آليات مناهضة ومنع جرائم الشرف في العراق

جرجيس كوليزادة
2007 / 12 / 29

مع إقرار الدستور الدائم في العراق، توفر للمواطنين مرجعية دستورية للاستناد اليها لتنظيم سلطات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية، إضافة الى هذا التنظيم لانتقال السلطة سلميا وفق خيارات الشعب، فقد اقر تنظيم لوائح حقوق الفرد وفق مواد وبنود توفر ضمانا دستوريا لكل مواطن بأن يتمتع بكافة حقوقه الطبيعية والإنسانية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ومن ضمن هذه الحقوق جاءت المرأة من ضمن المكونات الرئيسية للمجتمع لتحصل على حقوقها بشفافية ومرجعية قانونية، ولكن الظروف التي يمر بها العراق، خاصة في المجال الأمني، لم تساعد على توفير الأرضية المناسبة لتأخذ بنود الدستور طريقها الى حيز التنفيذ مع تشريع قوانين لها، فبقيت مسائل حقوق المواطنة بعيدة عن التطبيق بالرغم من تأكيدات القيادات السياسية للعمل على تنفيذ الاستحقاقات الانتخابية التي توعدت بها الأحزاب والكتل لصالح المواطن العراقي.
وبالرغم من إيماننا بعدم فعالية دور الحكومة العراقية والقيادات السياسية على تحويل مواد الدستور الى حيز الواقع، وعدم قدرتهم على تحقيق أجواء سليمة للحياة الطبيعية للإنسان، بسبب الفساد والتسلط و تدخلات دولية إقليمية دولية في الأحداث الحاصلة في داخل البلد، وهذا ما سهل غياب مجمل المقومات الأساسية السليمة للمواطنة، ألا أن الأمل يبقى مع كل هذه السلبيات والمعوقات لطرح برنامج متكامل متسم بالتطبيق والمرونة لمواجهة قضية اجتماعية حساسة وهي ظاهرة شيوع جرائم قتل النساء باسم الشرف وغسل العار في الكثير من المناطق العراقية، ولغرض المساهمة في تسليط الضوء على هذا الأمر والمشاركة في مناهضة هذه الجرائم غير الإنسانية، ضمن هذا الإطار نطرح رؤية عملية وواقعية للمعالجة والتعامل مع هذه القضية الشائكة والمعقدة المتسمة بالغدر والجبن يعاني منها الكثير من المجتمعات الشرقية التي تسودها المفاهيم والعقائد والتقاليد غير السوية، ومنها المجتمع العراقي من جنوبه إلى شماله، وهي قضية القتل والجرائم التي ترتكب بحق المرأة من قبل الرجل وهو على قرابة منها كالأب أو الأخ أو العم وغيرهم، وهذه الجرائم تعتبر من الناحية الإنسانية ومن ناحية لوائح الحقوق محرمة، وغير شرعية حتى ببعض المفاهيم الدينية، لأنها بالأساس حالة عرفية مركبة من تقاليد ومفاهيم عشائرية وعائلية ومناطقية سائدة تعود بجذورها الى مئات وآلاف السنين.
والرؤية التي نطرحها تأتي واقعيتها من خلال متابعة قضايا هذه المشكلة الاجتماعية التي طرحت في الصحافة العراقية خاصة الكردستانية منها من خلال الوقائع والتحليل والمتابعات الصحفية، وفي هذا المجال لابد أن نذكر ان الصحافة الكردية وكذلك رجال الدين في إقليم كردستان لعبوا دورا ايجابيا كبيرا في تبني هذه القضايا والجرائم وطرحها الى الرأي العام وتوجيه توعية منظمة للرجال في المساجد والمراكز الاجتماعية والثقافية من خلال الخطب والندوات العامة بتوجيه من رئيس الحكومة نيجيرفان بارزاني، حتى وصلت ضغوطات هذه الحملة الى حد إقناع السلطات بإصدار إجراءات وتشريعات بتجريم هذه الحالات قانونيا وتقديم كل من يرتكب هذه الجريمة الى القضاء، إضافة الى تقديم كل من يكون سببا في انتحار أية امرأة الى المحاكمة،، ولكن بالرغم من اتخاذ هذه الإجراءات فقد بقى التأثير العشائري والعائلي مؤثرا لإخفاء حقائق الكثير من الجرائم عن الجهات القانونية، ولكن رغم وجود هذه المعوقات فان الإجراءات المتخذة في الإقليم للتعامل مع هذه القضية تعتبر من الخطوات المتقدمة من الناحية الإنسانية والحقوقية مقارنة بما يحصل في المناطق والدول المجاورة للإقليم.
استنادا الى هذا، فإن الرؤية التي نطرحها كآليات للتعامل مع الجرائم من هذا القبيل، تهدف الى خلق مراكز مؤثرة نافذة على صعيد العراق لتبني حملة رئيسية تتركب من وحدات اجتماعية وثقافية ودينية ومن تشكيلات المجتمع المدني، تعمل وفق إطار معين وخصوصيات موضوعية خاصة بكل منطقة، للتوعية ومتابعة القضايا والمشكلات من أساسها قبل حصولها للوقوف بوجه هذه الأعمال غير المقبولة ومحاولة منع وقوعها بأية وسيلة كانت، مع ضمان الدعم الخدمي والإداري والبشري لها للحملة، والرؤية تتلخص بما يلي:
أولا: تشكيل لجنة مشتركة تحت رئاسة شخصية عراقية فاعلة من الداخل، من جهات ذات علاقة كالإتحادات النسائية والنقابية والطلابية والشبابية بالاشتراك مع الوقفين السني والشيعي لتبني حملة شاملة مسنودة بمشاركة ودعم فني من المجموعات المدنية العراقية المتواجدة في الخارج، وبدعم وتمويل مشترك من المنظمات غير الحكومية والحكومة، وتشكيل لجان بنفس الهيكلية على صعيد المحافظات والاقضية والنواحي والقصبات والمجمعات السكنية من خلال تبني هيكلية هرمية نزولا من القمة الى القاعدة.
ثانيا: تبني وطرح رؤية نابعة من المنطق والعقل والوجدان مسنودة بأسباب دينية وإنسانية وقانونية واجتماعية لبيان تحريم جرائم الشرف، وتقديم هذه الرؤية المبينة بالتفسير والشرح المقنع الى مجتمع الرجال في خطبة الجمعة في المساجد والحسينيات، ومن خلال إقامة الندوات العامة بتعاون وتنسيق متكامل من الإعلام والصحافة والوسائل المرئية وغير المرئية.
ثالثا: توعية الطلاب والطالبات في المدراس ومراكز تجمع الشباب بأصول العلاقات المتسمة بالاحترام والتقدير وحماية الطرف المقابل، والتوجيه بإقامة علاقات سليمة وفق الحدود المتداولة والتركيز على عدم خلق ظروف مضرة وخطيرة بحياة كل بنت أو زميلة في الدراسة أو في العمل أو في المحلة.
رابعا: إنشاء صندوق دعم تشكيل الأسرة بجهود ومساهمات طوعية وحكومية لتشجيع الزواج بالسن المبكر للشباب والشابات وتقديم العون المادي لكلا الطرفين.
خامسا: إصدار تشريعات قانونية واتخاذ إجراءات تنفيذية بحق مرتكبي هذه الجرائم، وتحريمها بكل المفاهيم القانونية والدينية والاجتماعية، خاصة منها إصدار فتاوي للمراجع الدينية للشيعة والسنة.
هذه هي مجمل الرؤية العملية التي نراها ضرورية للعمل من أجل تحقيق برنامج فعال متسم بآليات حقيقية لمناهضة ومنع جرائم الشرف، على أن يسند هذا العمل في حالة تنفيذها بأفكار وبرامج مساندة في المراحل اللاحقة منها تجهيز مناهج التعليم بمواد دراسية لغرز مفاهيم العلاقات السليمة بين المرأة والرجل في المجتمع وفي مواقع العمل والدراسة، لإرساء قناعات ومفاهيم سليمة لدى الشباب والرجل تجاه المرأة بكل مراحلها دون تعريضها الى مشاكل ومعوقات احتراما وتقديرا لها ولمكانتها في المجتمع وإيمانا بأهمية دورها في الحياة.
في الختام نؤكد أن هذه الرؤية بالرغم من إيجازها ألا أنها تركز على الجوانب الرئيسية والعملية والواقعية وهي تمثل وجهة نظر للتعامل مع هذه القضية الاجتماعية التي تودي بحياة العشرات والمئات من النساء في المحافظات والأقاليم العراقية كل شهر ظلما وجورا، وهي تأتي تضامنا مع الحملة العالمية لمناهضة هذه الجريمة غير الإنسانية في الحوار المتمدن.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير