قاضــي جـــرمانا

منيف ملحم
2003 / 12 / 26

تناقلت الصحف وبعض القنوات الفضائية إن قاضي مدينة جرمانا- الواقعة في ريف دمشق- السيد باسل الرفاعي قام بتوقيف مواطن كان يدخن أمام محله في شهر رمضان وتحويله إلى المحكمة حيث حكمت عليه بالسجن لمدة شهر بتهمة " الإفطار في رمضان علناً مخالفاً للآداب العامة" استناداً إلى اجتهاد قانوني يعود إلى عام 1950.
ووفقاً لحديث المحامي خليل معتوق لصحيفة السفير فإنه الحكم الأول بهذا الموضوع منذ صدور الاجتهاد المذكور عام 1950 كما انه أسرع حكم قضائي بتاريخ المحاكم السورية.
ووفقاً لصحيفة الحياة فإن مقربون من قاضي جرمانا ذكروا إنها ليست المرة الأولى التي يطلب فيها القاضي من مواطنين في جرمانا إطفاء السيجارة في الأماكن العامة وقد استجابوا لطلب القاضي.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم :
1- هل سبق للقاضي أن طلب من الناس قبل هذا العام هذا الطلب في جرمانا أو غيرها؟ وهل فعلاً انه لم يشاهد في جرمانا وغيرها من أحياء دمشق إن المطاعم لا تغلق أبوابها في شهر رمضان وان الناس يرتادونها ويتناولون طعامهم دون خوف من المطوعين قبل ظهور القاضي لأنهم إما غير صائمين وإما لأن الصوم ليس من شعائرهم؟. 
2- هل صحيح إن المواطنون الذين أطفئوا سكائرهم بعد طلب القاضي منهم قد استجابوا لذلك "احتراماً لمشاعر الآخرين" أم إن القاضي هددهم بالتوقيف فامتثلوا للتهديد؟
3- هل إن امتثال الناس لطلب القاضي هو الذي شجعه ليلعب دور المطوع للناس( على غرار المطوعين في السعودية) بالإضافة لوظيفته كقاضي؟ أم إن هناك شيء أخر في المناخ العام للعالم والبلاد هو الذي شجع السيد القاضي على لعب هذا الدور.؟
4- هل إصدار الحكم بهذه السرعة من قبل المحكمة جاء ليدلل على إن القضاء السوري خرج من اكبر مشكلة كان يعاني منها وهي نوم الدعاوى القضائية في المحاكم لسنوات قبل البت فيها. أم إن حكم المحكمة جاء ليشرعن دور المطوع للسيد قاضي جرمانا؟
يذكرنا هجوم القاضي الرفاعي على المفطرين في شهر رمضان من المسلمين أو غير المسلمين تحت غطاء "مخالفة الآداب العامة" بالحملة التي شنها اليمين الفرنسي ومازال على المسلمات من طالبات المدارس في فرنسا المرتديات للحجاب تحت حجة إيذاء مشاعر الفرنسيين في الظاهر ولكنها في الواقع هي كره للأخر المختلف وحملة كان اليمين يرمي من خلالها إلى التعبئة. هذه التعبئة التي أثمرت نتائجها عن نسبة من الأصوات لمرشحه في الانتخابات الرئاسية الماضية لم تشهدها فرنسا في تاريخها المعاصر.
في فرنسا أصدر القضاء حكمه بالسماح للطالبات بارتداء الحجاب في المدارس لان ذلك يتوافق مع الحريات الشخصية للمواطنين الفرنسيين. أما في سورية فأن المحكمة ضربت الرقم القياسي في سرعة إصدار الحكم غير عابئة في إن كان هناك حرية للآخر المختلف مادام لديها اجتهاد يعود إلى نصف قرن مضى ومادامت قائمة في وطن غيبت فيه كل الحريات الأساسية منذ عقود..
ليس مسألة توقيف المواطن ولعب دور المطوع من قبل قاضي جرمانا ولا حكم المحكمة السريع ولا الكلام الذي وجهه القاضي إلى المتهم بعد نطق الحكم والذي عبر فيه عن موقفه من المسألة لا باعتباره قاضي بل بكونه مختلف مع الآخر وكارهاً له هو ما يدفعنا إلى تناول هذه القضية. وإنما يدفعنا إلى ذلك المناخ العام الذي تعيش فيه البشرية في ظل العولمة الرأسمالية المتوحشة التي أثارت منذ انطلاقتها وما تزال تثير وتنبش كل ما هو متعصب ومنغلق، فمن إثارة نزعات التمييز والتفرقة على الصعيد العالمي باسم "صراع الحضارات" إلى إثارة كل النزعات القومية والدينية والطائفية على الصعد الإقليمية والمحلية. مرة بفعل التنظير والتعبئة الإعلامية والسياسية ومرة بفعل حالة التهميش والإفقار والسحق الذي وضعت الشعوب والدول فيه من قبل مراكز رأس المال.
نحن لا ننفي إن القوميات والأديان في الماضي شهدت حركات تعصب وعنف. ولكن ما نشهده اليوم من حركات دينية أو قومية متعصبة وعنيفة هي شيء مختلف نوعيا. هذه الحركات يرتبط نسبها بالحركات القديمة اسماً أما نسبها الحقيقي فيعود إلى العولمة الرأسمالية المتوحشة التي انطلقت في العقد الأخير من القرن العشرين رامية بكل ثقلها على الشعوب إفقاراً وتهميشاً وإذلالاً وتدميراً للقيم. إنها نتاج والابنة الشرعية للايدولوجيا والتنظير العولمي لمفكري العولمة ودعاتهم. إن العولمة الرأسمالية المنفلتة من كل قيمة ماعدا قيمة مراكمة الربح والثروات تتقدم ساحقة شعوباً وأمماً وهي بذلك تترك لهم خيارات وتثير عندهم ردود أفعال قاسية وصعبة ولا إنسانية يعتقدون أنهم يستطيعون الخروج بردود الأفعال هذه من جحيم وسلاسل العولمة ولكنها من خلال ردود الأفعال هذه في الحقيقة تتمكن من توفير الشروط والذرائع لكي تسحقهم أكثر وتستعبدهم أكثر وتضعف وتشتت قدراتهم على مقاومتها أكثر فأكثر.
إن الذي أوقف مواطن تحت حجة "مخالفة الآداب العامة" اليوم  يشجع أخر على إيقاف النساء وإحالتهم إلى المحكمة بحجة إن لباسهم يخالف الآداب العامة مستقبلاً وان بعض برامج التلفزيون تؤذي مشاعر البعض الأخر.
هكذا لم يبدأ بعض المتعصبين الهندوس عملهم بهدم مسجد بابري بحجة وجود معبد هندوسي قديم تحته قبل أن يرتكبوا مجزرة راح ضحيتها 2000 من المسلمين في ولاية جوجرات الهندية. وإنما بدؤها بأعمال تعصب صغيرة. وهكذا لم يبدأ طالبان وابن لادن في أفغانستان عملهم بتدمير تماثيل بوذا التاريخية في بلدهم بحجة أنها  مخالفة للشريعة الإسلامية قبل تدمير أبراج مانهاتن في نيويورك.  بل بدؤها بأعمال صغيرة من مثل سجن النساء بحجة أن ظهورهم في المجتمع يؤذي المشاعر العامة.
إن التعصب والانغلاق على الآخر ليس سبيلاً لمواجهة وحش العولمة والهيمنة الأمريكية وإنما الانفتاح والتلاقي مع الملايين الذي نزلت إلى الشوارع في جميع أنحاء العالم تهتف ضد الحرب على العراق في 15 شباط من هذا العام وحده الكفيل بحماية كل القيم الإنسانية النبيلة من الإلغاء والتذويب التي تسعى العولمة الرأسمالية إليها لتبقي قيمة الربح هي القيمة الوحيدة للإنسانية

إلهامي الميرغني كاتب وباحث يساري في حوار حول الوضع المصري ودور وافاق الحركة اليسارية والعمالية
سلامة ابو زعيتر باحث وناشط نقابي ومجتمعي في حوار حول افاق ودور الحركة النقابية والعمالية في فلسطين