الأقاليم العراقية

جرجيس كوليزادة
2008 / 1 / 1

من المفاهيم الأساسية في البنية الاصطلاحية في عالم الإدارة على مستوى الدولة أو المجتمع، هي الوحدات الإدارية التي تتشكل منها البنيان العام لهيكل الدولة، وهي بالأساس مجموعات سكانية متجمعة في منطقة معينة قد تقدر بالملايين أو بمئات الألوف أو بعشرات الألوف أو بعشرات المئات، إلى أن تصل إلى أصغر وحدة سكنية أو إدارية تطلق عليها اسم القرية، وهذا ما هو معمول بها في أغلب بلدان العالم، ولكن ما يهمنا في هذا الجانب هو الوحدات السكانية الكبيرة التي تتجمع في منطقة إدارية كبيرة وهي ما تطلق عليها حسب المفاهيم الإدارية السائدة في كل دولة تسميات مختلفة منها ولاية أو مقاطعة أو حاكمية أو إقليم أو محافظة أو امارة أو لواء أو متصرفية أو فيدرالية، وقد تكون هنالك تسميات أخرى تعود إلى خصوصية كل دولة معنية حسب نظامها الإداري العام وحسب نظامها السياسي إن كان جمهوريا أو ملكيا أو فيدراليا أو سلطنة أو حاكمية.
المهم في هذا السياق، ما يهمنا هو مصطلح الإقليم أو المحافظة بقدر تعلق الأمر بالعراق الاتحادي الذي ورد في الدستور الدائم، بعبارة أخرى ما نقصد بها هو مسألة الأقاليم والمحافظات العراقية التي تتكون منها الهيكل العام لبنيان الدولة، وهي أمر مقر به في مواد الدستور الذي سمح بتشكيل الأقاليم من المحافظات أو تحويل محافظة إلى إقليم حسب آليات معينة حددها الدستور العراقي الجديد الذي يعتبر من أرقى الدساتير في المنطقة من نواحي عدة منها تنظيم السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والهيئات المستقلة وضمان الحقوق الفردية للمواطن دستوريا استنادا الى لوائح حقوق الإنسان وضمان انتقال السلطة وفق خيار الشعب بطريقة ديمقراطية مستندة الى تعددية وبرلمانية مع تحديد النهج العام لنظام إدارة الدولة بالاتحادية أي الفيدرالية لضمان حقوق القوميات والمجموعات السكانية وفق خياراتها المحلية التي قد تختلف من منطقة إلى أخرى.
استنادا الى هذا المسار، وفي ظل الواقع السياسي العراقي الراهن، تولدت لدى الأطراف السياسية المشاركة في البرلمان قناعة بضرورة تطوير النظام الإداري للمحافظات، وانطلاقا من هذه القناعة يحاول الائتلاف العراقي الموحد برئاسة عبدالعزيز الحكيم الوصول الى صيغة عامة لتحويل فيدرالية الدولة المقرة في الدستور إلى واقع ملموس لتأسيس وإقامة أقاليم عراقية في الجنوب والوسط بين المحافظات على شاكلة نموذج الإقليم الكوردستاني المعترف به عراقيا وإقليميا ودوليا لصالح مصلحة الأمة العراقية بقومياتها المتعددة و مراعاة الخصوصية القومية والثقافية والمذهبية المتنوعة لمكونات الأمة، وتأتي هذه الخطوة في ظل توفر قناعة تامة في المحافظات الجنوبية لتحويلها الى إقليم فيدرالي لتلبية حاجات مجموعاتها السكانية وفق نظام متسم بالمرونة والشفافية لتحقيق وتلبية احتياجات جميع الوحدات الإدارية التي سوف تتشكل منها الإقليم، ومن المنتظر أن يسود نفس هذا الاتجاه في محافظات الوسط العراقي خاصة في الأنبار وتكريت والموصل، وكذلك في كركوك لكن الأمر في هذه المحافظة متعلقة بإجراء استفتاء لتحديد مصيرها من قبل سكانها حسب خيارهم استنادا الى المادة 140 من الدستور الدائم، تبقى محافظة ديالى مرهونة بالواقع غير المستقر فيها والى أن يتحقق الأمن والاستقرار فيها فان الأمر يعود الى سكانها لتحديد مصيرها.
وبقدر تعلق الأمر بالفيدرالية ومسألة الأقاليم، نود أن نبين ان النظام الفيدرالي هو عبارة بالأساس عن نظام للإدارة اللامركزية وهو يشكل القاعدة الأساسية للأنظمة القائمة على الفيدرالية المبنية على الأقاليم أو إدارة المقاطعات أو الولايات أو المحافظات في المجتمعات الديمقراطية، وهو يتميز بمميزات وسمات عديدة تساعد على إقامة وإرساء حكومة إدارة محلية تتسم بالشفافية والإدارة الناجحة لتحقيق مطالب المجموعات السكانية الممثلة لها حسب مناطقها ووحداتها، وواقع الأمر فان الحاصل في العراق هو نظام شبيه بالأقاليم على مستوى المحافظات، لأن الانتخابات التي أجريت قد انتخبت فيها مجالس حكومة إدارية محلية على مستوى المحافظات والاقضية والنواحي، واعتبرت المحافظات على مستوى الأقاليم لما لها من صلاحيات واسعة في تصريف شؤونها العامة وفق الصلاحيات والسلطات المخولة لها في الدستور، ومن يتعمق في البنية الإدارية لهذه الصلاحيات فإنها تعتبر بحق حكم ذاتي مشرع به دستوريا وفق آلية معينة محددة لهيكلتها وبينتها وإدارة أمورها بنفسها حسب خيار المجموعة السكانية للمحافظة.
ضمن هذا المفهوم فإن الميزات التي تتميز بها دولة الأقاليم أو المحافظات العراقية، ميزات إدارية مهمة وتحتل الأولوية ضمن اهتمامات الدولة الحديثة، وهي تنحصر في دعم الديمقراطية وضمان حقوق سكان الوحدات الإدارية في المساهمة الفاعلة في إدارة مناطقهم وإيصال حاجاتهم الى المجالس المحلية المنتخبة لتحويلها الى سياسات وإجراءات عملية بموجب خطة مناسبة بغية تنفيذها، وتحقيق التوازن والتوافق بين المصلحة العامة ومصلحة المجموعات السكانية من خلال التعبير عن رغباتها في اختيار الممثلين لتلبية الحاجات الأساسية للسكان وتقديم أفضل الخدمات لهم، وتحقيق التوازن بين مصلحة الإقليم أو المحافظة ومصلحة الوحدات الإدارية الصغيرة من خلال تنظيم العلاقات بين المستويات الإدارية المختلفة وتقسيم الحقوق والواجبات فيما بينها والصلاحيات ونمط العلاقة بين الأطراف المعنية ضمن إطار من التنسيق والتكامل والتعاون بين المستويات المختلفة، وتحقيق الاستغلال الأمثل للموارد المحلية البشرية والطبيعية والمالية لصالح التنمية المتوازنة في المنطقة المعنية لكل المكونات والوحدات الإدارية للإقليم أو المحافظة، والعمل على تلبية حاجات السكان المحليين في كل وحدة أدارية وخلق تنمية حقيقية تزيد من أهمية الإقليم أو المحافظة والمساهمة في زيادة الدخل المحلي وتحقيق مستوى معاشي مناسب للسكان موازية للمستوى العام في البلد.
إضافة إلى هذه السمات، فان النظام الفيدرالي يتصف أيضا بزيادة القدرة والسرعة والمرونة في اتخاذ القرارات ومتابعة نتائجها لتنمية الوحدة الإدارية المعنية، وإزالة بؤر النزاعات والتوتر بين الوحدات والمجموعات السكانية لأسباب قد تتعلق في كثير من الأحيان بسوء الإدارة نتيجة أسباب متعلقة بالملكية أو أسباب اجتماعية أو مذهبية أو سياسية، وحل المشاكل والمعضلات والأزمات الداخلية التي تواجه المنطقة أو الوحدة أو المجموعة السكانية نتيجة أسباب معينة من خلال إشراك السكان واخذ آرائهم كحلول ضامنة لإزالة تلك المشاكل من خلال المعايشة الميدانية للواقع دون تعقيد ودون تأزيم المشكلةو تلبية حاجات المجموعة السكانية أو الوحدة الإدارية وفق أفضليات تتطلب توفيرها وتقديمها لسكان تلك المناطق والإدارة المنتخبة والمتمتعة بالصلاحيات والسلطات اللازمة تكون على دراية بهذه الاحتياجات، واستمرارية وديمومة التنمية والتطور الاقتصادي والاجتماعي للمنطقة المعنية ضمن موجبات استراتيجيات مدروسة قائمة، وتنشيط المجموعات السكانية والوحدات الإدارية المهمشة التي تعاني من نقص التطور والتنمية في إطار البلد الواحد، وزيادة مشاركة سكان الوحدات والمجموعات السكانية في وضع السياسات العامة واتخاذ القرارات وإتاحة الفرصة لهم للإطلاع وإبداء الرأي والمشاركة في الأنشطة الخاصة بتحديد الأهداف النابعة من ضرورات الحاجة للمنطقة المعنية، وتأمين التوافق والانسجام مع سياسات الدولة.
بصورة عامة هذه هي أهم المزايا الهامة التي يتسم بها النظام الفيدرالي لدولة الأقاليم العراقية في ظل الواقع الراهن استنادا الى بنود الدستور، ولا شك إن إرساء هذا النظام الإداري المرن لإدارة الدولة الجديدة في العراق قد عبر عن نفسه بصورة حكيمة وراسخة الدستور الدائم بوضوح تام في فصل الأقاليم، وانطلاقا من هذا المنظور فإن إرساء النهج الجديد والحديث لإدارة مكونات الدولة العراقية الاتحادية المشكلة من المحافظات واقليم كوردستان، شكلت فرصة مناسبة لتجاوز الآثار المتخلفة عن نظام الحكم السابق دون رجعة، وإرساء نموذج جديد لإدارة الدولة وفق صياغة حديثة قادرة على النهوض بالعراقيين لضمان حياة حرة كريمة متسمة بتلبية الاحتياجات الأساسية للمواطن من جميع الجوانب، وهو في عين الوقت تسمح بمرونة أكثر لتحقيق تطور أكبر على مستوى المحافظات من خلال فكرة تشكيل الأقاليم حسب خيارات سكانها لتتركز تعامل الحكومة الفيدرالية مع حكومات الأقاليم وبالتالي تعامل الإقليم مع وحداتها الإدارية الكبيرة والصغيرة لتلبية احتياجات كل وحدة سكانية حسب احتياجاتها وخيارتها لتحقيق تنمية حقيقية في حياة كل مواطن عراقي.
لهذا فان ما نقصد به من مصطلح الأقاليم العراقية هو المحافظات وإقليم كوردستان، وقد حان الوقت للتفكير الجدي لتحقيق وإقامة الفيدراليات حسب خيارات المجموعات السكانية للمحافظات، للنهوض بالواقع العراقي وإخراجه من الأزمات التي يعاني منها في واقعنا الراهن، والتي تعود الكثير منها الى سبب عدم فهم الفيدرالية بصورتها السليمة.

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي