الحركة المناهضة للعولمة الليبرالية وفلسطين الآن غريش( ) محذراً ومتخوفاً..؟!

منيف ملحم
2004 / 1 / 22

ملاحظات على مقالة للكاتب نشرت في أخبار أتاك رقم 367 أكتوبر 2002
>>منذ عدة أشهر، وجدت الحركة المناهضة للعولمة الليبرالية نفسها منخرطةً في التضامن مع الفلسطينيين، وذلك في فرنسا، وبصورةٍ أوسع في أوروبا ومناطق أخرى من العالم (وبشكلٍ خاص في الولايات المتحدة والبرازيل). وقد عبّر هذا التضامن عن نفسه بصورةٍ شبه متزامنة مع الرحلة التي قام بها «المتطوعون الدوليون» إلى الضفة الغربية وقطاع غزة من أجل الدفاع عن السكان الفلسطينيين المدنيين وللمطالبة بأن تقوم قوة مدنية بحمايتهم. لقد كان طبيعياً أن تجد حركةٌ تنادي بحقّ الناس في أن يمتلكوا مستقبلهم نفسَها إلى جانب الفلسطينيين الذين يعيشون تحت سيف الاحتلال (اقرأ ناعومي كلاين، الغارديان، لندن، 25 نيسان/أبريل 2002).
من جهةٍ أخرى، تندرج الحملة التي تشنها حكومة أرييل شارون على الفلسطينيين بصورةٍ كاملة في إطار «الحرب غير المحدودة» التي يقوم بها الرئيس بوش ضد «الإرهاب». كما أنّه كان طبيعياً أيضاً أنّ تقف إلى جانب الفلسطينيين الحركةُ المناهضةُ للعولمة الليبرالية - التي أدانت بقوة تلك السياسة الأمريكية، وخاصة في نداء الحركات الاجتماعية الصادر في بورتو أليغري عام 2002-.
إلاّ أنّه لا يمكن لهذا التضامن أن يتفادى قيام جدالٍ سياسيٍ حول أسسه وأهدافه السياسية، فالصراع الإسرائيلي - الفلسطيني يثير الكثير من الإشكاليات وسوء التفاهم، بحيث لا يمكننا أن نقفز فوق مثل هذا النقاش الذي يخص بصورةٍ أوسع كافة الديموقراطيين<<،
   بهذه الكلمات يبدأ الآن غريش مقالته وهو بهذه الكلمات يلفت الانتباه إلى التطورات الجديدة في الموقف من القضية الفلسطينية على الصعيد الدولي والذي مثل موقف الحركة العالمية المناهضة للعولمة وجهه الأبرز سواء من خلال الحملات الدولية التي نظمتها الحركات الاجتماعية للمتطوعين الذين وصلوا إلى فلسطين لحماية الشعب الفلسطيني من الإبادة التي يتعرض لها على يد القيادات الإسرائيلية الصهيونية، مقدماً بعضهم أرواحهم في أروع تضامن إنساني اعتقد بعضهم انه أصبح في طي النسيان بعد انطلاقة العولمة المتوحشة وتقدم المشروع الأمريكي للهيمنة على كرتنا الأرضية. أو من خلال جعل العلم الفلسطيني رمزاً في كل الاحتجاجات والتظاهرات التي انطلقت على الصعيد العالمي ضد العولمة الرأسمالية وضد الحروب التي تشنها واشنطن وحلفاؤها على شعوب وأمم العالم تحت شعار"محاربة الإرهاب" وقد جاء استطلاع الرأي العام الذي قام به الاتحاد الأوروبي مؤخراً لا ليؤكد على التضامن الجديد مع الشعب الفلسطيني فقط وإنما ليعلن إدانته لدولة إسرائيل التي تشكل بؤرة توتر يهدد السلام العالمي.
ولكن الآن غريش يحذر من أن هذا الموقف التضامني للحركة العالمية المناهضة للعولمة:
1- >>لا يمكنه أن يتفادى قيام جدالٍ سياسيٍ حول أسسه وأهدافه السياسية<<.
2- >>إن الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني يثير الكثير من الإشكالات وسوء الفهم<<
    وهنا ومن خلال قراءة هذا التحذير يمكننا أن نقرأ بداية انتقال الآن غريش الكاتب والمفكر الموضوعي (والذي طالما وقف إلى جانب الشعوب والأمم ألمضطهده) إلى صف أولئك المفكرين والكتاب الذين يظلون ذا بعد إنساني وتقدمي وموضوعي إلى أن يتعلق الموقف من إسرائيل فينسون موضوعيتهم. لا بل لا يستطيعون تجنب بعض الأساطير والخرافات التي عرفتها الإنسانية في طفولتها فتصبح بعض الأساطير والكتب الدينية مصدر للمعرفة والإتكاء في تفسير التاريخ.....بل نراهم يعودون إلى تأسيس الحق على القوة الغاشمة وميزان القوى الراهن في بعض الأحيان، بل لا يتورعون عن الاستقواء "بالقانون" الدولي وهو القانون الذي فرضه الأقوياء بعد الحرب العالمية الثانية والذي تمثل في الأمم المتحدة وتركز في مجلس الأمن والخمسة الكبار حتى وقت قريب وهو اليوم ومنذ فرض العقوبات على العراق في عام1992 يتمركز في القوة الأمريكية المتوحشة.ومع ذلك وحتى عندما لا يلائم هذا "القانون" الدولي مواقفهم نراهم يرمون به جانباً ويتحدثون عن الأمر الواقع الذي أسسته وفرضته القوة العارية.
    نعم إن حملات التضامن بكل أشكالها والتي انطلقت في السنتين الأخيرتين من بورتو اليجري (المنتدى الاجتماعي) إلى جاكرتا(بيان جاكرتا للسلام) مروراً بشوارع جنوى وباريس ولندن ومدريد مع الشعب الفلسطيني لم تكن لتكون لولا:
1-استمرار انتفاضة الشعب الفلسطيني للسنة الرابعة وهو يواجه بعيون وصدور أطفاله أبشع استعمار استيطاني عنصري عرفه التاريخ المعاصر.
2- أن جيلاً جديداً من المفكرين والمثقفين والكتاب والمناضلين والشباب وقوى جديدة، لناحية العمر والمفاهيم، جاءت إلى الساحة السياسية و قد تخلصت بدرجة كبيرة من >>الإشكالات وسوء الفهم<< الذي نشرته القوى الإمبريالية والصهيونية من خلال سيطرتها على وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية خلال أكثر من نصف قرن على قيام دولة إسرائيل.وكان ابرز هذه الإشكالات وسوء الفهم أن إسرائيل قامت على أرض دون شعب. و إن إسرائيل تعيش في تهديد دائم من جيرانها العرب (والتي كذبها المؤرخون الجدد في إسرائيل). بينما الحقيقة إن إسرائيل كانت وعلى مدى أكثر من نصف قرن مصدر تهديد لدول المنطقة وشعوبها ولا تزال.إضافة إلى الدور الوظيفي التي تقوم به دولة إسرائيل لخدمة المشروع الإمبريالي في المنطقة العربية ودرها اليوم في مشروع العولمة الرأسمالية ومشروع الهيمنة الأمريكي.
   لنعد إلى مقالة الآن غريش والتي كتبها كما يقول ليحذر الحركة العالمية المناهضة للعولمة من أن هذا الموقف التضامني إذا لم تتحدد "أهدافه وأسسه" فلا بد أن يؤدي إلى شق الحركة العالمية المناهضة للعولمة.
    مع كل تقديرنا لمواقف الكاتب من حقوق الشعب الفلسطيني فإنه يصعب علينا الآن أن نعرف بدقة هل هو خائف على الحركة العالمية أم خائف من حجم التضامن المنطلق مع الشعب الفلسطيني على دولة إسرائيل؟؟؟؟؟
يذكر الكاتب على سبيل إظهار تعقيدات الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. إن مستشار شارون في حديث مع CNN  قاطع المراسل قائلاً: "إنّ يهوذا والسامرة ليستا أراضىٍ محتلة، بل هي أراضٍ أعطاها الربّ لليهود، وقد تمّ تسجيل هذا الوعد الرباني في التوراة". ويعلق السيد الآن غريش:>> إذ لو أننا صدّقنا بأنّ التوراة تحتوي على وعدٍ إلهي يخصّ «الشعب المختار»، فإنّ كافة الحجج المتعلقة بـ «حقوق» الفلسطينيين لا يمكنها الصمود<<.
   فقط نريد أن نلفت انتباه السيد غريش( وهو يعلم ذلك بلا شك) إن بعض المتطرفين الصهاينة يقولون إن رب اليهود قد وعدهم في التوراة بأن الأرض من النيل إلى الفرات هي لهم وإذا صدقهم السيد غريش فإن حقوق شعوب المنطقة لا يمكنها الصمود!!!!
   متى كان القانون الدولي الذي يتحدث عنه السيد غريش يقوم على الوعود الإلهية؟ لم نسمع حتى الآن بأن محكمة العدل الدولية حلت النزاعات على الحدود وفقاً للوعود الإلهية.
  عندما ينتقل السيد غريش إلى نقل المنطق العربي/ الفلسطيني فلا نعلم هل يشوه الموقف لعدم معرفة أو بقصد التشويه يقول: >>بموازاة التفكير السابق لمستشار شارون،" نشأ منطقٌ إسلامي يقدّم فلسطين بصفتها أرضاً إسلامية منذ القرن السابع بعد الميلاد<<.
   أولا:إن المنطق الإسلامي الذي يتحدث عنه السيد غريش والذي يقدم فلسطين باعتبارها أرضاً إسلامية هو منطق جديد. منطق نشأ مع نشأة الإسلام الأمريكي الذي رعته واشنطن وغذته في العقود الثلاثة الماضية من أمثال ابن لادن وكل الحركات الوهابية والسلفية المتطرفة بغية مواجهة الحركات القومية واليسارية من جهة وبغية خلق شرخ مابين العرب المسلمين والمسيحيين وخلق تعاطف مع الدولة العبرية من قبل شعوب الغرب المسيحية من خلال  تصوير الصراع العربي – الصهيوني باعتباره صراعاً دينياً بين المسلمين واليهود من جهة ثانية.
    ثانياً: لا يمكن وضع علامة موازاة من قبل شخص علماني وعقلاني مثل السيد غريش بين " وعود الرب" كما يدعي الصهاينة وبين منطق الواقع التاريخي. المنطق التاريخي الذي يقول إن فلسطين قائمة بشعبها قبل أن يأتي العرب المسلمون بقرون. هذا الشعب الذي كان ينتمي لديانات مختلفة ومن ضمنها اليهودية مثله مثل بقية شعوب المنطقة في لبنان أو سورية أو العراق.
    استعربت فلسطين بعد دخول العرب المسلمون إليها في القرن السابع الميلادي. استعربت وبقي فيها أقلية يهودية شأنها شأن بقية كثير من البلدان التي دخلها العرب في المنطقة العربية. استعربت بانتماء أبنائها لا من خلال طرد ساكنيها كما فعلت الحركة الصهيونية عندما أعلنت دولة إسرائيل عام 1948.استعربت وكان فيها أقلية يهودية نسبتهم إلى سكان فلسطين لم تتجاوز 6% عندما وقعت تحت الاحتلال البريطاني بموجب اتفاقية سايكس- بيكو و بدأ المشروع الصهيوني لاستيطانها كوطن قومي لليهود بموجب وعد بلفور عام 1917.
   إن محاولة تحطيم وتذويب الهويات القومية لصالح الهويات الدينية والطائفية والمذهبية هي جزء من مشروع العولمة الرأسمالية المتوحشة الذي تقوده أمريكا ويعزف علية القادة الصهاينة في دولة إسرائيل لأسباب أصبحت معروفة ومكشوفة واجزم إن السيد غريش لا يسعى في هذا الاتجاه بل اعتقد انه يشاركني الرأي إن الطريق الأمثل للبشرية هو السعي من أجل هوية إنسانية عالمية تستطيع احتواء كل الهويات المختلفة لا تذويبها، والى أن يتحقق هذا الهدف الإنساني العظيم فلا بد من احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها ورفض أي احتلال لأراضي الغير سواء كان هذا الاحتلال وقع البارحة أو من قرن مضى وحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم الذي اقتلعوا منها بالقوة، حق لا يمكن لا لياسر عبد ربه ولا ليوسي بيلين ولا لأياً كان التنازل عنه. وحدهم أصحاب الحق بالعودة مفوضين بالتنازل عن هذا الحق.
   إن المقارنات التي يعقدها السيد غريش بين الواقع في فلسطين وواقع كوسوفو وصربيا وغيرها من المناطق التي تغيرت مع التداخلات القومية لا تستقيم. فسكان فلسطين من العرب المسلمين والمسيحيين هجروا بالقوة من قبل الحركة الصهيونية التي استوطنت فلسطين. و مازال قسماً منهم على قيد الحياة على حدود فلسطين ينتظرون "القانون" الدولي أن يعيدهم إلى ديارهم التي هجروا منها.
   يطلب السيد غريش من الحركة العالمية لمناهضة العولمة الرأسمالية أن تحتكم إلى القانون الدولي في الموقف من الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي على الرغم من اعترافه>> أنّ هذه القرارات لم تتخذ في عالمٍ مثالي، وأنّها لا تخلو من «اللطخ» وأنّها نتجت على الدوام عن توازن القوى، وبالأخص بين القوى العظمى<<. أما أنا فأنصح الحركة التي اعتبر نفسي جزء منها أن تعيد النظر بهذه القوانين الموجودة حالياً فترمي إلى مزبلة التاريخ كل ما تراه يتعارض مع مصالح الشعوب وتطلعاتها من اجل عالم ينتفي فيه كل تمييز على أساس الثروة والجنس واللون والدين. وخلق قوانين جديدة للأمم تحقق من خلالها حريتها واستقلالها وتحررها من وصاية واستعباد رأس المال وكل افرازاته القديمة والجديدة وهذا ما بدأته (في بيان جاكرتا للسلام) و ما يجب السير عليه مستقبلاً.
   قريباً ستصبح محكمة الجزاء الدولية التي وضعت عليها الولايات المتحدة وإسرائيل تحفظاتها جزء من القانون الدولي فهل على الحركة العالمية المناهضة للعولمة احترامها بعد هذه التحفظات؟؟؟؟
هل علينا احترام القانون الدولي في ما يخص ديون العالم الثالث؟؟؟؟
هل علينا احترام القانون الدولي بما يخص فرض العقوبات على العراق والذي راح ضحيته نصف مليون طفل؟؟؟
هل علينا احترام القرارات التي تصدر عن مجلس الأمن والتي شرعت احتلال العراق من قبل القوات الأمريكية –البريطانية؟؟
إن القانون الدولي حتى الآن يعامل بوش وطاقم حربه وشارون وطاقم حربه باعتبارهم رجال سلام وحاملي خرائط سلام ولواء الديمقراطية وحقوق الإنسان وينظر إلى جميع تمثيلات الشعب الفلسطيني تقريباً باعتبارهم قوى إرهاب يجب استئصالها فهل على الحركة العالمية احترام ذلك؟؟؟؟!!
     ولكن وحتى لا نطيل الحوار ولخلق مساحة تفاهم أوسع مع السيد غريش الذي يطلب من الحركة العالمية احترام القانون الدولي فإني اقترح على السيد غريش أن يكون هدف الحركة العالمية المناهضة للعولمة الرأسمالية والأساس الذي يقوم عليه تضامنها مع الشعب الفلسطيني هو تطبيق قرارات الأمم المتحدة جميعها بما يخص الصراع الفلسطيني –الإسرائيلي بما فيها القراران رقم 181 الصادر عام 1947 والقاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية وقرار الأمم المتحدة رقم 194 القاضي >>بالسماح للاجئين الراغبين في ذلك بالعودة إلى بيوتهم في أسرع وقتٍ ممكن، وبالعيش بسلام مع جيرانهم، كما ينبغي دفع التعويضات عن ممتلكات أولئك الذين يقررون عدم العودة إلى بيوتهم، وعن كلّ الممتلكات الضائعة أو المتضررة».وليس احترام القانون الدولي الذي يعرّف بشكلٍ خاص قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية بصفتها أراضي محتلة كما يقترح السيد غريش. لأننا لو فعلنا ذلك لما كنا نحترم القانون الدولي وإنما كنا ننحني ل >>رؤية العالم وعلاقات القوة فيه كما هي، وليس كما نحلم بها<< ....
      إن رؤية العالم وعلاقات القوة فيه كما هي، وليس كما نحلم يجعل كل كفاح الشعوب والأمم اليوم من اجل عالم أفضل ليس أكثر من عبس وإهدار للجهود ويجعل نهوض حركة عالمية لمواجهة العولمة الرأسمالية وبناء عالم آخر بديل لعالم رأس المال ليس أكثر من فعل صبياني لن يجدي نفعاً. وهذا هو ما يحاول دعاة العولمة نشره اليوم وعلى أوسع نطاق.
    سيبادر السيد غريش إلى القول >>بأنّ الرأي العام الإسرائيلي والمجتمع الدولي كما هو الآن غير مستعدين لمساندة مثل هذا الخيار<<.
    سيدي نحن لا نناقش فقط ما يريده الاسرائيلييون وما لا يريدوه. نحن نناقش ما أقره "القانون" الدولي وما يجب على الحركة العالمية المناهضة للعولمة أن تتبناه كأساس للحل. فهناك كما تعلم تيار ليس بقليل ضمن إسرائيل يرى "الخيار" بترحيل ما تبقى من الشعب الفلسطيني إلى ما وراء نهر الأردن.وفي ظل العنجهية والهمجية للإدارتين الأمريكية والإسرائيلية مرشح هذا التيار للاتساع في إسرائيل.
    يكتب الآن غريش >>منذ اندلاع الانتفاضة الثانية في أيلول/سبتمبر من العام 2000، امتد التضامن مع الفلسطينيين إلى كافة مناطق العالم، وخاصة في أوروبا. لقد أثار اتساع هذه الحركة مجموعةً من الهجمات التي هدفت إلى وضع علامة مساواة بين انتقاد الحكومة الإسرائيلية ومعاداة السامية، وكذلك بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية<<.
    يؤسفني أن يعزف الآن غريش على اسطوانة أصبحت مملة ومقيتة(العداء للسامية). هذا السيف الذي أصبح مسلط من قبل الصهيونية على رقاب كل المفكرين والكتاب والباحثين في العالم بما فيهم اليهود(الم يّتهم المفكر نعوم تشومسكي بأنه معادٍ للسامية-كارهاً نفسه-) بمجرد أن يعيدوا كتابة تاريخ الحركة الصهيونية أو يدينوا أو ينتقدوا ممارسات إسرائيل العنصرية والهمجية.
   لقد انبثقت في العامين الأخيرين موجة عداء للإدارة الأمريكية لم يعرف لها العالم مثيل بأتساعها وعمقها وذلك نتاج للسياسات التي اتبعتها هذه الإدارة في العالم. وقد كان للحركة العالمية المناهضة للعولمة دوراً في هذه التعبئة يستحق الانحناء من كل الديمقراطيين في العالم.ولاشك إن بعض القوى التي انخرطت في موجة العداء للسياسة الأمريكية تنطلق من مواقع عنصرية كريهة ينبغي إدانتها من كل الديمقراطيين في العالم ولكن ظهور هذه القوى في سياق الحملة العالمية لمواجهة السياسة الهمجية والمتغطرسة لطاقم البيت الأبيض والبنتاغون لم يكن بفعل التعبئة التي قامت بها الحركة العالمية المناهضة للعولمة وإنما كانت حاضرة قبل هذه الحملة، حاضرة كونها إحدى إفرازات الرأسمالية الكريهة،وحاضرة بفضل السياسات الأمريكية التي غذت هذه القوى على مدى عقود لمواجهة ما أسمته الخطر الشيوعي في المنطقة والعالم.
    لم يرى السيد غريش أي غضاضة في هذه الحملة على السياسة الأمريكية بل ربما كان من الداعمين لها ولكن أن تترافق هذه الحملة العالمية على السياسة الأمريكية مع حملة على العدوانية الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني( علماً إن السيد غريش يعترف>> إن هذه الحملة التي تشنها حكومة أرييل شارون على الفلسطينيين تندرج بصورةٍ كاملة في إطار «الحرب غير المحدودة» التي يقوم بها الرئيس بوش ضد «الإرهاب»<<). فهذا شيء يستحق التوقف عنده وتتحمل مسؤوليته الحركة العالمية لمناهضة العولمة!!.
    لقد تغذت هذه القوى العنصرية في منطقتنا العربية والعالم والتي تخلق علامة مساواة بين اليهودية والصهيونية، وبين ابن لادن والعرب والمسلمين، وبين بوش وطاقم حربه والمسيحية، قبل ظهور الحركة العالمية المناهضة للعولمة.تغذت من رحم العولمة الرأسمالية المتوحشة، والسياسات الأمريكية-الإسرائيلية وليس من حملات التضامن للحركة العالمية مع الشعب الفلسطيني. ومع هذا فإن من واجب الحركة العالمية المناهضة للعولمة أن تتمايز عنها في كل خطوة تخطوها وان تدين كل موقف أو فعل عنصري تقوم به.>>وذلك لأسباب مبدئية- إدانة كافة أشكال العنصرية التي تشكّل أحد مبادئ الحركة المناهضة للعولمة<<. وكونها تخدم سياسات بوش وشارون العنصرية.
هل هناك من حل عادل؟؟؟؟
   أصبح اليوم من المستحيل إيجاد حل عادل لقضية الشعب الفلسطيني وكل حديث اليوم من قبل القوى الإمبريالية أو الأنظمة العربية أو الأمم المتحدة أو أيا كان عن إيجاد حل عادل ليس أكثر من كلام فارغ يراد به الاستهلاك.
إن المطلوب اليوم هو ليس البحث عن الحل العادل وإنما عن الحل الذي يشعر فيه الفلسطينيون والعرب أنهم بصدد حل ارتضوه بأنفسهم ولم يفرض عليهم بأعقاب البنادق الأمريكية وأحذية الجنود الإسرائيليين. حل يتم تحقيقه مع أخر يشعرون انه راغب بالسلام معهم ويسعى إلى تحطيم كل الجدران التي انتصبت بينه وبينهم خلال أكثر من نصف قرن لا أن يبني المزيد من الجدران العنصرية وهو يتحدث عن السلام والحل. حل لا يأتي من احتياجات الغرب الإمبريالي وإنما من احتياجات شعوب المنطقة عرباً وإسرائيليين. وهذا الحل لم تتوفر شروطه بعد ولكن ما تقوم به الحركة العالمية المناهضة للعولمة الرأسمالية يوفر بعضاً من هذه الشروط على طريق الحل( إذا بقيت غير ملتزمة بنصائح السيد غريش) سواء من خلال حملات التضامن المباشرة أو من خلال العمل على تغيير الوعي العالمي (بما فيه العربي والإسرائيلي) بشكل عام والغربي بشكل خاص حول طبيعة الصراع القائم اليوم بين العرب والإسرائيليين والذي سخرته الأنظمة الإمبريالية والعربية لتحقيق مصالحها خلال أكثر من نصف قرن على بدء المأساة الفلسطينية.
إلى أن نصل إلى ذلك اليوم فكل الصيغ يمكن أن تكون حل لهذا الصراع الدامي سواء دولة ديمقراطية للشعبين أو دولة ثنائية القومية أو دولتين يقرر فيهما الشعبين بحرية خياراتهما المستقبلية.

إلهامي الميرغني كاتب وباحث يساري في حوار حول الوضع المصري ودور وافاق الحركة اليسارية والعمالية
سلامة ابو زعيتر باحث وناشط نقابي ومجتمعي في حوار حول افاق ودور الحركة النقابية والعمالية في فلسطين