المالكي واحتياجات المواطنة العراقية

جرجيس كوليزادة
2008 / 1 / 13

بعد عودة رئيس الحكومة نوري المالكي الى بغداد من لندن بعد إجرائه لفحوصات طبية، وبعد مرور أكثر من سنة على الحكومة العراقية المشكلة بفعل اتفاق الكتل والكيانات السياسية داخل مجلس النواب العراقي، وانشغالها طيلة هذه السنة بمسألة تأمين الأمن في بغداد من خلال الحملات العسكرية للعملية الأمنية "فرض القانون"، والتحرك نحو حل الملفات الأمنية في المواقع الأخرى بعد نجاح العملية المذكورة، فان الإنجازات المتحققة لوضع مسار صحيح وصائب للعمل الوطني العراقي في المرحلة الراهنة للوصول الى حالة الأمان والاستقرار الأمني، ما زالت في مراحلها المبكرة بالرغم من حصول بعض التحسن للحالة الأمنية في بغداد.
لكن بالرغم من أهمية الخطط الأمنية، تبقى الحاجة الى تحقيق تحسن في المستوى الاقتصادي والمعيشي لكل عراقي حاجة موازية للأهمية الأمنية التي ترافق حياة العراقيين بصورة عامة، لهذا وبفعل المسؤولية السياسية الملقاة على حكومة المالكي خلال هذه المرحلة، فإن أداء الدور المطلوب منها بمسؤولية عالية يشكل قاعدة رئيسية لإرساء نظام حكم فعال قادر على تلبية المطالب الاقتصادية والاجتماعية والمدنية للشعب العراقي في العهد الجديد بعد إرساء الأرضية السياسية والمقومات الرئيسية للعملية الديمقراطية، لذا فهي بحاجة الى تفعيل دورها لبذل جهود اكبر للتوصل الى اتفاق عام وآليات عمل حقيقية وبرامج ميدانية لخدمة العراقيين لبناء حاضر لائق على المدى القريب والبعيد وفق منظور مستقبلي لإعداد بناء العراق على أسس وثوابت منطلقة من الإيمان الكامل بحقوق وكرامة الإنسان، وحرية الاختيار للفرد والمجتمع، خاصة بعد سن الدستور الدائم الذي يؤمن حياة حرة كريمة لجميع أفراد الشعب تحت خيمة الأمة العراقية الواحدة، لإنشاء دولة وفق منظور معاصر لبنيان الدولة الحديثة لتلبية رغبات وتطلعات العراقيين في الحاضر وفي المستقبل.
ولكي يبقى الأمل أمام جميع العراقيين مرسوما، ويبقى الرجاء مأمولا بالتحقيق، فان رعاية ثوابت حقوق المواطنة الأساسية من قبل الدولة هي حقوق شرعية تخص الجميع دون تمييز، يلزم واجب المواطنة الإقرار بها لتحقيق إطار دستوري حقوقي للمواطنة العراقية الحقيقية لضمان الحريات العامة والحقوق الأساسية في الصحة والتعليم والسكن والعمل والعدالة الاجتماعية، وضمن هذا الإطار فان حكومة نوري المالكي عليها إبراز اهتمام جدي وحقيقي بتحقيق ثوابت حقوق المواطنة العراقية في مسيرتها الراهنة لصالح المواطنين، والثوابت التي نقصد بها هي ما يلي:
• العمل الجدي لتحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية وفق آليات وبرامج وطنية حسب ما مشار إليها في الدستور العراقي الدائم ليشكل عامل قوة كبيرة لإرساء الدولة الموحدة من منطلق الشعور بمواطنة عراقية حقيقية.
• تثبيت حقوق مادية لكل مواطن عراقي ، للاستفادة المباشرة من موارد الثروات الطبيعية للبلاد، وذلك وفق نظام معين يؤمن لكل مواطن حقا دستوريا على مستوى الدولة العراقية وعلى مستوى الأقاليم لتأمين حصة معينة من نسبة الدخل العام للمواطنين.
• تحقيق برامج عملية ميدانية لتنفيذ مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة الوارد في الدستور، وتعديل القوانين والأنظمة التي لا تتماشى مع هذا المبدأ، ليشكل انطلاقة مميزة لتساوي مبدأ المساواة في المجتمع العراقي في ظل الثوابت المعاصرة للحياة.
• الإقرار بإعداد مجتمع مدني فعال ليبرالي سليم التوجه لإبعاد شبح تأثير الأنظمة الدينية في الواقع العراق حاضرا ومستقبلا، والإقرار بتعدد مصادر التمدن المدني للتشريعات والأنظمة التنفيذية وفق الواقع التعددي المتنوع للمجتمع العراقي، وتحريم تأسيس المنظمات على أساس ديني ومذهبي، ليشكل ستارا واقيا للعراق ومجتمعه المدني.
• تثبيت الحقوق الأساسية الطبيعية للمواطنة لتأمين السكن لكل العراقيين كما هو مثبت كحق طبيعي للعيش والسكن الوارد الدستور وفي لائحة حقوق الإنسان الأساسية، ليشكل الركن أساسي المتين لتأمين إحدى أهم الحقوق الأساسية للمواطنة.
• تثبيت الحقوق الأساسية الطبيعية للمواطنة لضمان الرعاية الصحية لكل العراقيين كما هو مثبت كحق طبيعي للفرد في الدستور وفي لائحة حقوق الإنسان الأساسية، ليشكل الركن الأساسي المتين لتأمين إحدى أهم الحقوق الأساسية للمواطنة لضمان حياة العراقيين بصورة سليمة.
• تثبيت حق المواطن العراقي في التربية والتعليم كما هو مثبت كحق طبيعي للفرد في الدستور وفي لائحة حقوق الإنسان الأساسية، ليشكل الركن الأساسي المتين لتأمين إحدى أهم الحقوق الأساسية للمواطنة لضمان بيئة تربوية صحيحة وسليمة للعراقيين.
• تثبيت الحقوق الأساسية للمرأة، واعتبار مهمة المرأة أساسية في المجتمع خاصة في البيت ومجالات العمل ، وإقرار هذا الحق للمرأة العراقية عمليا كما هو دستوريا، وتخصيص راتب للكل مواطنة عراقية ربة بيت لتأمين مصدر اقتصادي لها ولأولادها كحق طبيعي، وتقليل سنوات الخدمة للنساء الموظفات والعاملات للتقاعد المبكر للتفرغ للتربية والعمل في البيت.
• تثبيت نظام رعاية خاصة بالأطفال، في البيت والروضة والمدرسة، وإقرار حقوق الطفل الأساسية وفق الميثاق الدولي للأمم المتحدة بشأن حقوق الطفل، ضمن برنامج وطني شامل لرعاية الطفولة من قبل الحكومة، وتثبيت هذه الحقوق أيضا في دستور الأقاليم.
هذه ثوابت المواطنة الصحيحة التي أقرت الكثير منها في الدستور العراقي، تشكل الأسس الرئيسية لبناء المواطن العراقي وفق رؤية معاصرة لمفهوم الدولة الحديثة، وهذه الثوابت التي يهم عموم المجتمع العراقي جميعا ليست بأمر يتسم بصعوبة التنفيذ لضمان حياة معززة بالكرامة والإنسانية لكل مواطن عراقي ضمن إطار المواطنة الحقيقية، لذا نأمل في ظل الدولة العراقية تحت رئاسة جلال طالباني، وتحت حكومة توافقية برئاسة نوري المالكي وتحت خيمة مجلس النواب، أن تكون هذه الثوابت ملموسا ومحسوسا في أرض الواقع لتحقيق الحلم بمواطنة عراقية حقيقية.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير