حسين روضة المناضل والبطل المجهول

حركة اليسار الديمقراطي العراقي
2007 / 8 / 21


في تاريخ نضال الشعوب ضد قوى الظلم والاستبداد معبرا عنها بحركات أو أحزاب وإفراد وخصوصا ما هو شامل منها وذو توجه راديكالي سعيا لتقويض أسس نظام اجتماعي قائم وقيام نظام جديد. نرى إن مثل هذه التحولات الاجتماعية الجبارة غالبا ما تقترن باسم إنسان جبار عظيم قد تظل تردد اسمه الألسن وتمجده الشعوب والإفراد والطبقات لقرون ولو دقق مؤرخ منصف وباحث محقق متعمق صادق في تكوين وسبب شهرة وعلو شان ورفعة هذا العلم والبطل مغير وجه التاريخ لوجدنا انه قد اختزل لصالحه فكر وإبداع وجهد وسعي وتضحية عديدا من الأسماء والشخصيات التي اختارت البقاء في الظل وتنكبت طريق النضال والتفاني والبذل لتركع عند إقدامهم مظاهر البطولة التي غالبا ما يسعى إليها مثل هؤلاء الإعلام ليس من اجل هدف عام وقضية عادلة بل من اجل مجد شخصي . وهناك الكثير من الشواهد والأسماء المعروفة وغير المعروفة تدل على ذلك في التاريخ العربي الإسلامي وتاريخ بقية الشعوب والأمم. إن لحركة القوى اليسارية والشيوعية والاشتراكية العراقية سفر خالد وتاريخ مجيد مخضب بدماء وعرق الآلاف من المناضلين المجهولين بتضحياتهم تم تتويج إفراد وشخصيات بتاج البطولة والعبقرية في حين أسدل الستار على هذه الأسماء والعناوين صانعة البطولات الحقيقية . أفرزت الحركة اليسارية العراقية إبطالا شعبين استطاعوا إن يكسبوا حب وتقدير وتخليد أبناء طبقتهم ومحلتهم ورفاقهم ليبقوا خالدين ضمن صفوف المناضلين في ذاكرة الناس منسين وغير معروفين في سجلات وتواريخ الأحزاب والحركات.انه لمن الإنصاف والعدل والوفاء إن يتم التعريف بمثل هذه النجوم الزاهرة وإزاحة غيوم الأنانية والظلم عن نورها المشرق لتكون مثلا للتضحية والإيثار في سبيل الإنسان العراقي وحريته ولاشك إن ذاكرة الشارع العراقي وذاكرة الريف العراقي يسهله ووديانه وجباله وذاكرة المناضلين تزخر وتختزن العديد من أسماء هؤلاء المناضلين والإبطال الحقيقيين المستترين طوعا وإيثارا خلف هامات الإبطال المشاهير الذي قد يكون بعضها فارغا.خصوصا وان طبيعة المجتمعات التي لازالت تحمل سمات المجتمعات الزراعية والبدوية والرعوية لا تمتاز بالتدوين والتسجيل بل إلى الحفظ ألشفاهي مما يتطلب الاهتمام بتسجيلها وتدوينها قبل إن تندثر معالمها وتختفي شخصيات شهودها.
ومن أمثال هؤلاء ما وجدناه مخزونا في الذاكرة الشعبية النجفية وخصوصا قي ذاكرة المناضلين النجفيين للشخصية الشعبية ذائعة الصيت طيبة الذكر الا وهو المناضل والمكافح العامل الحائك (حسين نجم روضة) والذي حينما تسال عدة أجيال عنه يأتيك الجواب ومن لا يعرف حسين روضة !!!
فمن هو حسين روضة:
ليس غريبا إن من كتب هذه السطور استعصى عليه الحصول على تاريخ الولادة والوفاة للمناضل أبو علي فكأنه لازال مصرا إن لا يحده حد ولا يؤطره إطار فهو مع من سبقه ومع من جايله ومع من سيأتي صوتا لا يستكين فهو الغفاري وحمدان قرمط وخالد احمد زكي وجيفارا وعبد تمر ...... فمن يستطيع إن يعد نجوم سماء صافية كسماء عمال وكادحي الأرض إلهة البناء والسلام والمحبة والمساواة بين كل شعوب ارض.
حسين روضة نشاْ وترعرع وسط عائلة فقيرة لوالد يعمل فلاحا أو كما يروي البعض – حدقجي - يزرع ويملاْ البيوت والحارات بالزهور في حين يحترف ابنه زراعة الأفكار الثورية وأم بسيطة هزيلة العود صلبة العزم مقاومة للظلم بالفطرة تطعم الأفواه بدون تمييز بخبزها الحار يتحدث عنها الكثيرين بإعجاب واحترام كبير لصلابتها ومتابعتها لولدها ورفاقه النزيل شبه الدائم للسجون والمعتقلات في العهد الملكي والجمهوري وعهوده وزعاماته المتعاقبة على كرسي الحكم في العراق حتى وفاته بحادث سيارة في مدينة الكاظمية تحوم حول الحادث الشبهات حيث يرى البعض انه حادث مدبر من قبل السلطات الصدامية.
صبي وشاب امتهن مهنة الحياكة وتعلم حياكة الخيوط كما تعلم نسج وحياكة الأفكار والحوار السياسي بمهارة عالية بإشراف العديد من المناضلين اللذين امتازت بوجودهم هذه المهنة مثل حسين سلطان وشهيد شبع وآخرين كما ورد ذلك بشهادة الأستاذ الرفيق الأخ سلمان أبو داوود وقد يعزى السبب في ذلك إلى شدة القهر والفقر والامتهان الذي تتعرض له شريحة المنتمين إلى هذه المهنة الشاقة والنظرة الدونية من المجتمع في ظل سيادة وهيمنة ثقافة الإقطاع وعادات البداوة في احتقار مثل هذه الحرف مما ساعد على توهج شرارة الوعي والبحث عن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء الظلم والفقر بين البشر مما قاد إلى التمرد والثورة على قيم وظلم وتعسف النظام الاجتماعي القائم حالمين بمجتمع العدل والمساواة واحترام وصيانة كرامة الإنسان الكادح , لقد استحوذ الفكر الماركسي والاشتراكي على عقل وكل خلية من خلايا مخ حسين روضة ليصنع منه داعية صلبا ومناضلا جريئا لا يكل ولا يمل ولا يستكين وهو يدعو لمبادئه وقضية طبقته العاملة والدفاع عنها مجندا ومجيرا كل تفاصيل حياته من اجل هذا الحلم العظيم .
حسين لا يعرف المجاملة والدبلوماسية البرجوازية وتزويق الألفاظ وهو يدافع عن قضيته.
حسين لا يمكن إن يساوم ويقبل المساومة على مبادئه ولا السكوت عمن يتطاول عليها.
متقدما صفوف المناضلين في المسيرات والتظاهرات ومقارعة السلطات متخلفا عن الجميع في اكتساب العناوين والنياشين والمديح وحب الظهور والادعاء ونسج أوهام البطولات التي يستميت من اجلها العديد منن الطارئين والمتصيدين والمتطفلين على طريق النضال الشاق والطويل للطبقة العاملة. كان حسين لا يحده مكان ولا زمان فهو في الشارع والمعمل والمقهى وعلى الرصيف وفي المدرسة وحتى داخل مركز الشرطة والسجون وفي سيارات النقل ومحلات الحلاقة والحدائق في الليل وإطرافه والنهار فجره وضحاه وهجيرته يشرح و ينور ويدافع ويحاول إن يقنع الآخرين بأفكاره ومظلومية طبقته وكشف زيف الظلم والاستغلال والعبودية مبشرا بغد الاشتراكية المشرق.
أبو علي - لقب بدون (علي) لان حسين كما يقول رفاقه وأصدقائه لم يعشق ولم يتزوج ولم يعانق غير قضيته وقد بقي بدون زواج حتى مماته.
أبو علي - قضى اغلب عمر (الحرية) في غرفة مع والدته أم عباس وحصيرة متهرئة نظيفة ومرتبة على الرغم من عزوبيته.
أبو علي - غالبا ما يشاهد متنقلا بين إحياء ودرابين المدينة على ظهر دراجته المتعبة كحاله ولكن يبدو أنها أمنت بعدالة قضيته فعاهدته الا تخونه وإيصاله إلى حيث يريد.
أبو علي - يكتفي بأبسط غذاء وغالبا ما يكون رغيف خبز ورقية أو بطيخة صغيرة وهو كثيرا ما يصر إن يستضيف عليها ويتقاسمها مع من يصادفه من أصدقائه أو رفاقه .
أبو علي - أبو علي امن بمنهج وفكر ونذر نفسه لقضية لا يأطر عمله ونشاطه وكفاحه بإطار الحزب فلم يعرف عنه طول انتظام داخل صفوف الحزب الذي طالما افترق عن تنظيمه حينما يرى(أبوعلي) إن خط الحزب الفكري أو التنظيمي قد ابتعد عن فكره وصلابته في الدفاع عن حقوق الطبقة العاملة وفكرها الثوري فهو لا يقر المناورات السياسية ويأنف الفذلكة والتكلف.يذكر عنه انتظامه لفترة من الزمن في صفوف (ح ش ع) القيادة المركزية وإقدامه خلال فترة أخرى على تأسيس حزب جديد مع آخرين .
أبو علي - ظل ناقدا موضوعيا مترفعا عن الشتم والقذف والتشهير على الرغم من عمق خلافاته مع الحزب أو الإفراد وعدم سكوته على خطاْ أو انحراف كما يراه هو.
أبو علي - لم يرى نفسه أدنى مرتبة من الآخرين مهما بلغ علو عناوينهم ومراتبهم. يروى انه دخل في مناظرة فكرية مع الشهيد ا محمد باقر الصدر وقد كان أبو علي مرتاحا ومنشرح الصدر من هذه المناظرة ولأول مرة يمتدح ثقافة وسعة صدر وموضوعية حوار رجل دين. اثأر إعجاب وانبهار العديد من قيادات البعث في المدينة حيث يروي ألأخ أبو فائز العامري إن احدهم كان يظنه حسين الرضوي لما له من سعة ثقافة ومعلومة وخصوصا ما يخص تاريخ الطبقة العملة العراقية والعالمية . كما يذكر بأنه كان كثير المطالعة وله كتابات لم يعثر عليها. كان محترم من عموم المجتمع على الرغم من أطروحاته وصلابته وحتى تطرفه في النقد وكشف زيف المستغلين وحواشيهم . ومن مواقفه الإنسانية النبيلة وصدق مبدئيته - إن تعرضت طفلة قروية إلى دهس من قبل دراجة أبوعلي وعلى الرغم من سلامة وعدم أذى الطفلة إصر حسين إلى اصطحابها إلى مركز الشرطة وتسجيل دعوى دهس ضده من قبل والدة الطفلة بناءا على إصراره على ذلك . وإرساله على الأخ أبو فائز لإخراجه بكفالة. وبعد فترة من الزمن إصر أبو علي على زيارة الطفلة في دارها في الديوانية وتفقدها خشية إن يكون قد استجد في أمرها شيء وبعد إن أطمأن عليها قدم لها ما استطاع عليه من هدايا بسيطة وعاد إلى مدينته مرتاح البال .
تقدم أبو علي مظاهرة القصابين المشهورة في النجف في الخمسينات ولذي قتل فيها مفوض الشرطة أبو فائزة حينا رفض وصول المظاهرة إلى ساحة الميدان وقد اتهم حسين بقتله رغم كونه كان بريئا من التهمة. ومن المفارقات كما يذكر الأخ أبو داود ( ذات مرة عندما كان حسين معتقلا في سجن الحلة المركزي هو ورفاقه من الشيوعيين أوعزت السلطات بنقلهم إلى سجن نقرة السلمان فشدو وثاق كل رفيقين إلى بعضهما فكان رفيق حسين الشاعر المعروف محمد صالح بحر العلوم وكانت أم حسين قد جلبت له ( دبة دبس ) فوضعه السجان في رف فوق رؤوسهم في السيارة وعندما سارة السيارة انقلبت دبة الدبس على رأس السيد محمد مما اثأر الضحك والمزاح حيث اخذ الرفاق يلعقون الدبس بأصابعهم بعد غمسها برأس السيد محمد. اضرب أبو علي في احد السجون عن الطعام احتجاجا على عدم تقديمه للمحكمة وقد بلغ به الضعف والهزال مبلغه حيث استجاب سجانوه لطلبه وحملوه ببطانية ليضعوه إمام القاضي وعندما سأله عن سبب سجنه أجاب أبو علي لقد سجنت بسب حبي لوطني ودفاعي عن الفقراء... مما اسقط بيد الحاكم لعدم وجود مادة قانونية تجرم من يحب الوطن ويدافع عن حقوق الفقراء. فأمر بإطلاق سراحه. تعرض حسين للاعتقال المتكرر والتعذيب وصعوبة ظروف العيش وهذا ربما كان يفسر مايتهم به من اللامبالات واللالمعقولية في بعض المواقف والتصرفات . لقد كان أبو علي عاشقا ومتماهيا مع فكره وطبقته وعموم الكادحين والمظلومين وحلمهم بالمجتمع الاشتراكي السعيد . فسلاما وألف سلام إلى أبو علي وأمثاله الكثيرين من نجوم العمال وعموم المستغلين في صراعهم ضد المستغلين مرتفعة ومتألقة في سماء تاريخ النضال ا لمجيد ضد القهر والاستغلال تمد الحالمين بالحرية والانعتاق من القهر والظلم والاحتلال بالقوة والعزيمة والثبات على طريق الكفاح من اجل التحرر والانعتاق
إلف تحية ثانية لكل الأقمار المترفعة على هوى العناوين والشهرة وتوسل المناصب والألقاب .

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية