العولمة والعولمة البديلة

شريف حتاتة
2008 / 1 / 23

إصدارات التحالف الإشتراكي

د. شريف حتاتة
العولمة والعولمة البديلة

مقدمة
في نهاية السبعينيات من القرن الماضي أصبحت الرأسمالية العالمية تُعاني من مشاكل اعترضت طريق نموها . المشكلة الأولى كانت مرتبطة بالزيادة الكبيرة في إنتاجية المشاريع التي تملكها ، مما أدى إلى عجزها عن تصريف جزء كبير من المنتجات التي كانت تخرج من مصانعها . المشكلة الثانية اتجاه معدلات الربح التي تحصل عليها إلى الإنخفاض . والمشكلة الثالثة كانت تراكم رؤوس أموال تعجز الرأسمالية عن إيجاد مجال لها للاستثمار ، أي بمعنى آخر تضخم رأس المال المالي المعطل عن الإستثمار .

في الوقت نفسه شهدت العقود الأخيرة للقرن العشرين تقدماً تكنولوجياً سريعاً في مجالات تفتح الطريق لزيادة الإنتاجية على نحو لم يسبق له مثيل ، والإستغناء عن أعداد متزايدة من العاملين والعمال ، وبتخفيض جزء مهم من مصاريف الإنتاج . وقد ارتبطت المجالات الأساسية في التقدم التكنولوجي بالإلكترونيات ، أي بوسائل الإتصال، بالبرمجة ، بالتشغيل عن بعد والتشغيل الآلي .

في هذه الفترة عكف عدد من الخبراء والمتخصصين على دراسة هذه التطورات بهدف التمهيد لإنتقال الرأسمالية إلى مرحلة جديدة تستطيع فيها أن تُكيف نفسها مع هذه الأوضاع . وذلك حتى تستمر في النمو ، والتراكم ، وزيادة الأرباح التي ظلت أهدافها الأساسية في مجال الإقتصاد .

تولد عن ذلك بلورة سياسات أخذت تتبعها الرأسمالية "بالنيوليبرالية "، وهى السياسات التي أوجدت الظاهرة التي أُطلق عليها العولمة أو الكوكبة . بمعنى آخر كانت العولمة التي سنتحدث عنها في هذه الدراسة مرحلة جديدة في التطور الرأسمالي جاءت نتيجة لإكتشافات علمية وتكنولوجية ضاعفت من قدراتها على الإنتاج ، لكنها جاءت أيضاً نتيجة تخطيط واع من جانب مفكري وخبراء الرأسمالية . فقد سبقتها كتابات ، ودراسات تنبأوا فيها ببعض الأركان الهامة في عملية العولمة النيوليبرالية، وأشاروا بإمكانية ، وبضرورة تطبيقها .

تُرى ما هى العولمة الرأسمالية التي تتردد على الألسنة دون إنقطاع ؟ ماذا تعني هذه الكلمة ، وماهى التطورات التي ارتبطت بها في مجالات الحياة الإقتصادية ، والإجتماعية ، والثقافية ؟ ما تأثيرها على بلاد الجنوب ، وكيف أثرت في أوضاع الشعوب ، في حركاتها ، وفي المعارك التي تخوضها من أجل الحرية والعدل ؟ هل فتحت مرحلة جديدة تحتاج إلى إعادة النظر في كثير من الأفكار، والأساليب التي كانت متبعة من قبل في الصراع ضد النظام الرأسمالي ؟ هل يجب أن تُؤدي إلى تطورات في مضمون وشكل اليسار تستلزم أن يُغير في تفكيره السياسي ، وأشكاله التنظيمية ، وفي أساليب عمله ؟ أم أن المسألة لا تحتاج سوى إلى القيام ببعض الإجراءات المحدودة لمواجهة العولمة الرأسمالية وتحدياتها ؟

ستُحاول هذه الدراسة أن تتناول بعض الجوانب الأساسية في عملية العولمة والتغيرات التي أدت إليها . إنها مهمة صعبة ليس فقط لأن الموضوع معقد يتعلق بمجالات مختلفة تتغير باستمرار لكن أيضاً لأنه يُثير العديد من التساؤلات التي ليست لها إجابات . وإن وُجدت بعض الإجابات فإنها كثيراً ما تختلف فيما بينها حسب موقع المتقدمين بها وظروفهم . إنها مسائل الإجابة عليها تحتاج إلى جهود كثيرة عالمية ومحلية. فالحقائق لن تخرج إلا من بوتقة المعارك، من تحركات الشعوب في كل مكان ، من اليسار الجديد الذي سيُولد منها .

الجزء الأول : العولمة الرأسمالية . ما هى أركانها ؟

1. العولمة والإقتصاد العالمي :
عاشت الرأسمالية ما يقرب من ثلاثة قرون عن طريق إستنزاف الطبيعة ، والمجتمع . إنها تُدرك أن نموها ، وثراءها ، وأرباحها ، وتراكم رؤوس أموالها مرتبط بمدى نجاحها في هذا الإستنزاف . وعندما واجهت المصاعب التي أشرنا إليها في العقدين الأخيرين من القرن العشرين أحست أنه لابد من توسيع عملية الإستنزاف التي تقوم بها ، ألا تترك ركناً في العالم ، أو نشاطاً ، أو إمكانية ، أو قدرات ، أو ثروات ، أو مشروع ، صغيراً كان أو كبيراً دون أن يصب أكبر قدر ممكن من إنتاجه لصالحها هىّ بحيث يجلب لها ربحاً إضافياً ، وقدرة إضافية على تراكم أموالها . من هنا كان لابد من تحويل العالم بأكمله إلى سوق لها ، إلى سوق عالمي تكون هى المسيطرة عليها ، المستفيدة منها .

تبلور هذا الهدف في وقت قفز التقدم التنكولوجي الإلكتروني الإتصالاتي قفزات إلى الأمام، قفزات تسارعت وتيرتها مع الأيام ، فوضعت بين أيديها الوسائل والإمكانيات اللازمة لتحقيق هدفها . أصبح في إمكانها أن تتحرك بسهولة، وبسرعة على نطاق العالم ، أن تنقل رؤوس أموالها من مكان إلى مكان في لمح البصر ، أن تُجري بها عمليات بيع أو شراء ، استثمار أو سحب في أي لحظة ، أن تستفيد من كل نشاط مهما صغر ، أو بعد عن مراكزها . ( مثال ذلك تصنيع الترانزيستورات في البيوت بواسطة النساء تلك العملية التي تتم في عدد من البلاد الآسيوية . أن تُدير المشاريع من مراكزها ، وأن تُوجهها منها . أن تتصل بالإيميل والإنترنت ، والمحمول ، وأن يُسافر خبراؤها ومندوبوها بسرعة إلى أي مكان في العالم . أن تجمع القطع المصنعة في بلاد مختلفة لتُنتج منها آلة أو سيارة في موطن أو مواطن شركاتها . أن تُجري مناقشات وإستشارات بين عدد من المديرين أو الفنيين يعيشون في قارات مختلفة عن طريق الدوائر المغلقة . أن تنقل سلعها بسهولة إلى الأسواق المحلية المتباعدة . في الوقت نفسه أتاحت لها هذه الإمكانيات التكنولوجية المتطورة أن تُضاعف الإنتاج لسد إحتياجات السوق العالمي ، وأن تُطور منتجاتها بحيث تُصبح أكثر تعقيداً وأكثر تنوعاً مما يُمكنها من أن تُشبع إحتياجات ورغبات مئات الملايين من المستهلكين التي تُساهم هى نفسها في خلقها عن طريق الإعلان والإعلام .
لكن هذه الوسائل التكنولوجية الحديثة تحتاج إلى تعظيم رؤوس الأموال دون توقف ، فهى مكلفة . لذلك يسقط الصغار أو المتوسطين غير القادرين عليها ضحايا للمنافسة . يختفون تماماً أو يُضمون للكبار ، وتتجه المنشآت إلى أن يزداد حجمها باستمرار حتى تصمد في المنافسة ، وترتفع إمكانياتها الإنتاجية . من هنا نشأت عملية الإندماج المستمرة بين الشركات والمنشآت والتي تكاد لا تتوقف . ومن هنا تحول رؤوس الأموال إلى تعدد الجنسيات بدلاً من الجنسية الواحدة التي كانت سائدة أيام الإستعمار القديم لتتحول الشركات إلى شركات متعددة الجنسية . إنها ظاهرة ارتبطت بمرحلة العولمة التي تُشكل فيها هذه الشركات ركيزتها الإقتصادية . إن خمسمائة من هذه الشركات تُسيطر على ثمانين في المائة من تجارة العالم ، وثمانين في المائة من استثماراتها كما أن أربعمائة وخمسة وثلاثين من رجالها ( ونسائها ) يملكون ثروة تفوق ثروة نصف سكان العالم .

في الوقت نفسه لا تقبل السوق الواحدة الحواجز ، فالحواجز تعوق حركة رؤوس الأموال الحرة . تجعل السوق في نظر الرأسمالية المتعددة الجنسية غير حرة . فيجب أن تذهب رؤوس الأموال متى تشاء ، إلى أين تشاء ، دون أن يعوقها شيئُ . من هنا تُرغم الحكومات المحلية في البلاد الأضعف ، خصوصاً في آسيا ، وأمريكا اللاتينية ، وأفريقيا شمالها وجنوبها على رفع القيود المنظمة للاستثمار الأجنبي ، إلى خفض الجمارك على السلع أو إلغائها ، وإلغاء الضرائب المفروضة على مشاريعها ولو لفترة، وإعادة صياغة القوانين كلها بما يتلائم مع مصالحها ، بما فيها القوانين العمالية وقوانين التأمينات ، والصحة .

وفي صلب إلغاء الحواجز يقع إلغاء ملكية الدولة والقطاع العام ، أي تطبيق سياسة الخصخصة التي تسمح لرؤوس الأموال أن تقضي على أية منافسة في السوق المحلية ، وأن تدخل في المجالات التي تُريدها مباشرة أو بواسطة وكلائها ، وعلى رأسها البنوك والتأمينات ، حيث تُوجد أموال المواطنين والمواطنات . تسمح لها بالتغلغل في الأراضي الزراعية أو العقارية ، أن تستثمر في المشروعات الإنتاجية ، وفي الخدمات ، في المواصلات والكهرباء والمياه ، في كل شيء يجلب لها الربح الذي تسعى إلى تحقيقه. أن تصنع طبقة من وكلائها الأغنياء نسبياً ليُروجوا مصالحها محلياً ، أن تفرض إعادة هيكلة للإقتصاد المحلي عن طريق التحكم في سعر صرف العملات الأجنبية ، ورفع الأسعار المحلية إلى المستوى السائد عالمياً ليرتفع الدولار والجنيه الإسترليني واليورو فتنخفض قيمة العملة المحلية ، ثم أن تُقنن كل هذا بواسطة إتفاقات السوق الحرة ، واتفاقات البنك الدولي ، وبنك النقد الدولي .

هكذا تُصبح السوق المحلي جزءاً خاضعاً من السوق العالمية الحرة التي تُسيطر عليها الشركات المتعددة الجنسية في الولايات المتحدة ( مائة وخمسة وثمانين شركة من الخمسامئة الشركة الأكبر في العالم ، والاتحاد الأوروبي ( مائة وستة وعشرين شركة ) ، واليابان ( مائة وثمانية شركة ) لتستنزف ما بقي للبلد من موارد كانت تُسيطر عليها إلى حد ما .
2. المنظمات الإقتصادية العالمية
هكذا تستطيع الشركات المتعددة الجنسية صُنع سوق عالمي حر لنفسها ، وتُوسع نطاق استغلالها على نحو لم يسبق له مثيل . أن تتحكم في رؤوس أموال العالم ، في الإنتاج ، في الخدمات ، في التجارة ، في الإستثمار . لكن هذا يستلزم إجراءات أخرى تُمهد الطريق أمام نشاطها ، وتُدعم قبضتها عالمياً . من هنا تكونت المنظمات العالمية الثلاث ، البنك الدولي للإنشاء والتعمير ، وبنك النقد الدولي ، ومنظمة التجارة العالمية .

البنك الدولي للإنشاء والتعمير يتحكم في هيكلة إقتصاد بلاد الجنوب ، وقوانينها لتتفق مع مصالح الشركات المتعددة الجنسية . إنه يتحكم في الاستثمار الأجنبي والقروض ، فإذا كانت البلد مُطيعة فُتح الباب لتصل إليها حتى تُنقذها من عثرتها الإقتصادية الناتجة أصلاً عن العولمة والسوق الحرة ، فتجعلها قادرة على تفادي الغرق الكامل ، لتظل تسبح ورأسها ظاهرة فوق السطح حتى يُمكن المضي في استنزافها ، واستخدامها لتنفيذ السياسات التي تسعى القوى الكبرى إلى تنفيذها . وبالطبع فالقروض والإستثمار الأجنبي وسيلة للحصول على الفوائد والأرباح الضخمة التي تحصل عليها الشركات المتعددة الجنسية ، ووسيلة للتحكم في إقتصاد وسياسة البلاد التي تحصل عليها .

بنك النقد الدولي يُنظم سعر صرف العملات وهى وسيلة مثلى للتحكم الإقتصادي ، ولجلب المكاسب التي تحصل عليها الرأسمالية الدولية . فهو الذي يسعى لكي يظل سعر الصرف حراً لصالح العملات القوية ، وخلق التوازن المطلوب حتى تفرض هذه العملات سيطرة كاملة على السوق المالي ، أو تغيير هذا التوازن لتحقيق الاستقرار والسيطرة للرأسمالية.

منظمة التجارة العالمية هى أخطر المنظمات الثلاث . إنها تتدخل في جميع نواحي الإقتصاد بحجة أنها تسعى إلى الحفاظ على السوق الحرة ، أي بمعنى آخر الحفاظ على احتكار الرأسمالية المتعددة الجنسية للتجارة العالمية . تتدخل في مسائل مثل سعر السلع والحاصلات الزراعية ، وتوزيع إنتاجها ، وفي قوانين الإستثمار ، وفي الحض على إلغاء الدعم ، في النظم التي تحكم براءات الإختراع ، وفي مسائل آخرى كثيرة . إنها تُقنن أساليب حل المنازعات التجارية بين الدول فتتحيز بوضوح لصالح الأقوى ، وتفرض عقوبات إقتصادية على البلاد التي تتمرد ضد فرماناتها وقرارتها الفرعونية .

3. ظواهر إقتصادية آخرى للعولمة

• السيطرة على الخدمات
نتيجة التطورات الإقتصادية المصاحبة للعولمة حدث توسع في أنواع من الخدمات التي تُوجد في البلاد المتقدمة صناعياً . وتم استحداث خدمات لم تكن قائمة من قبل . بالإضافة أنه أُجريت تغييرات في الخدمات التي كانت قائمة من قبل .

الأهداف التي تسعى إليها الشركات المتعددة الجنسية من هذا النشاط متعددة . أولاً فتح مجالات جديدة للتراكم الرأسمالي والأرباح . فالإنتاج مهما أمكنها التوسع والتنوع فيه لابد أن يقف عند حدود القوى الشرائية المتاحة في السوق والتي تُوجد عوامل تُؤدي إلى انحصارها ومنها الإفقار المتزايد للناس ، والبطالة ، وتهميش قطاعات من السكان بل ومناطق وبلاد بأكملها . ثانياً استحداث أنواع جديدة من السلع مرتبطة بالخدمات تقوم بإنتاجها مثل الأدوات الرياضية ، أو لعب الأطفال، أو وسائل التنقل والتوصيل إلى البيوت ، أو أدوات الترفيه مثل أجهزة التليفزيون والموسيقى ، مما يفتح مجالات للربح في أنواع جديدة من الإنتاج والنشاط . ثالثاً إعطاء الناس الإحساس بأن هناك تقدم في مستوى حياتهم ، ونوع من الرفاهية تُعوضهم عن المشاكل الأخرى التي يُعانون منها ، وتُسهل تفرغهم للعمل . مثال ذلك الأدوات المنزلية المستخدمة في التنظيف والطبخ ، وسائر الأدوات التي تُخفف عبء الأعمال المنزلية . رابعاً تطوير الخدمات واستحداث أنواع جديدة منها مما يُؤدي إلى تسهيل عمليات الإنتاج ، وإلى الإسراع بها وإتقانها ، مثلاً تحسين وتطوير المواصلات والإتصالات والتنقل ، وأنواع الكافتيريات ، ومطاعم الوجبات السريعة ، والإتصالات بالكومبيوتر والمحمول . كذلك التوسع في مختلف أنواع الترفيه والسياحة التي تحتاج إلى أجهزة ووسائل متطورة للترفيه مثل الفيديو وتسجيل الموسيقى ، وأسطوانات الـ" سي دي" والـ" دي في دي "، وصُنع اللانشات والزوارق لاستخدامها في الرحلات والدراجات البخارية ، والطائرات الخاصة . كما تُوجد خدمات تقترب من نطاق الجريمة مثل تجارة المخدرات ، والدعارة ، والبلطجة السياسية والأنشطة المرتبطة بها وهى جميعاً مجالات تُدر أرباحاً طائلة .

في بلاد الجنوب يرتكز هذا التوسع في النشاط أساساً على الإستثمار في الخدمات القائمة، وعلى خصخصتها مثل الصحة ، والتعليم ، والمواصلات ، والبريد ، والمياه، والكهرباء. كما يرتكز في الخدمات المرتبطة بالجريمة .

• تقسيم السوق إلى فئات

تسعى الشركات المتعددة الجنسية إلى خلق مراتب مختلفة من المستهلكين في السوق . يتم هذا عن طريق صُنع سلع لمحدودي الدخل ، وسلع للطبقة المتوسطة الدنيا ، وسلع للطبقى المتوسطة الأعلى ، وللأغنياء استجابة لرغبات وإحتياجات هذه الفئات مما يُوسع من احتمالات تصريفها . مع ذلك من الملاحظ جنوحها إلى الإهتمام بالمراتب العُليا عن طريق إنتاج سلع عالية الجودة ، متقنة الصُنع ، جميلة الشكل تحتاج إلى تكنولوجيا متطورة . هذه السلع تُدر أرباحاً وفيرة . فإلى جانب أسعارها المرتفعة يستجيب المستهلكون بسهولة للتغيرات المستمرة ، ويميلون إلى مجاراة كل جديد . مثال ذلك ما يحدث في الموضة ، والسيارت والسكن ، وفي أنواع الطعام المختلفة ووسائل الترفيه ، بل وفي كل إختراع جديد في مجالات الحياة اليومية . التطوير يحدث في جميع انواع السلع لكن هناك جهود خاصة تبذلها هذه الشركات لخلق سوق للمرفهين والأغنياء ، والإستجابة لرغباتهم .

هذه الإتجاهات تُدعم الفوارق والتقسيمات الطبقية والإجتماعية خصوصاً في ظل سوء توزيع الدخل مما يُؤدي إلى مزيد من الإنقسام والتفتت بين فئات وطبقات الشعب ، إلى تقويض التضامن بين الناس ، إلى مجتمع تتزايد فيه الحواجز التي تفصل بين طبقاته وفئاته المختلفة .

• محاصرة بلاد الجنوب ، والحيلولة دون نموها

يُؤدي نظام الشركات المتعددة الجنسية والسوق العالمي الحر المرتبط بها إلى حصار إقتصاد بلاد الجنوب في مجالات معينة تتميز بالتخلف التكنولوجي والصناعي . إنها مجالات ملحقة بنشاط هذه الشركات ، خادمة لها مثل توفير المواد الخام والمحاصيل الزراعية التي تحتاج إليها ، أو السلع نصف المصنعة التي تدخل في تركيب الآلات ، والأدوات ، والسلع الأعقد منها التي تُركز على إنتاجها الشركات العالمية مستفيدة من وسائل التكنولوجية الحديثة.

الوسائل التكنولوجية المتطورة التي تمتلكها الشركات الكبرى ليس فقط وسيلة لإخضاع الجنوب لمتطلباتها الإنتاجية ، لكنها أيضاً وسيلة أساسية لاستنزافها بشكل مستمر. ويتم هذا عن طريق التجارة الخارجية أولاً لأن بلاد الجنوب لا تسطيع أن تنافس هذه الشركات العملاقة ، بإنتاج سلع مُعقدة وعالية الجودة للسوق العالمي أو للسوق المحلي . وتسعى إتفاقات التجارة الحرة إلى إلغاء الجمارك بوصفها الوسيلة الوحيدة التي يُمكن أن تحمي بها بلاد الجنوب الصناعات المحلية وأسواقها . هذا واضح مثلاً فيما يتعلق بسوق الأدوية التي هى المصدر الرابع في الأهمية للأرباح التي تجنيها الشركات المتعددة الجنسية . فالإحتياج إليها كبير ، ولا ينقطع ، ومستوى الأرباح فيها عالية للغاية ، وهى لا تحتاج في كثير من الأحيان إلى عمليات إنتاجية متطورة أو معقدة . فتلجأ الشركات المتعددة الجنسية في مجال الدواء إما إلى التصدير لبلاد الجنوب أو فتح فروع إنتاجية فيها ، أو إلى اتفاقيات التصنيع مع الشركات المحلية مقابل دفعها إتاوة. ثانياً لأن الشركات المتعددة الجنسية تنتج سلعاً عالياً الثمن ، مدخلات التكنولوجية فيها كبيرة لكنها تستورد سلعاً منخفضة الثمن من بلاد الجنوب ، وهى سلع المدخلات التكنولوجية المستخدمة لإنتاجها بدائياً إلى حد كبير ، هكذا يظل الميزان التجاري في صالح الإقتصاد الصناعي المتقدم .

وهذه الآلية المتعلقة بالتجارة الخارجية هى إحدى السمات المُميزة للإستعمار الجديد تُمكنه من استنزاف الجنوب دون اللجوء إلى الإحتلال المباشر ، أو حتى إلى الإستثمار فيها . التجارة الخارجية في عصر العولمة هى الشكل الأساسي لامتصاص الإمكانيات المتوفرة لأغلب سكان العالم لصالح الشركات المتعددة الجنسية . ثالثاً لأن التقدم التكنولوجي يسمح للشركات المتعددة الجنسية بأن تستنبط أنواعاً من المواد الصناعية التي تحل محل الحاصلات ، والمواد التي تُنتج في بلاد الجنوب مثلاً الألياف الصناعية التي تحل محل القطن أو الكتان أو التيل ، كذلك البلاستيك و اللدائن التي تحل محل الحديد . وهذا يُقلل الطلب العالمي على الحاصلات والمواد الطبيعية التي تنتجها وتصدرها بلاد الجنوب للأسواق العالمية والتي تقوم ببيعها في السوق المحلي.

• سيطرة رأس المال المالي ومعاركه

إن تضخم رأس المال المالي وسيطرته هى أهم الظواهر المرتبطة بالرأسمالية النيوليبرالية، والعولمة . ذلك أن الإنتاجية التكنولوجية العالية ، والمقدرة المتزايدة على الإستغناء عن الأيدي العاملة ، وتقليص مساحة وأنواع التأمينات والخدمات الإجتماعية ، وعولمة السوق الحرة بحيث تصب مكتسباتها في مخازن الشركات المتعددة الجنسية يُؤدي إلى تراكم كميات هائلة من رأس المال بين أيدي كبار الرأسماليين بحيث أصبحت هيمنتهم على إقتصاد العالم مرتبطة أساساً برأس المال المالي الذي يملكونه .

ورأس المال المالي هذا معناه أن الشركات المتعددة الجنسية ، وعلى الأخص تلك التي تمتلك البنوك ، وصناديق التأمينات الإجتماعية ، وصناديق آخرى من مختلف الأنواع تُسيطر على الاستثمار في المجالات الإنتاجية والخدمية المختلفة . فلكي تنشأ المشاريع وتعمل لابد أن تعتمد على توفير كميات كافية من رأس المال . لذلك تلعب القروض دوراً أساسياً في الإقتصاد . القروض هى وسيلة رأس المال المالي لتشغيل فائض المال الذي يميز العولمة ولفرض سيطرته على إقتصاديات العالم ، بل لفرض سيطرته على بلاد بأكملها ، على الأخص في الجنوب . القروض هى الطوق الملفوف حول رقبة الجنوب وهى ظاهرة مرتبطة بالعولمة ، ظاهرة فرضت وجودها ، وسطوتها بالذات في العقود الأخيرة . القروض تُعد بمئات المليارات وتتنوع بين طويلة ، ومتوسطة، وقصيرة الأجل .

إنها تُوظف في بلاد مختلفة ، في أماكن ، أو أوطان ، أو أسواق ، أو مجالات آخرى مختلفة لتُوجه وتسيطر ولتغير الاتجاهات وتُحدد السياسات . وأخطر أنواع القروض هى القصيرة الأجل لأنه يسهل سحبها في أية لحظة ولأن فوائدها عالية للغاية .

رأس المال المالي يلعب دوراً مهماً في تضخيم أسعار الأسهم ، والسندات ، والأوراق المالية على نحو غير طبيعي كما حدث في بالونة شركات الإتصال الإلكترونية التي انفجرت منذ سنوات قليلة ، عن طريق البيع والشراء في البورصة ، والمضاربات ، وتجارة العملات . رأس المال المالي هو السيد المطاع ، المنظم للسوق الحرة التي ليست حرة ، الممول للحروب ، والسلاح ، المضارب في البورصات . هو ذلك العملاق الورقي المسيطر على العالم وعلى حياة الناس . هو المحرك لحروب مالية تشتعل في ثوان أو دقائق على نطاق واسع تُحركها الأصابع على الكومبيوترات . إنه عالم مالي مجنون يلعب فيه أباطرة الأموال ويُقررون الموت أو الحياة لمئات الملايين من الناس .

• إفقار متزايد ، وبطالة ، وتهميش للشعوب

تسعى الرأسمالية النيوليبرالية إلى تعظيم أرباحها دون أن تُبالي بالأساليب التي تحصل بها عليها ، والوسائل التكنولوجية الحديثة تضع بين أيديها الأدوات التي تسمح لها بذلك . إلى جانب استنزاف البشر بالتوسع المستمر في إنتاج أعداد لا حصر لها من السلع الشديدة التنوع ، ودفعهم إلى استهلاكها سمح التطور المذهل في وسائل الإنتاج للشركات المتعددة الجنسية بالإستغناء عن مئات الملايين من العمال لأن الآلات الحديثة المعقدة ، والكومبيوترات ، والتشغيل الآلي تحل محل قوة العمل . هكذا نجد أن الإقتصاد في البلاد الصناعية ، وفي البلاد التي تُسمى نامية يُعاني من البطالة إلى درجة تتفاقم باستمرار . يُوجد في العالم الآن سبعمائة مليون عاطل ، وعندما نستخدم كلمة العاطل نقصد المسجلين من قوة العمل ، اللذين لا يعملون . لكن في كثير من البلاد من يعمل لفترات مؤقتة لا يُعد من العاطلين . إلى جانب هذا يُوجد آلاف الملايين من الناس يلتقطون وسائل معيشتهم بمختلف الطرق المتدنية والمؤقتة. إنهم يُشكلون قطاعات واسعة من سكان المدن ، تعيش في المناطق العشوائية ، أو الفقيرة التي تسود فيها أوضاع إجتماعية سيئة ، وعلى الأخص في مدن بلاد الجنوب .

هذا الإستغناء عن البشر الذي يُميز الإقتصاد الرأسمالي في مرحلة العولمة ليس سببه فقط الإستغناء المتزايد عن قوة العمل . إنه يعود أيضاً إلى تضخيم القدرات الإنتاجية في عصر الثورة التكنولوجية بينما القدرة الشرائية لسكان العالم تظل محدودة . لذلك لم يعد يحتاج العالم إلى مئات الملايين من الرجال والنساء القادرين على العمل . عملية التهميش هى ظاهرة تُوجد على نحو خاص في بلاد الجنوب . وقد أُطلق مثلاً على قارة بأكمها وهى أفريقيا وصف العالم الرابع تعبيراً عم هذه الظاهرة .

في ظل العولمة يُؤدي تطبيق الوسائل التكنولوجية الحديثة في الإنتاج ، بالإضافة إلى سوء توزيع الدخل إلى الإفقار المتزايد الذي نشهده يوماً بعد يوم. يُوجد مليار من الرجال والنساء يُقال أنهم يعيشون بأقل من دولارين في اليوم إن صحت الإحصائيات ، فقد يكون الوضع أسوأ من هذا بكثير . كما أنه بين هذا المليار من الفقراء الذين يُوصفون بأنهم يعيشون تحت خط الفقر يُوجد الملايين الذين يحصلون على دولار واحد أو أقل في اليوم .

لقد أدت العولمة والثورة التكنولوجية المرتبطة بها إلى مزيد من الإفقار ، والتهميش ، والبطالة لمئات الملايين من الناس في أنحاء العالم وعلى الأخص في بلاد الجنوب . ففي هذه البلاد حتى القوى العاملة الرخيصة التي كانت إحدى مغريات الإستثمار فيها ، حتى هذه القوى العاملة لم تعد مُغرية لأن الكتنولوجية الآلية قادرة في كثير من الأحيان على أن تحل محلها ، وأن تُحقق وفراً في مصاريف الإنتاج .

إلى جانب الإفقار الذي يحدث للأسباب التي ذكرناها تُوجد عوامل وتطورات آخرى تلعب دوراً هاماً في تفاقم هذه الظواهر ، منها التضخم ، والإرتفاع في الأسعار الناجمين عن آليات العولمة ، ومنها إلغاء الخدمات الإجتماعية والتأمينيات أو تقليصها والتي كانت تتمتع بها أجزاء من القوى العاملة ، ومنها إنخفاض الأجور مع زيادة ساعات العمل . إنها وسائل تلجأ إليها المؤسسات الرأسمالية لتضخيم أرباحها يُساعدها على اتباع هذه السياسات جميعاً إختفاء المعسكر ( الإشتراكي ) المنافس والمعارض لها بحيث أصبحت تُهيمن وحدها على شعوب العالم ومقدراتهم .

• العسكرة

ترتبط العولمة بالعسكرة ، أي بزيادة ملحوظة في إنتاج السلاح وتجارته ، في إرتفاع ميزانيات التسلح فميزانية الدفاع في الولايات المتحدة مثلاً ستصل سنة 2008 إلى أربعمائة وخمسين مليار دولار . هذا الرقم يُعادل أو يزيد عن ميزانيات الدفاع في العالم أجمع بما فيها فرنسا وألمانيا واليابان والصين ، رغم أن هذه البلاد أصبحت ترفع ميزانيات الدفاع بإضطراد.

السلاح أهم مصدر لأرباح بالنسبة للشركات المتعددة الجنسية ، وصلت تجارته في العالم إلى 3.4 مليار سنة 2006 . السلاح يُستخدم في حماية نظام العولمة ، وسوقها الحرة . تُوجد للولايات المتحدة مائة وعشرين قاعدة عسكرية موزعة في أنحاء العالم ، كما أنها شنت عدة حروب مباشرة مثل حربين ضد العراق ، أو بالوساطة عن طريق أنظمة آخرى ، او تحالفات ، أو حركات موالية لها . حلف الأطلنطي يلعب دوراً مهماً في تنفيذ سياسات العولمة ، وفي عدد من البلاد يلعب العسكر دوراً أساساً في الحكم وفي السياسة كما هو حادث في الولايات المتحدة وإسرائيل ، وروسيا . هناك إحتلال عسكري أمريكي في اليابان ، وفي كوريا الجنوبية ، وفي ألمانيا ، وفي الفلبين ، كما أن عدد الحروب زادت في الفترة التي انقضت منذ إنتهاء الحرب العالمية الثانية عنها في الفترة التي امتدت بين الحربين الأولى والثانية .

الجزء الثاني : فكر وثقافة العولمة .. ما بعد الحداثة

عندما انتقل الإقتصاد العالمي إلى مرحلة العولمة أدرك المفكرون والمثقفون ، وعلماء الإجتماع ، وعلماء النفس ، وعلماء التاريخ ، والفلاسفة الذين ارتبطوا بإتجاهات الرأسمالية النيوليبرالية أن العولمة لابد أن تقترن تطوراتها الإقتصادية بتطور جذري في مجالات الثقافة والفكر إذا أُريد لها أن تسود . لابد أن تتوفر لها مساندة واسعة من عقول ، وتصرفات ، واتجاهات وأفكار ، وقيم وثقافة مئات الملايين من الناس الذين سيُكونون سوق المستهلكين ، والمطلوب منهم أن يبتاعوا أكبر كميّة ممكنة من السلع المنتجة . وهم الملايين الذين ستتأثر حياتهم في كل أنحاء العالم نتيجة تطبيق سياسات الرأسمالية النيوليبرالية وهم أيضاً الذين عليهم أن يُغيروا في عاداتهم وتصرفاتهم وفق متطلبات السوق ، أن يعجزوا عن مقاومتها ، عن تعطيل أو إحباط التغيرات التي ستقترن بها ، فهم الذين سيدفعون ثمنها إلى حد كبير من التقدم الذي أحرزوه في حياتهم ، وفي مستوى معيشتهم مادياً ومعنوياً .

بالطبع لا يسعنا في مثل هذه الورقة أن نتعرض لموضوع الثقافة والفكر بطريقة تُرضي طموحاتنا . لكني سأحاول أن اتناول بعض العناصر والإتجاهات الرئيسية التي يُمكن أن تُضفي مزيداً من الوضوح على ما يتعلق بهذا الجانب لاسيما أن الإهتمام بالثقافة والفكر في صفوف اليسار العالمي والمحلي ظل دون المستوى الذي يُساعد على تحقيق الأهداف القريبة والبعيدة المدى التي يسعى إليها . إن عقول الناس رجالاً ونساءاً وأفكارهم هى وحدها القادرة على صناعة الحاضر الذي يُريدونه والغد الذي يسعون إليه .

1. ما بعد الحداثة

يُعرف العصر الذي نعيش في ظله ليس فقط بأنه عصر العولمة وإنما أيضاً بعصر ما بعد الصناعة ، أو بعصر ما بعد الحداثة بإعتبار أن الحداثة ارتبطت بالرأسمالية الصناعية أساساً ، بعصر الرأسمالية الليبرالية ، والإستعمار القديم ، بينما ما بعد الحداثة هى التطور الفكري والحضاري الذي جاء فيما بعد وارتبط بالرأسمالية النيوليبرالية واتجاهاتها .

فكر ما بعد الحداثة يتضمن فلسفياً سمات وأركان تنسجم مع إحتياجات العولمة النيوليبرالية. ربما أبرز هذه الأركان هو إعتراض هذه الفلسفة على ما تسميه بالشمولية ، أي على وجود نظام شامل ، أو فكر شامل ، أو نظرية شاملة ، أو أيديولوجية يُمكن ان تصلح لحل مشاكل البشر وتحقيق التقدم الذي يسعون إليه . بل إنها تذهب أبعد من ذلك فهى تُنكر إمكانية وجود مثل هذه الظواهر الشاملة ، وترى أن الزمن تجاوزها تاريخياً وقضى عليها . فكر ما بعد الحداثة وفلاسفتها لا يرون أن مظاهر الحياة والواقع أو الفكر تُشكل جزءاً من كل ، فكل جزء منها مستقل ، منقسم على غيره ، له حقيقته الخاصة به التي ينبغي دراسته للإهتداء إلى جوهره والتعمق فيه . إنهم يرون أن الفكر الذي يُؤمن بأن الجزء يرتبط بالكل ، بنظام ، أو تنظيم، أو أيديولولجية ، أو نظرية تجمعه مع أجزاء آخري في تحليل أعم . يرون أن مثل هذا الفكر مناقض للواقع ، مناقض للديموقراطية والفرد الحر .

إن فكر ما بعد الحداثة له ميزاته ، فهو يُنبه إلى ضرورة الإهتمام بالظواهر الجزئية والتعمق فيها ، بأهمية الفرد وما هو مفرد في الكون وفي الحياة . من عيوب الفكر الشمولي أنه يُذيب الجزء في الكل ، يتجاهلها ، يُهمله فيتحول إلى أسلوب لا ديموقراطي ، بل يحول دون الوصول إلى الحقيقة ، فالحقيقة لا يُمكن الإهتداء إليها إلا بفحص ، وتحليل ، ومعرفة الجزء . هذا مع مراعاة العلاقات التي تربط بين الأجزاء والتي يتشكل منها الكل المبني من هذه الأجزاء. إن فكر ما بعد الحداثة يقود إلى بذل جهد في دراسة الواقع بتفاصيله ، ويحض على فهم الإنسان كفرد ، وإحترامه ككيان مستقل ، كعقل ونفس وجسم متميز عن غيره ، له أحلامه ودوافعه وطريقته في النظر إلى الأشياء والتعامل معها . فكر مابعد الحداثة يُنبهنا إلى الأحجار التي يُقام منه البناء الكلي .

إن الأسلوب الذي ساد في بعض النظريات ، والأيديولوجيات في نظمها وتنظيماتها ، في أنواع الفكر المرتبطة بها وإتجاهاتها قد أهملت هذه الجوانب بالتركيز على الكل ، أو الجماعة ، أو النظام الذي نعيش في ظله ، ومن بينها ما ارتبط بالماركسية وتطبيقاته .

المشكلة في فكر النيوليبرالية وفلسفة ما بعد الحداثة أن أغلب ما تُطبقه وتُدافع عنه يتعارض مع إدعاءتها . إنها أيديولوجية تُستخدم لتُغطي بها النيوليبرالية على أهدافها الحقيقية . فهى تتحدث عن الديموقراطية ، وحقوق الفرد والإهتمام بحياته الخاصة وتهدر كل هذا من أجل أرباحها ، ومن أجل أن يسود نظام شركاتها ، تُخضعه لمتطلبات السوق الحرة الذي ليس حراً إلا فيما يتعلق بأموالها . إنها تُعارض النظريات الشمولية في الظاهر بينما تفرض نظرياتها الإقتصادية والسياسية والإجتماعية على العالم كله بقوة المال ، والإعلام ، والعسكر ، وبنشر إتجاهها في الثقافة والفكر . إنها تفرض شمولية خاصة بها ، وترفض أي بديل لسوقها الحرة ، مُدعيّة أنه كفيل بحل جميع المشاكل ، وأنه إن لم يفعل حتى الآن فالسبب هو القصور في تطبيقه على نحو شامل . إنها تقف ضد العمل الجماعي ، والتنظيم فيما يتعلق بالشعب ، وتُقاوم وحدة العمل بين جماهيره ، بينما تُطبق هى أقصى درجات المركزة والتمركز في إقتصادها وشركاتها، وفي نظم الحكم التي تلجأ إليها .

هكذا يتضح أن الأفكار التي يتم تطبيقها تتكون من جزئين متعارضين تماماً ، جزء تُطبقه على نفسها بينما هو متعارض في جوهره مع الأفكار التي تدعيها ، والفلسفة التي تدافع عنها ، وجزء تُريد تطبيقه على الشعب يتعارض مع مصالحه ولا يُعبر عن حقيقة الأفكار التي تُشيعها . إنها مثل كل الأيديولوجيات التي تُخفي حقيقة أهدافها . تستهدف سيادة التجزئة والتشرذم في المجتمع وفي صفوف الشعب والمغالاة في الفردية لتحول دون العمل الجماعي ، والتضامن ، والقدرة على رؤية العلاقات بين الظواهر الجزئية التي تُشكل الكل . هكذا تسعى إلى نشر فكر يشل قدرة الناس على مواجهة النظام الرأسمالي النيوليبرالي ، والعولمة وتغييره ليُصبحوا ضحايا عاجزين عن الفعل الذي يُنقذهم من استغلال بشع وتدهور في ظروف الحياة .

2. ليس للفروق بين الأشياء أهمية . فكرة تسمى "ديفيرانس "

هناك نواحي أخرى من هذا الفكر تسعى الرأسمالية النيوليبرالية إلى إشاعتها هو ذلك المتعلق بموضوع الفروق أو الإختلافات بين الأشياء والناس ، أي ما يسمى في فلسفة ما بعد الحداثة "ديفيرانس " ، فهذا الفكر يدّعى ان الفروق أو الإختلافات في المجتمع ظواهر قائمة بذاتها ، متساوية في أهميتها ، في حقها لكي تُوجد ، جزء من طبيعة الواقع المتعدد المظاهر . لذلك لا مجال لإصدار أحكام عليها أو تقييمها ، ولا يجوز أن يتخذ الإنسان أي موقف مع طرف من أطرافها أو ضده ، بل ينبغي الإحتفاظ بالحياد المطلق إزاءه ، وإلا كان هذا تحيزاً لا يجوز.

من الواضح أن مثل هذا التفكير الذي يتعارض مع تقييم الأشياء ، أو الحكم عليها بأنها مفيدة أو مُضرة ، إيجابية أو سلبية ، سليمة أو غير سليمة ، ذات قيمة مرتفعة أو متدنية ، تفكير يحول دون اتخاذ موقف ، ويُؤدي بالتبعيّة إلى عدم القيام بأي فعل في اتجاه أو آخر . إنه يعني الشلل في مواجهة النظام والأفكار المرتبطة بالعولمة النيوليبرالية واتجهاتها . فوفقاً له يحق لجميع الأفكار والتيارات والإتجاهات أن تُوجد دون أن يُعارض أحد أياً منها ، او يُقيمها وإلا اعتبر هذا إعتداء على حرية الرأي وعلى الموضوعية .

عندما كنت إأدرس في جامعة "ديوك " وهى جامعة خاصة يلتحق بها أبناء وبنات الطبقة الوسطى فوجئت بأن هذا التفكير كان هو السائد بين الطلبة والطالبات ، وأنني كلما أبديت رأياً ضد السياسة الأمريكية ، أو ضد عيوب في المجتمع الأمريكي كنت أُقابل بصد يُطل من العيون، أو هزة من الأكتاف أو بأحدهم يقول : "هذا رأيك أما رأينا فمختلف ، لكن لا مجال للحكم على أي رأي منه بأنه سليم أو خاطيء . إنها مجرد إختلافات لا تعني شيئاً يستوجب اتخاذ موقف ، أو الحكم عليها . هذا ماعدا أقلية في الفصل تكونت ببطء مع مرور الأيام وأصبحت ترى المسائل على نحو مختلف .

3. الجنس
من النواحي التي تُميز فكر ما بعد الحداثة أيضاً هو المكانة الخاصة المعطاة للجنس ، وعمق الإهتمام به ، وأنا لست من المعارضين للإهتمام بهذه الناحية فهى ركن أساسي في حياتنا تُؤثر فيها تأثيراً عميقاً يمتد إلى مجالات مختلفة ، وتُسبب مشاكل كثيرة تحول دون أن تستقر أحوال المواطنين والمواطنات ، وتُعطل إزدهار ملكات الأفراد في مجتمعنا . فالحياة الجنسية الصحية والسليمة لها علاقة وثيقة بالإنتاج والإبداع ، بنمو الممواهب والتعبير عنها في مختلف نواحي العمل .

أنا لا أقصد بالجنس علاقة الرجل بالمرأة في الفراش وحده ، وإن كان هذا جانب من جوانب الحياة لولا وجوده لما خُلق البشر ، لكن ما أقصده هو طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة في مختلف نواحي الحياة الإجتماعية ، والسياسية ، والثقافية ، والنفسية ، والجسدية . لكن ما يميز فكر ما بعد الحداثة هو أنه يُظهر إهتماماً خاصاً بل طاغ بالنواحي النفسية والجسدية للجنس دون أن يمتد هذا الإهتمام إلى النواحي الآخرى الخاصة بالعلاقة بين الجنسين . يهتم بالمتع الجنسية على نحو خاص . والمتعة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالميل إلى الإستهلاك ، وتشجيع الإستهلاك يتضمن إعلاءً لفكرة المتعة الجسدية ، وعلى الأخص الجنسية منها . وتتضح هذه الحقيقة بالذات فيما يتعلق بالإعلان والإعلام ، وبوسائل الترفيه ، وبالفنون مثل السينما . ولا شك أن الجنس ، حتى بمعناه الجسدي المحدود مسألة مهمة لأن إباحة الحرية الجنسية بما لا يتعراض مع الأخلاق ولعلاقت السليمة بين الرجال والنساء عنصر هام في تحرير الإنسان من الجمود والتخلف السائدين في الثقافة المحافظة الموروثة من الماضي ، فما يُسمى بالثورة الجنسية التي حدثت في بعض البلدان ، بما فيها ما يتعلق بحقوق المرأة في أن تكون مالكة لجسدها لهما دور مهم في تقدم المجتمع . لكن الجنس في فكر ما بعد الحداثة رغم النواحي الجسدية والنفسية الإيجابية المرتبطة به يظل يلعب دوراً أساسياً في تأسيس الطابع الإستهلاكي لمجتمع العولمة ، بتشجيع المتعة ، وإطلاقها ، وإهمال ما يتعلق بتحقيق علاقات سوية ، ومتساوية بين المرأة والرجل في مختلف مجالات الحياة ، وبتنمية النظرة للجنس التي من شأنها تحقيق مزيد من الديموقراطية والإزدهار للفرد والجماعة .

4. الإنسان أداة إستهلاكية

لا يمكن أن تتدعم السوق الحرة وتتسع إلا بتغيير تفكير الناس في اتجاه يُشجع الإستهلاك المتزايد ، ويبث قيمها . فبدلاً من فكر وقيم التقشف هى تحتاج إلى أن يُؤمن الناس بأن الماديات، بأن السيارات ، والملابس الأنيقة ، والعطور ، والأثاث المنزلي المرتفع الثمن ، وأنواع الطعام النادرة التي تُقدم في الفنادق التي يذهب إليها الأثرياء هى التي تجلب السعادة في الحياة . أن من يمتلك أكبر قدر منها إنسان ناجح . أن الأجهزة الحديثة للغسل والطبخ والكتابة والإتصال، والمراسلة والتصرير ، والمشاهدة ، والموسيقى ، تُسهل الحياة ، وتفتح أبواب النجاح والمستقبل. ما بعد الحداثة ليست فقط فكر حضارة مادية لكنها أيضاً حضارة رقمية وتراكمية ، فرأس المال وُلد لكي ينمو ، والنقود كذلك . كل شيء يحكمه نهم الملكية والإستحواذ ، والبشر يجب أن يتحولوا إلى أدوات للإستهلاك في السوق الحرة . لكل مستوى نطاق يتحرك فيه ، وسلع يقتنيها. وفي كل هذا تلعب المرأة دوراً متميزاً فهى التي تبتاع السلع في أغلب الحالات ، وهى التي تُشجع على شرائها على الأخص في الطبقات الوسطى حيث أنها لا تعمل في كثير من الأحيان. ساقاها تُعريان في إعلانات السيارة آخر موديل ، وهى تفتح بابها وتنظر إلى الجالس أمام شاشة التليفزيون وهو يمضغ في شيء يُخرجه من كيس قرموزي اللون . ولتسهيل الإستهلاك يُوجد جهاز اسمه التليفزيون يغزو كل منا في بيته ، ليبث الأفكار والقيم التي تحتاج إليها العولمة الرأسمالية ، وليُعلن عن بضائعها دون إنقطاع في البرامج ، والمسلسلات ، والإعلانات والحوارات . تهبط على عقولنا صباح مساء . الأفيون الجديد هو التليفزيون وهو يُشكل أفكارنا وأحاسيسنا ، يحولنا إلى قطيع يرتدي الملابس نفسها ، ويُصفف شعره بالجل نفسه ، ويتحدث باللغة الإستهلاكية نفسها ، ويُتابع مباريات الكرة نفسها حيث يُعلن اللاعبون عن السلع الشركات المتعددة الجنسية على فالناتهم الملونة . التليفزيون يُلغي فرديتنا ، وخصوصية كل منا ، ويغرس مكانها فردية آخرى تقول " كل منا لنفسه ، وإلى الجحيم الجماعة ، فالجماعة لا تنفع . على كل واحد منا أن يشق طريقه بالإعتماد على قدراته ، وذكائه ، ومؤامراته ، وشطارته فقط دون غيرها . التليفزيون إلى جانب هذا يعزل كل منا عن الآخر ، يعزل أفراد العائلة عن بعضهم ، لأنهم يقضون أمامه الساعات دون أن يتبادلوا حتى كلمة واحدة ماعدا ما يتطلبه الأكل أو الشرب أثناء المشاهدة

5. أيديولوجية شمولية

العولمة النيوليبرالية إذن ضد الشمولية في القول ، أما في الفكر الذي تبثه والفعل الذي تُمارسه فهما يفرضان نظاماً شمولياً لم ير التاريخ مثله في مدى وصل إليه ، شمولية تتجلى في السوق الحرة ، ونظامها الإقتصادي ، والأفكار والقيم التي تدعو إليها . تتحدث عن الفرد وتُلغيه. تتحدث عن الديمواقراطية وحقوق الإنسان وتدوس عليهما . تتحدث عن الخصوصية وتعدد الثقافات وضرورة إحترامها ، وتقضي عليها لتصنع النمط الواحد للمستهلك حتى وإن قامت بتكييف ما تقوله عن طريق المخاطبة بلغات مختلفة ، أو ديكور مختلف ، أو بيئة مختلفة فالمضمون القيمي والفكري لا يتغير . إنها تُروج لكل هذه المنظومة الشمولية مدّعية بأنه لا يُوجد حل غيرها ، أن السوق الحرة هى ملاذ الإنسانية ، وأن الرأسمالية النيوليبرالية لا بديل لها. إن هذه الرأسمالية والنظام الذي أقامته هما نهاية التاريخ كما كتب "فوكوياما "، فلا تحاولوا أيها البشر أن تبحثوا عن غيرهما ، عن مستقبل أفضل ، أو عالم آخر ممكن . ونظراً لأن الناس لا تكف عن البحث فلابد من أن نشغلهم بمعارك آخرى ، أن يتقاتلوا فيما بينهم حتى لا يُوجهوا صراعهم أو جهودهم في البحث عن عولمة آخرى أو في التخلص من سطوة الرأسمالية النيوليبرالية وأعوانها . لذلك وجد ما يسمى بصراع الحضارات . تمخضت عبقرية "سامويل هانتجتون " عن نظرية تقول أن العالم سينشغل منذ الآن فصاعداً بصراعات وحروب بين الأديان والقوميات حتى ينصرف الناس عن المعارك التي تستهدف تحسين حياتهم ، وتحقيق الحرية والعدالة في بلادهم وفي العالم ، وحتى يُنبه الرأسمالية ، إن كانت تحتاج إلى تنبيه ، إلى ضرورة المساهمة بجهدها في إذكاء هذه الصراعات العنصرية والدينية ليقتتل الناس فيما بينهم، وإلى أهمية التركيز عليها كركن من أركان استرتيجيتها الكوكبية .

العولمة كما قلنا فيما سبق تتميز بالتمركز والمركزية الصارمة من أعلى ، وبالإنقسام والتفتيت ، والتشظي من أسفل حتى تتمكن من السيطرة على الشعوب والحيلولة دون أن يتجمعوا لدحر سياستها والسير قدماً نحو إقامة عالم أفضل . وستتضح هذه الحقيقة أكثر وأكثر عندما نتعرض للجزء الخاص بأثر العولمة والسياسات النيوليبرالية على الحركات والتنظيمات الشعبية ، وعلى المعارك التي تخوضها من أجل العدالة الإجتماعية والسلام والحرية .

6. إحتكار المعرفة

إذا كانت الهوة التي تفصل بين الأغنياء والفقراء في العالم من اخطر المظاهر المرتبطة بالعولمة فهناك ظاهرة آخرى تتعلق بالفكر والعقل ربما تكون أخطر منها هى إحتكار المعرفة ، أي الهوة فى المعرفة التي تفصل بين المسيطرين على إقتصاد العالم وبين الشعوب ، وعلى الأخص بين العالم الصناعي المتقدم وبين بلدان الجنوب .

الفقراء في عالم اليوم ليسوا عديمي المعرفة ، بل إنهم يملكون ثقافة وفكراً ومعرفة مرتبطة بواقعهم وتجاربهم ، لكنهم لا يملكون المعرفة العلمية والتكنولوجية التي تسمح لهم بالصمود في مواجهة غزو العولمة ، ومؤسساتها ، وتوجيهها لصالح الرأسمالية النيوليبرالية وشركاتها . وإحتكار المعرفة يتخذ عدة أشكال ترتبط بقدرات البلاد الصناعية والتي تسمح لها بفرض هذا الإحتكار . إنها قادرة على إجتذاب العقول المُميزة وأصحاب الخبرات الخاصة من بلاد الجنوب والمغريات المادية المرتفعة ، وفرص العمل العلمي التي تتُيحها لهم . يترتب على هذا ما يسمى "استنزاف العقول " ، لكنها إلى جانب هذا تقوم بإحتكار جميع الإكتشافات العلمية وأسرار الأشياء التي تقوم بتصنيعها وفقاً لنظام يُسمى "ببراءات الإختراع " . ونظام براءاتالإختراع يحول دون إستفادة أحد منها طالما أنه لم يحصل على عقد مكتوب يأذن له بذلك. كما أن هناك إتفاقية تسعى منظمة التجارة العالمية إلى تطبيقها على جميع البلدان ، وفي جميع المجالات ، إتفاقية اسمها " التريبس ". هذه الإتفاقية الدولية تتعلق بما يُسمى الملكية الفكرية وهى تمنع أي بلد من البلدان من تصنيع أي منتج مهماً كان بسيطاً طالما أن هناك شركة من الشركات المتمركزة في العالم الصناعي لها السبق في تصنيعه . بل أكثر من هذا تقوم الشركات المتعددة الجنسية الآن بعمل مسح شامل لكل الكائنات النباتية والحيوانات الموجودة في الجنوب وتسجيلها في براءات الإختراع ، حتى تُصبح وفقاً لنظام الملكية الفكرية ملكها ، ولا يمكن لأحد غيرها استغلالها بأي وسيلة من الوسائل .

وقد احتدم الصراع بين الولايات المتحدة بالذات وبين بلاد الجنوب فيما يتعلق بالملكية الفكرية للأدوية والتي يترتب على توفرها أو عدم توفرها الحياة أو الموت لملايين من البشر . فقد أصرت الولايات المتحدة اعتبار أي دواء ، مهما كان بسيطاً ملكاً للشركة التي سبقت غيرها في إنتاجه وتسجيله ، مما يسمح بالشركات الكبرى أن تحتكر سوق الدواء ، وأن تبيع ما ترى بيعه من براءات الإختراع لشركات الأدوية في الجنوب مقابل إتاوة ، أو الإحتفاظ به لنفسها بحيث تتمكن هى وحدها من المتاجرة به وبحيث تضمن الأسعار التي تُحقق لها أرباحاً مرتفعة للغاية . ومن المعروف أن متوسط الربح في شركات الأدوية الكبرى مثل "فايزر " أو "باير " أو غيرهما تصل إلى مستويات لا تُضارعها سوى أرباح الشركات المنتجة للسلاح والتي تستطيع أن تُحقق أرباحاً أعلى منها .

الجزء الثالث: نضال الشعوب في مواجهة العولمة الرأسمالية

1. خريطة سياسة إجتماعية جديدة

سنة 1989سقط سور "برلين "، وبهذا السقوط انقضى عصر كان فيه العالم منقمساً إلى معسكرين أو قطبين متنازعين ، المعسكر الذي وُلد في أكتوبر سنة 1917 مع الثورة السوفيتية وأُطلق عليه وصف الإشتراكي ، والمعسكر الآخر الرأسمالي الذي ظهر قبل ذلك بما يقرب من ثلثمائة عام ، و الذي تكون في أحشاء النظام الإقطاعي بالتدريج خلال تطورات ، ومعارك ، وحروب متواصلة .

عندما سقط سور برلين سقطت معه ظواهر ومعالم وبارزة في نضال الشعوب ضد الرأسمالية ارتبطت بوجود حركات إجتماعية سياسية تعتمد إلى حد كبير على بلورة أهداف موحدة وتنظيمات موحدة ، وأحياناً أيديولوجيات موحدة . تجلت هذه الحركات بشكل أساسي في وجود إتجاهين كبيرين . الإتجاه الأول انبنى على الأحزاب الإشتراكية الديموقراطية الإصلاحية، والتنظيمات الشعبية المتأثرة بها . أما الإتجاه الثاني فقد إعتمد على الأحزاب الشيوعية المؤمنة بالماركسية ، وبتياراتها المختلفة ، وعلى التنظيمات الشعبية التي كانت تميل إلى الإرتباط بها على نحو أو آخر .

إن وجود أحزاب وتنظيمات ترتبط بأهداف نضالية موحدة ، وبأشكال تنظيمية موحدة كان سمة من سمات اليسار تجلت في الأحزاب الشيوعية ، وفي المنظمات الجماهيرية المتأثرة بها على نحو خاص . لكن هذه الظاهرة امتدت أيضاً إلى الأحزاب الإشتراكية الديموقراطية ، والمنظمات التابعة لها دون أن تُطبق الميل إلى الوحدة الفكرية والتنظيمية بالقدر نفسه، ولا إلى المركزية الصارمة التي كانت تُميز اليسار الماركسي اللينيني بمختلف تنويعاته . امتدت هذه الظاهرة لكن إلى درجات أقل بكثير لتشمل سائر الأحزاب ، والتنظيمات الإجتماعية الأخرى والتي كان ينضم إليها ممثلون من فئات وطبقات الشعب وفقاً لرؤيتهم إلى مصالحها ، وإلى القضايا التي تُؤثر في حياتها .

لكن عندما سقط المعسكر الإشتراكي وأُصيبت الأحزاب الشيوعية والمنظمات التابعة لها بذلك الإنهيار ، والإضمحلال ، والتراجع الذي أصابها سقط العمود الفقري لهذا الأسلوب في النضال والذي يعتمد إلى حد كبير على وحدة الهدف ووحدة الأشكال التنظيمية ليترك فراغاً ، وضياعاً هائلاً بين الملايين من الناس الذين كانوا ينشطون بشكل أو آخر لتغيير أو إسقاط النظام الرأسمالي .

أما الجماهير التي كانت مرتبطة بالأحزاب الإشتراكية الديموقراطية وسياستها وتنظيماتها فقد أًُصيبت مع الوقت بخيبة أمل شديدة وبإحباط متزايد إزاء تهادن هذه الأحزاب ، والتنظيمات مع مصالح الرأسمالية ، وخضوعها لها أو حتى دفاعها عن سياستها ، فإنفضت من حولها . هكذا أصابها هى أيضاً إحساس بالضياع فركنت إلى السلبية وإنسحبت لتهتم فقط بمشاكل حياتها الخاصة ، أو بحثت عن أنشطة آخرى إجتماعية تُفرغ فيها طاقاتها ، فتركت هى الآخرى فراغاً سياسياً في المجالات التي كانت تملأوها بنشاطها .

نتيجة هذه التطورات انقسم الناس الذين ينشطون سياسياً إلى جماعات تبحث عن شيء يستوعب رغبتهم في ألا يظلوا أفراداً لا رابط لهم بغيرهم ، أن ينضموا إلى نشاط يتعلق بجانب أو آخر من إهتماماتهم الإقتصادية ، أو الإجتماعية ، أو الثقافية ، أو الدينية ، أو العرقية ، أو الترفيهية . أصبحت التنظيمات التي تجمعهم غير تلك التي كانت تجمعهم من قبل ماعدا بعض الإستثناءات . فظهرت مئات وآلاف من التجمعات أو التشكيلات الصغيرة التي تهتم بجانب أو أخر من الحياة ، بنشاط جزئي محدد في مجال حقوق الإنسان ، أو البيئة ، أو الحركة النسائية ، أو الشباب ، أو التعليم ، أو فن من الفنون ، أو الرياضة . لم تعد الأشكال الشاملة السابقة التي كانت تميز ساحات النضال الشعبي ، وتُعارض النظم الرأسمالية بشكل أو آخر بهدف تغيير المجتمع .

تعمقت وتوسعت هذه الظاهرة نتيجة عوامل آخرى عديدة منها الصعوبات المتزايدة التي يجدها الناس في الحصول على دخل يسد إحتياجات الحياة ، وعملية الإفقار المتزايد الذي يتعرضون له ، ومنها البطالة وتقلص فرص العمل ، ومنها التهميش الواسع النطاق ، ومنها الفروق المتزايدة بين الفئات والطبقات ، وسياسة تشجيع النعرات القومية والتعصب الديني ، وأخيراً وليس آخراً سياسات القمع والإرهاب التي تتبعها دولة الرأسمالية الليبرالية ضد التنظيمات والأحزاب الشعبية التي مازالت تناضل من أجل حقوق الممواطنين والمواطنات البسطاء ، وتفتيتها ومطاردتها بمختلف الوسائل ، وشراء القادة أو استقطابهم عن طريق التهديد أو الإضطهاد المتعدد الجوانب ، أو إعطائهم مكاسب مادية وإجتماعية ، وتعيينهم في المناصب المرموقة .

نجحت العولمة الرأسمالية عن طريق هذه الوسائل في حصار وإضعاف المنظمات الشعبية التي مازالت تناضل ضد مظالمها وجبروتها ونهمها المتزايد ، وعلى الأخص في إضعاف الأحزاب والنقابات العمالية التي كانت تُمثل السند والمحرك الرئيسي للصراع ضد الرأسمالية . يُضاف إلى ذلك التغييرات العميقة التي حدثت في طبيعة الطبقات ، وتكويناتها ، وعلى رأسها التغييرات التي شملت الطبقة العاملة والفلاحين .

هذه التجمعات والتنظيمات العديدة تتفاوت في أحجامها من خمسة أفراد في منظمة مثل
"مووف أون " الأمريكية التي لعبت دوراً بارزاً عن طريق الإنترنت في تنسيق المظاهرات والتحركات المناهضة للحرب التي تشنها الولايات المتحدة ضد العراق ، إلى أربعين ألف ضو في منظمة "أتاك " الفرنسية التي بدأت نشاطها بإقتراح فرض ضريبة على حركة رؤوس الأموال في السوق العالمي ، إلى مئات الآلاف في منظمة "كامبيسينا " في البرازيل التي تُنظم الفلاحين الذين لا يملكون أرضاً ، وتخوض معارك ضد الإقطاع تمتد حتى إحتلال الأرض الباقية دون زراعة. إنها منظمات تُركز على هدف واحد ، أو على عدد محدود من الأهداف ومع ذلك فقد اتضح لها أن العقبة الرئيسية التي تقف في سبيل تحقيق هذه الأهداف المحدودة هى نظام العولمة وسياسات الرأسمالية النيوليبرالية. وهى السياسات التي تُدعمها الشركات المتعددة الجنسية وأجهزة الدولة والحكومات ، والهيئات الدولية التي تخدم مصالحها ، فهى سياسات تحول دون حدوث تطور إيجابي حتى في المجال الذي يهم هذه المنظمات سواء كانت المسألة تتعلق بجانب من جوانب التعليم ، أو الصحة ، أو البيئة ، أو حقوق الإنسان ، أو وضع المرأة ، أو الموسيقى والفنون الآخرى ، أو أي مجال من المجالات التي لها علاقة بحياة الناس . إلى جانب هذا يُؤدي التدهور المستمر الناتج عن تركيز الثروة والإمكانيات لصالح طبقة عليا محدودة في المجتمع والإفقار المتزايد للأغلبية الساحقة من السكان إلى إنحدار مستمر ، ومشاكل متفاقمة في كافة المجالات ونواحي النشاط الإنساني فيما عدا بعض الإستثناءات القليلة . هذا فضلاً عما يُعاني منه المواطنين والمواطنات كأفراد في حياتهم اليومية من حرمان ، وقمع ، وإعتداء على الحريات ، وتدهور في البيئة والثقافة والخدمات ، وانتشار العنف والجريمة ، وإندلاع الحروب المستمرة .

لذلك أدركت هذه المجموعات والمنظمات المتفرقة ذات الأهداف المحدودة ان هناك شيئاً يجمعهم هو الضرر الذي ينالهم من العولمة النيوليبرالية وسياساتها ، هو وجود خصم مشترك لأهدافهم ومصالحهم فبحثوا عن وسائل للتجمع ، ولتوحيد جهودهم ضد الرأسمالية النيوليبرالية . أصبحت مواجهة العولمة ، وسياسات الطبقة التي تقودها هى التي تدفعهم إلى خلق قوى منااهضة محلياً وعالمياً قادرة على تغيير الأوضاع ، على إصلاحها ، أو إسقاطها . هكذا بحث الإصلاحيون والثوريون عن وسائل لتوحيد نضالهم ، وهكذا نشأت الحركة المناهضة للعولمة التي أصبحنا نُشاهد تحركاتها في مختلف المجالات مثل معارضة حرب العراق ، أو العسكرة ، او الأسواق الحرة ، أو قروض العالم الثالث ، أو إجتماعات "دافوس " أو البنك الدولي ، او تخصيص المياه ، أو غيرها من القضايا .

لكن مع تغير الخريطة السياسية ، مع التعدد في الأهداف والمنظمات الواسعة النطاق ، مع نشأة مئات بل آلاف من المجموعات المختلفة أصبحت الوحدة تتطلب أسلوباً جديداً في النضال . فبدلاً من الوحدة في التنظيم أصبح التنسيق في الجهود والمعارك هو الأساس . بدلاً من التنظيمات الرأسية التي تعتمد على المركزية أصبح الإنتشار الأفقي الديموقراطي المبني على الإتفاق والمناقشة والإقناع المتبادل هو الأساس . بدلاً من رفض الآخر أصبح بحث سبل التفاهم وإكتشاف ما هو مشترك معه هو الأسلوب الأمثل . بدلاً من الحزب الواحد المسيطر أصبح التحالف الذي يجمع أطرافاً متعددة هو الشكل الذي تسعى إليه . بدلاً من الهدف الإسترتيجي الواحد المتمثل في الإشتراكية أصبح الإتفاق على الحد الأدني ، أي مناهضة سياسات الرأسمالية النيوليبرالية ، وإحباطها ، وإيجاد بدائلها في كافة المجالات هو الشعار الذي يجمع هذه المجموعات العديدة ، والذي عبرت عنه في جملة قصيرة تتصدر النشاط كله "عالم أفضل ممكن". هذا هو الشعار المرفوع دون أن يُحدد ما هو هذا العالم الأفضل . فالإشتراكية هى هدف البعض وليس الكل ، والإشتراكية أصبحت بعيدة المنال أمامها زمن طويل ولا يعرف أحد متى تتحقق . فلماذا نختلف حولها ؟ لماذا لا نتفق على مناهضة ما يُهددنا جميعاً ، على مناهضة الخطر الذي دخل في صميم حياتنا ، بل كسر الباب ودخل في بيوتنا ، وفي كل التفاصيل التي تتعلق بشئوننا اليومية ، دخل عن طريق وسائل الإتصال ، والقدرة على تكييف عقولنا ، وتحديد مصيرنا ، وتسجيل كلامنا ، والتجسس علينا في كل لحظة ؟ أليس من الأوفق أن نقف ضد هذا الخطر الماثل أمامنا جميعاً ، وأن نبحث سوياً أثناء المعارك التي سنخوضها عما هو ذلك العالم الأفضل الذي لم نتفق على طبيعته بعد لأنه مرتبط بعملية إكتشاف سنخوضها جميعاً ، ولابد أن يكون حصيلة إتفاق ديموقراطي في عالم أصبح شديد التنوع ، ويحتاج إلى جهود مئات الملايين لكي نتخلص من قبضة الرأسمالية النيوليبرالية والعولمة .

تطور آخر مهم حدث مع قيام العولمة النيوليبرالية ، تطور شمل جميع أنحاء العالم بما فيها بلادنا . إنه التغير الذي حدث ليس فقط في مضمون النضال الشعبي ، وأساليبه وإنما أيضاً في آليات الديموقراطية نفسها ، فلم تعد القرارات القومية ، ولم تعد الأجهزة التنفيذية أو التشريعية أو الحكومة ، او مجلس الشعب تملك إتخاذ القرارات وتحديد السياسات التي تسير عليها ، أصبح تأثير الإنتخابات العامة ، والمعارك الإنتخابية وكل الضجة التي تُثار حولها يكاد لا يُذكر . فالقرارات الأساسية تُؤخذ في الخارج ، وتُفرض علينا . تُؤخذ في مجالس إدارة الشركات المتعددة الجنسية ، في البنك الدولي للتعمير والإنشاء ، والبنك الدولي للنقد ، في منظمة التجارة العالمية ، في البيت الأبيض ، والإتحاد الأوروبي . لذلك لم يعد النضال المحلي وحده كاف لتغيير ما نُريد تغييره . لابد أن يرتبط النضال المحلي بالحركة العالمية الديموقراطية المناهضة للرأسمالية النيوليبرالية .

هذا لا يعني أن النضال المحلي ليست له أهمية فالعكس هو الصحيح . النضال المحلي سيُضعف قدرة النظام الذي يحكمنا على تنفيذ التعليمات التي تصله من البيت الأبيض ، أو من البنك الدولي ، أو من غيره . سيُضعف قدرته على قمعنا ، وضربنا ، وتعذيبنا ، وفرض هذه التعليمات علينا ، وفي الوقت نفسه هو سبيلنا في الإرتباط بالقوى الشعبية الأعظم ، بالحركة الشعبية الديموقراطية المناهضة للعولمة ، القادرة وحدها على تغيير الأوضاع التي يُعاني منها الفقراء أمثالنا في كل أنحاء العالم ، وللوقوف ضد جبروت الرأسمالية وطغيانها الذين لا يعرفان حدوداً .

في ظل العولمة تغيرت معالم الحركات الشعبية وأهدافها وتنظيماتها فلنتذكر أنه في الإجتماع الواحد والعشرين للدولية الثالثة أشار "لينين "إلى أنه : "لا يُوجد شكل مطلق ونهائي يكون سليماً بالنسبة للأحزاب الشيوعية في كل زمن . فظروف نضال الطبقة العاملة تتبدل باستمرار ، وعلى طليعتها أن تبحث دائماً على الأشكال الأكثر فاعلية لخوض المعارك في الوقت المناسب والمكان المناسب . على كل حزب أن يبتدع الأشكال التنظيمية الخاصة به ، والتي تستجيب للظروف التي تكونت تاريخيا في بلاده . "

لذلك اليسار لا يمكن أن يظل بمعزل عن هذه التطورات العميقة المعنى ، الواسعة النطاق ، وإلا ظل بعيداً عن الحركة الشعبية ، عاجزاً عن أن يُصبح جزءاً منها ، عن المساهمة في التعبير عنها . أصبح لابد من أن يسائل نفسه ، أن يدرس ، ويبحث ، ويُناقش ، أن يفتح عقله ليخرج من القمقم . فاليسار المصري مسجون منذ مدة ، وعلينا ان نشارك جميعاً في الإفراج عنه على قدر طاقتنا وبنيّات صافية ، وعقول تنبذ التحجر ، وتثق في نفسها ، فنبدأ منذ الآن في طرح الأسئلة التي يُلح علينا الواقع المتغير بطرحها فمصر جزء من السوق الحرة ، جزء من عملية العولمة لا تنفصل عنه . ربما المسار فيها سيكون مختلفاً في تفاصيله ، لأن تفاصيل ما تغير فيها قد يختلف عما حدث عند غيرنا ، أو في ركن من أركانه ، ولكن علينا أن نهتدي إلى التغيرات التي أحدثتها عملية العولمة. أن ندرسها ونفهمها حتى نخرج منها ببرنامج يُعبر عن المرحلة التي نعيشها بدلاً من الإكتفاء بالمقولات العامة التي مازلنا نُرددها بينما هى تُعبر عن زمن إنقضى عهده .


حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان