذه الحكومة قد اختارت لنفسها كبداية لعملها الحجز على أموال وزير الصناعة السابق الدكتور عصام الزعيم المعروف بنزاهته، متناسية أن مراكز وبؤر الفساد والإفساد تسرح وتمرح في البلاد. وأن جهاز الدولة المغرق في الفساد لا يمكن أن يحارب المفسدين.
المعارضة السورية
  ليس ضعف القوى السياسية المعارضة في سورية اليوم استثناءً خلال الفترة الممتدة منذ تسلم الرئيس حافظ الأسد السلطة عام 1970 وحتى اليوم. وذلك لعدة أسباب أهمها:
1- إن جميع القوى السياسية المعارضة اليوم والتي كانت موجودة إبان تسلم الرئيس الأسد السلطة في عام 1970 استقبلت الحكم الجديد، مشاركة في الحكم أو مهللة أو متقبلة بحذر، وهذا ما أفقدها إمكانية التعبئة في السنوات الأولى لصعود الديكتاتورية.
2- إن التعبئة التي قامت بها القوى الدينية المتطرفة في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي واستطاعت من خلالها تشكيل قوة حقيقية هددت النظام في بعض اللحظات كانت تعبئة طائفية في ظل فسيفساء طائفية للمجتمع السوري لا يمكن تجاهله. وقد رافقتها أعمال عنف وحشية بدت في بعض اللحظات وكأنها الوجه الأخر لعنف النظام ووحشيته. وبذلك تكون قد أخرجت قسماً لا يستهان بحجمه من المواطنين من دائرة المعارضة دافعة بعضها إلى حضن السلطة أو معارضة الحركة الدينية أو واقفة على الحياد في هذا الصراع الذي لا ترى لها فيه لا ناقة ولا جملاً.
3- إن القوى السياسية( ) الأخرى بجميع تلويناتها القومية أو اليسارية لم تستطع تقديم بديل برنامجي ولو بحدوده الدنيا للصراع الدامي الذي أخذ شكل الحرب الأهلية الخفية بين القوى الدينية المتطرفة والنظام، ولم تشكل بعض طروحاتها حول الحريات والتغيير الديمقراطي مصداقية للشارع السوري الذي يقع خارج هيمنة القوى الدينية، في ظل استمرار مغازلتها للقوى الدينية تحت شعار (لا نقد للقوى الدينية حتى لا نخدم النظام وهو وجه آخر لشعار النظام الدائم من أن أي نقد له يخدم إسرائيل والإمبريالية).
4- إن  حجم ونوع القمع الذي تعرضت له القوى السياسية المعارضة بعد عام 1980 كان كافياً لتحطيمها مهما كانت كبيرة فكيف لقوى هي صغيرة بالأساس؟.... كما أن القمع الذي مارسه النظام بعد عام 1980  ضد المجتمع خلق حالة من الرهاب والخوف في المجتمع تجاه أي عمل سياسي حتى في الأحزاب الموالية للنظام أو الملتحقة به ( أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية). وفي فسحة الهامش الصغير من النشاط السياسي الذي توفر بعد تسلم الرئيس بشار الأسد للسلطة لم تستطع القوى السياسية المعارضة أن تطلق خطاباً برنامجياً بديلاً من النظام على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
فعلى الرغم من أن دعوة للمصالحة الوطنية( ) قد أطلقت من قبل هذه القوى إلا أنها جاءت متأخرة وطغت عليها أحيانا أصوات ثأرية ونزقة ومتهورة بعضها ناتج عن قصور في فهم العمل السياسي بسبب غياب أي عمل سياسي حقيقي في سورية منذ أكثر من أربعة عقود. كما أن الدعوة إلى إطلاق الحريات السياسية و"إحياء المجتمع المدني" بدت وكأنها تلبية لحاجات النخب السياسية والثقافية أكثر منها تلبية لحاجات المجتمع السوري .ولاسيما أن هذه الدعوة ترافقت بخطاب يدعو إلى رفع يد الدولة عن التدخل في الحياة الاقتصادية وإطلاق يد السوق وخصخصة كل قطاعات الحياة الاقتصادية والاجتماعية (بيع القطاع العام، خصخصة التعليم والصحة...الخ) في الوقت الذي يعيش فيه المواطنون تحت ضغط الأزمة المعيشية وهاجس تأمين أبسط مستلزمات الحياة. في ظل هذا الخطاب بدت المعارضة وكأنها بوعي أو من دون وعي تتبنى سياسة الليبرالية الجديدة التي تسحق منذ عقود شعوباً ودولاً. مع العلم بأن النظام يسير باتجاه تطبيق برنامج ليبرالي جديد ولكن من دون تغيرات ذات قيمة تذكر على صعيد الحياة السياسية.
5- إن تبني المعارضة لسياسة الليبرالية الجديدة ناتج أولاً من وهم أن الليبرالية الجديدة مقترنة بإطلاق الحريات السياسية (حالة مصر تكذب ذلك). وثانياً من محاولة غزل مع البورجوازية السورية التي لم تبد حتى الآن أي فعل ملموس من اجل الحريات السياسية ( حالة النائب رياض سيف الذي اعتقل بسبب تبنيه لمطلب الحريات السياسية لا تصنع ربيعاً للبورجوازية السورية).

سورية في ظل التهديدات الأمريكية- الإسرائيلية
  شكل احتلال العراق وتتالي المطالب و التهديدات الأمريكية/الإسرائيلية لسورية دليلاً جديداً على أن ما سمي بحكومة الإصلاح لرئيس الوزراء محمد ناجي العطري لم تكن إلا حكومة الفرصة الضائعة.  فقد أصبح واضحاً للعيان أن سورية ليس بإمكانها في ظل الخلل الكبير في ميزان القوى المواجهة العسكرية التقليدية لأي عدوان أمريكي - إسرائيلي عليها. كما أن الإدارة الأمريكية تراهن كما في العراق على هشاشة الوضع الداخلي. لذا فإن تحصين الوضع السوري لن يكون إلا بفتح حوار وطني( ) مع أطياف المجتمع بكل اتجاهاتها وتلويناتها بغية الوصول إلى مصالحة وطنية يكون في مقدمتها إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وإلغاء أحكام التجريد الذي أصدرته المحاكم الاستثنائية بحق من أطلق سراحهم والتعويض من سنوات الاعتقال وعودة المنفيين طوعاً أو قسراً والكشف عن المفقودين والتعويض لذويهم ووقف العمل بقانون الطوارىء والأحكام العرفية وإصدار قانون ينظم عمل الأحزاب والجمعيات والصحف والمطبوعات  ومحاربة الفساد وتحسين مستوى حياة الطبقات والفئات الشعبية التي تسحق يومياً تحت وطأة البحث عن تأمين متطلبات عيشها.
بعد احتلال العراق لم يأخذ النظام بجدية التهديدات الأمريكية لسورية مراهناً حيناً على الوضع الدولي الشعبي والرسمي الذي وقف ضد الحرب والاحتلال وأحيانا أخرى على الأزمة التي يتعرض لها الاحتلال الأمريكي من جراء المقاومة والعمليات العسكرية التي ووجه بها. ولكنه يبدو انه أدرك أخيرا أن الطاقم اليميني في البيت الأبيض والمتحالف مع الطاقم اليميني في إسرائيل سيكون أكثر عدوانية وشراسة كلما ازدادت أزمته وكثرت جروحه. لذا فقد تغيرت لهجة المسؤولين السوريين التي كانت قبل الاحتلال وأثناءه، وسعوا إلى تلبية بعض المطالب الأمريكية وأعلنوا أكثر من مرة أنهم تعاونوا ومستعدون للتعاون مع الأمريكيين لمكافحة "الإرهاب" ولكنهم لم يحققوا من ذلك أي فائدة تذكر. فالمطالب والشروط الأمريكية/الإسرائيلية تبدأ ولكن لا أحد يعرف أين تنتهي. والمواطن في سورية يدرك انه كلما أكد المسؤولون السوريون تمسكهم بالحوار مع الأمريكيين كلما قل احتمال أن يفتحوا الحوار مع شعبهم وقواه السياسية، وكلما تقدموا في تلبية المطالب الامريكية كلما ابتعدوا عن تلبية احتياجات الوطن والشعب .هذا الشعب الذي يتعرض بشكل يومي إلى قصف التهديدات الأمريكية/ الإسرائيلية وقصف القمع و الليبرالية الجديدة والفساد والفقر.

                                                                              منيف ملحم – دمشق

إلهامي الميرغني كاتب وباحث يساري في حوار حول الوضع المصري ودور وافاق الحركة اليسارية والعمالية
سلامة ابو زعيتر باحث وناشط نقابي ومجتمعي في حوار حول افاق ودور الحركة النقابية والعمالية في فلسطين