اي ديمقراطية نريد؟

حركة اليسار الديمقراطي العراقي
2007 / 8 / 8


لايكاد خطاب سياسي اوتعليق أو مقال وتصريح الاوكانت الديمقراطية مرتكزة الأساسي ولاتكاد تقرا لتنظيم لحركة سياسية اوحزب أو تجمع الاانتهى بالديمقراطي ولاترى اسما وعنوانا ولافتة لاتحاد اومنظمة مهنية أواحد منظمات المجتمع المدني إلا ونهت بعبارة الديمقراطي.
ففي الوقت الذي نرى ان هذا السيل الديمقراطي الجارف في زمننا الحاضر إنما هو مهما كان شكله ومضمونه إنما جاء نتيجة لنضال كافة شعوب الأرض الحرة والمؤمنة بكرامة وحرية الإنسان وسعادته ومقاومتها للحكومات الاستبدادية والدكتاتورية وخصوصا القوى اليسارية والشيوعية والجماهير العمالية والأدباء والفلاسفة والمثقفين نساءا ورجالا في طول ارض وعرضها . نرى ان قوى الرأسمال العالمي وذيوله ومريديه انمايريد ان يفرغوا هذا المفهوم من مضمونه ومحتواه الاجتماعي وجوهره وغايته العدالة والمساواة والسلام لكل شعوب الأرض وخصوصا بلدان الإطراف والقوى المهمشة لتختزل مفهومه في حرية وديمقراطية لراسالمال وكسر كل حواجز المقاومة لشروره ونهمه وسعيه لاستعباد الشعوب ومنها شعبنا العراقي في ظل الديمقراطية الرأسمالية الأمريكية المسلحة.
يسعدنا كثيرا ان نضع دراسة الأستاذ الدكتور عبد الباري الشيخ علي أمام أنظار قرائنا وناشطينا وأصدقائنا وأبناء شعبنا العراقي الكريم وهو يلط الضوء الكاشف على المشروع الأمريكي للديمقراطية المسلحة في عراقنا الجريح.... وليكن المهووسون والمظللين ببريق ديمقراطية رأس المال الفضفاضة على بينة من هذا الأمر وعدم الهرولة العمياء وراء هذا السراب الديمقراطي الزائف الذي لايجر لغير الاستعباد والتخلف والفقر والجهل وان هذا كان من المواضيع الهامة التي ركزت عليها بيانات وتوجهات وتنظير حركة اليسار الديمقراطي العراقي.


العراق..........ومشروع الديمقراطية الأمريكية

بقلم : د. عبد الباري الشيخ علي
تقديم

تهدف الدراسة تسليط الضوء على جوهر الخطاب الأمريكي في ترويج الديمقراطية في المنطقة عموما, وفي العراق خصوصا , وطرح بعض المعالجات النظرية للخروج من واقع الأزمة المفروضة على العراق , حيث أخفقت التحولات السياسية الجارية في إطار المنظور الأمريكي ضمن تأييد القوى السياسية العراقية الفاعلة حاليا على الساحة, لأنها لم تستمد مضمون ومحتوى برامجها من واقع متطلبات الاصطفاف المجتمعي الجديد بالعراق و ضرورات تغييره بانجاز متطلبات الأمن و الاستقرار لمعالجة إعادة بناء الدولة وخلق الأرضية لإعادة الإعمار وتنمية البلاد اقتصاديا و اجتماعيا .
تتألف الدراسة من ثلاثة محاور هي:
أولا: توطئة تاريخية للخطاب الديمقراطي الأمريكي
ثانيا: التغيرات في السياسة الخارجية الأمريكية و المشروع الجديد "ترويج الديمقراطية"
ثالثا: المشروع الأمريكي لإعادة بناء العراق ونظرة للمستقبل.

أولا: توطئة تاريخية للخطاب الديمقراطي الأمريكي

من الصعب تقديم تعريفا شاملا للنظام الديمقراطي لاختلاف و تباين ظروف وفترات نشوءه وتطور مسيرته الناجمة عن الصراعات و النزاعات المختلفة التي نشأت بين جبهة القوى الرأسمالية الناهضة و الساعية لإحداث تغيرات نوعية وكمية في للبنى و الهياكل الاقتصادية وبين جبهة القوى الرافضة لهذه التغيرات خصوصا بما يتعلق بالتصادم بين العناصر الديناميكية لعملية التحول الرأسمالي المطلوب وبين عناصر بقايا الإقطاع و هيمنة السلطة المركزية.
انعكست هذه المسيرة الطويلة و المعقدة في بزوغ تعاريف مختلفة, كما تبلورت دروسا وتجارب عديدة و أحيانا كثيرة متباينة بما يتعلق بالمفهوم الجديد للديمقراطية مقارنة بالتعريف الكلاسيكي القديم . و كنتيجة لقانون تباين تطور القوى المنتجة و علاقات الإنتاج , تطور النظام الديمقراطي وتوطد ببلدان مختلفة عديدة و عبر فترات زمنية متباينة و أخذ أشكالا عديدة. استطاعت بعض البلدان الرأسمالية الناشئة تبني النظام الديمقراطي في فترة زمنية متقدمة من مرحلة تطورها الاقتصادي و الاجتماعي, في حين تأخرت المسيرة الديمقراطية ببلدان أخرى. عموما شهد تطور النظام الرأسمالي أربع مراحل أساسية حسبما طرحه البروفسور وليم روبنسن :
" الفترة الأولى و يطلق عليها عهد الاكتشافات و الغزوات الذي بدأ بوصول كولومبس إلى أمريكا. تميزت هذه الفترة بالمركنتلية
( الرأسمالية التجارية) و التراكم البدائي . تمحورت الفترة الثانية للرأسمالية في المنافسة أو الرأسمالية التقليدية التي نجمت عن الثورة الصناعية و صعود البرجوازية و نشوء الدولة القومية الحديثة و تصاعد مفهوم الحرية و الديمقراطية التي أفرزتها الثورة الفرنسية.
أما المرحلة الثالثة في تاريخ الرأسمالية فقد تميزت بظهور سوق عالمي موحد ونظام الأمة/ الدولة التي سعت بدورها تنظيم الرأسمالية العالمية , وشهد العالم خلالها تطور رأسمالية الاحتكارات و اتحادات الشركات الصناعية و المالية من ناحية, و تكثفت حروب القوى الرأسمالية
و ظهور الفكر الاشتراكي كبديل من الناحية الأخرى . يعيش العالم اليوم المرحلة الأولى من العهد الرابع للرأسمالية (العولمة).. عهد الميكروجيب و الكومبيوتر التي تميز بها عصر المعلومات من الناحية التقنية , و انهيار محاولات القرن العشرين لبناء الاشتراكية
من ناحية , و إخفاق حركة التحرر الوطني من الناحية الأخرى , التي أريد من كلاهما خلق البديل عن الرأسمالية."( 1)
فعبر هذه المسيرة الطويلة شهد العالم الرأسمالي أطوارا مختلفة من الديمقراطية وإن اختصر مضمونها و جوهرها على لعبة الحكم في حماية الملكية الرأسمالية , لذا سوف يتم هنا التركيز على الجوانب الأساسية في دور وتنظيم مسألة علاقات الملكية الرأسمالية في تحديد و تفسير مفهوم النظام الديمقراطي تاركين عمدا الخوض بالجوانب الأخرى لأصحاب الاختصاص في معالجتها.
فبالرغم من التفاوت النسبي في تطور الأنظمة الديمقراطية بالبلدان الرأسمالية المختلفة و قوانينها الموضوعية و الذاتية نرى إن جميع هذه البلدان الديمقراطية اعتمدت في دساتيرها و قوانينها على قدسية مبدأ حماية الملكية الرأسمالية و تنظيم العلاقات بين العمل المأجور و الرأسمال و ضمان تحقيق أعلى الأرباح في بناء هيكل مؤسساتها الإدارية و التنظيمية ووسائل القوة و القمع المعتمدة عليها.
أفرز ترسيخ هذا النظام الديمقراطي الرأسمالي صراعات طبقية بين الشريحة المالكة لوسائل الإنتاج و المسيطرة على تلابيب السلطة ( وهي فئة الأقلية في المجتمع ) من ناحية و بين الأكثرية غير المالكة و المستغَلة مستهدفة ضرورة إعادة تنظيم علاقات الملكية وتغيير الهيكل الاستغلالي بين البناء الفوقي و التحتي في الدولة الرأسمالية الحديثة . تجلى ذلك في انتفاضات و ثورات ذات طابع طبقي كان أهمها ثورات الطبقة العاملة عام 1848 في بعض بلدان أوربا.
لقد اعتبرت مجلة الاقتصادي اللندنية المناصرة لهذه الأنظمة مثل هذه الثورات جميعها تشكل كارثة على النظام الديمقراطي الرأسمالي
حيث ذكرت " إن حكومة تدار من الطبقات السفلى في المجتمع ( يقصد بها الطبقة العاملة) تشكل تحديا للحرية وكارثة للسلام و الرفاه."(2)
استجابت البرجوازية الرأسمالية لبعض المطالب العمالية في تحسين ظروف العمل بعد أن شكلت هذه الثورات و الانتفاضات الامتحان الجدي لاحتمال سقوطها و بالأخص بعد صدور "البيان الشيوعي" وبروز شبح ضرورة وحتمية إحداث تغييرات جذرية
هيكلية للنظام الرأسمالي و بالأخص في هيكل علاقات الملكية.
فأحداث التاريخ حافلة بالسجل أللا إنساني لممارسات النظام الديمقراطي الرأسمالي في سحق الإضرابات و الانتفاضات العمالية وفي هتك الحقوق القانونية الديمقراطية ما دامت تلك المطالب و الدعوات تشكل انتهاكا وتحديا خطرا على علاقات الملكية والإنتاج و الربحية. وضمن هذه الصراعات عجز الفكر الليبرالي , رغم ما حمله من عقائد و تصورات لتوسيع مفهوم الحرية الفردية أو تهذيب حقوق الفرد في مناحي ومجالات الانتخابات و التصويت أو شمول النساء و الشرائح المعدمة و المهمشة ودمجها بالعملية الانتخابية دون تغيير جوهر النظام الاستغلالي . عموما يمكن القول بأن الفكر الليبرالي ظل عاجزا على أن يلعب دورا حاسما و فاعلا و مؤثرا لتغيير أو تحويل جوهر هيمنة وسيطرة " النخبة الرأسمالية" المسيطرة على النظام السياسي الاقتصادي و الدولة .
فكل ما ابتكره الفكر الليبرالي من أفكار وتصورات اقتصرت حصرا وتجلت في مبدأ الفصل بين السلطات التشريعية و التنفيذية و القضائية , بينما استمرت الأكثرية العظمى من السكان تخضع و تعاني من وطأة قوانين و أنظمة وتعليمات الدولة الرأسمالية التي شكلت جوهر الاستغلال المفروض قسرا على المجتمع و في إطار شكليات تشريعية وتنفيذية وقضائية مبتكرة ونافذة.
إن اكتساب النظام الرأسمالي الاستغلالي الشرعية القانونية أجاز لنظامها الديمقراطي شرعية الممارسات العنصرية ليس فقط على البلدان المستعمَرة وشبه المستعمَرة وفرض الوصايا, وإنما أجاز نظامها الديمقراطي و شعاراتها حول الحرية و المساواة إلى ممارسة نظام العبودية في بلدانها للعنصر الأفريقي الذي تم جلبه من خارج حدوده بلادها , كما عمدت إلى إبادة شعبها الأصلي " الهنود الحمر "
وقامت بلدان أوربية ديمقراطية عديدة في استخدام أساليب القتل الجماعي و الإبادة و التعذيب للشعوب المستعمرة من قبلها ونهب خيراتها و إشاعة الأسلوب العنصري في إدارة وتوجيه هذه البلدان.
إن تصاعد الإنتاجية من جراء المكننة و ارتفاع نسبة رأس المال الثابت من جهة , وانخفاض معدل الأجور مما قاد إلى ضعف القوة الشرائية للعاملين من جهة أخرى. برزت ظاهرة فائض الإنتاج و انخفاض معدل الربحية.
ببروز ظاهرة فائض الإنتاج و انخفاض معدل الربحية اتجهت البلدان الأوربية نحو توسيع رقعة مستعمراتها, حيث وصل ذروته في القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين . لقد سيطر الأوربيين حتى نهاية عام 1800 م على نسبة 35% من أقاليم ومناطق
الكرة الأرضية ووضعوها تحت سيطرتهم . ارتفعت هذه النسبة إلى 67% عام 1878م ثم ازدادت على 84% عام 1914م (3)
بعد هذا التاريخ تم احتلال البلدان العربية , حيث استولت الإمبراطورية البريطانية وبسطت نفوذها على العراق ومصر , و السودان و فلسطين و الكويت و الإمارات العربية وقطر وعمان ومسقط, في حين سيطرت الامبريالية الفرنسية على المغرب وموريتانيا وتونس ولبنان وسوريا , كمل تم إلحاق ليبيا بالاستعمار الايطالي, وظلت الجزائر تشكل جزءا من فرنسا "الأم".
فالاستعمار و النهب و الاستغلال و العبودية و استخدام القوة في تحديد و تأطير العلاقة بين بلدان المركز وبلدان الأطراف, كله
اعتبره قادة الأنظمة و الأحزاب الديمقراطية الرأسمالية في أوربا و الولايات المتحدة الأمريكية ضرورات وطنية أساسية تصب في تحقيق مصالح ومصير شعوبهم وديمومة بقاءها و تطورها رغم بعدها عن مراعاة كافة القيم الإنسانية التي تعهدت بها بعد الحرب العالمية الأولى . ساندت الأحزاب الديمقراطية الحاكمة وغير الحاكمة ببلدان المركز هذه التوجهات الاستعمارية و أشاعتها بين صفوف المنظمات المدنية و المهنية استنادا على تبريرات مظللة عندما اعتبرت الدفاع عن النظام الاستعماري يشكل عاملا هاما في تعضيد قوة ومكانة دولتهم الوطنية اتجاه البلدان الأخرى و العالم.
ضمن هذا السياق ذكرت الكاتبة "أنتي هوكفيلت"الناقدة للنظام الاستعماري العالمي ما يلي:-
"تعتبر هذه السياسة أمرا هاما لتشجيع التجارة وخلق فرص العمل وتعظيم مركز الوطن وجعل البلاد دولة قوية نافذة قادرة على المنافسة و مواجهة تحديات البلدان الأخرى."(4)
وضمن هذا السياق يمكن القول إن النظام الامبريالي وعمليات نهب خيرات الشعوب أصبحت تشكل جزءا أساسيا في فكر وممارسات الأحزاب السياسية الديمقراطية التي تقود سلطة الدولة و الحكم فيها , وتم به تحويل هذا النظام إلى هيكل دولي يحدد ويرسم العلاقات الدولية خصوصا بين بلدان المركز وبلدان الأطراف. لذلك اعتبرت مطالب ودعوات الاستقلال و التحرر الوطني و إلغاء التمييز العنصري وغيرها من الممارسات الامبريالية تحديات خطرة تشكل تهديدا و تخريبا للنظام الديمقراطي العالمي يتوجب
القضاء عليها بجميع الوسائل و السبل حتى و إن اعتمدت هذه المطالب و الدعوات على الأساليب الديمقراطية و السلمية الشرعية المتعارف عليها ضمن القوانين الدولية . و التاريخ حافلا بالأدلة حول التدخلات المباشرة و الغير مباشرة في جميع أرجاء العالم وما جلبته من مآسي لا إنسانية على هذه الشعوب.
دق ناقوس الخطر على النظام الديمقراطي الغربي عندما ظهر الفكر الاشتراكي الماركسي و اعتبر شبحا يخيم على أوربا رغم تأكيدات معظم قادة هذه الحركة الاشتراكية – الماركسية في بداية تكويناتها التنظيمية بتمسكهم بالديمقراطية. وهذا ما أكدت عليه رائدة الفكر الاشتراكي روزا لكسمبورغ حينما قالت " لا توجد اشتراكية من دون ديمقراطية , كما لا توجد ديمقراطية من دون اشتراكية"
اعتبر النظام الرأسمالي الديمقراطي الدولي ثورة أكتوبر عام 1917 في روسيا تحولا خطرا بارزا لما تضمنته من تغييرات جذرية بعلاقات الملكية الرأسمالية و احتمالات تبني و اعتماد البلدان الأخرى إلغاء هيمنة الملكية الرأسمالية , مما قد يؤدي إلى تغيير الهيمنة و السيطرة على النظام السياسي و الاقتصادي الدولي.
وباسم الدفاع عن الحرية و الديمقراطية أجازت البلدان الأوربية و الولايات المتحدة الأمريكية لنفسها حقا دوليا شرعيا للتدخل العسكري المباشر و إشعال الحروب المباشرة و الأهلية وفرض الحصار و المقاطعة و غيرها من الهجمات البربرية أللا إنسانية التي سمحت بها حكومة الإمبراطورية البريطانية لنفسها باسم الدفاع عن الديمقراطية باستخدام الغازات السامة ضد جيش الثورة البلشفية وفرض أقسى أساليب الحصار و المقاطعة السياسية و الاقتصادية لتجويع شعوب الاتحاد السوفيتي لعشرات السنين وذهب ضحيتها الملايين . كل ذلك بهدف إسقاط هذا النظام الجديد الذي يشكل خطرا على علاقات الملكية و النظام الديمقراطي الرأسمالي الدولي و لكي لا يكون نموذجا تحتذي به بقية الشعوب. على النقيض من هذه الممارسات ضد الاتحاد السوفيتي ونظامه الجديد نرى إن الديمقراطية الرأسمالية الغربية لم تعتبر قدوم الفاشية في ايطاليا وتصاعد الحركة النازية في ألمانيا و استلام السلطة في هذين البلدين تحديا أو خطرا عليهما, كما لم تشكل إجراءات النظام الفاشي في ايطاليا و النازي في ألمانيا سواء تلك التي ألغت البرلمان ومنعت الأحزاب و المنظمات المهنية و المدنية و الصحافة و واعتقال الممثلين المنتخبين من الشعب أو الأعضاء العاملين في صفوف الحزب الشيوعي و الاشتراكي الديمقراطي الذين يشكلون الأغلبية البرلمانية وزجهم في السجون و المعتقلات و معسكرات الموت وغيره من الأعمال التي تتعارض و النهج الديمقراطي الرأسمالي. وظلت البلدان الغربية , خصوصا بريطانيا و الولايات المتحدة الأمريكية تؤيد مثل هذه التحولات وكلما توغل هذان النظامان الفاشي و النازي في محاربة وقتل الاشتراكيين و زعماء النقابات العمالية نرى إن الديمقراطية الرأسمالية العالمية تحتضن هذه الأنظمة الديكتاتورية و توثق العلاقة معها. فقد قام النظامان البريطاني و الأمريكي بتقديم العون المالي و التقني لحكم النازي في ألمانيا ليتجاوز هذا النظام أزمته الاقتصادية و ترسيخ دعائم حكمه . وفي إطار هذا السياق يذكر الكاتب الأمريكي الشهير نعوم خومسكي ما يلي :
" في الوقت الذي كان ظلام الفاشية ينسد ل على ايطاليا كان العون المالي من حكومة الولايات المتحدة الأمريكية ونشاط أوساط الأعمال الأمريكية يقفز إلى الأعلى وبسرعة مذهلة . لقد قدمت لايطاليا تسويات متميزة لديونها الحربية أفضل بكثير من أي قطر آخر عندما ثبت النظام الفاشي أقدامه و أزال القلاقل العمالية وغيرها من الاضطرابات الديمقراطية."(5)
علاوة على ذلك أحجمت الديمقراطية الرأسمالية الغربية عن معارضة أو التصدي اعتداءات الحكم الهتلري وسياسته العنصرية ضد اليهود و الغجر . فكلما عمقت هذه الأنظمة هذه التوجهات أللا ديمقراطية و أللا إنسانية نرى التقارير السياسية و الدبلوماسية الأمريكية تسهب المديح للجوانب الإيجابية للنظامين الفاشي و النازي.
بجانب ذلك سكتت الأنظمة الديمقراطية الغربية , ولم تعارض أو تتصدى للتدخل العسكري العدواني- الدموي للقوات العسكرية الألمانية و الايطالية لإسقاط الجمهورية الديمقراطية البرلمانية الأسبانية و إحلال الحكم الفرنكوي الدكتاتوري باعتباره لا يشكل خطرا على هيكل الملكية الرأسمالية العالمية مثلما يشكله النظام الديمقراطي البرلماني المنتخب من أكثرية الشعب الأسباني .
وفي إطار تقسيم أوربا بعد الحرب العالمية الثانية بين الإتحاد السوفيتي و معسكره الجديد أوربا الشرقية , و الولايات المتحدة الأمريكية ومعسكرها أوربا الغربية , قامت أمريكا بإعادة بناء الدولتين ألمانيا و ايطاليا بواسطة قوى يمينية محافظة و بالتعاون مع بقايا القوى النازية و الفاشية بعد أن تبنت النظام الديمقراطي الرأسمالي الذي تقوده أمريكا. من اجل دعم و ترسيخ هذا النظام الديمقراطي السياسي في أوربا الغربية قامت المؤسسات الأمريكية ليس فقط بالدعم المالي و إنما أيضا بالتدخل المباشر و غير المباشر لدعم هذه القوى الحاكمة الجديدة خصوصا في حالة ميل المد الشعبي لصالح الأحزاب اليسارية و العمالية أو بروز احتمال حصول هذه الشرائح على الأغلبية بالانتخابات البرلمانية الديمقراطية أو احتمال تشكيل هذه القوى حكومات ديمقراطية ائتلافية أو إنها سوف تشارك في تشكيلة الحكومة و القرار السياسي بشكل عام . وقد أظهرت عديد من الوثائق السرية عن احتمالات قيام الولايات المتحدة الأمريكية في الإعداد و التحضير لانقلابات أو تدخل عسكري في بعض بلدان أوربا الرأسمالية الغربية عند احتمال فوز القوى الشيوعية أو اليسارية بالانتخابات البرلمانية العامة.
وحول توثيق الكثير من التدخلات أللا شرعية و أللا ديمقراطية التي قامت بها الديمقراطية الأمريكية يذكر الكاتب الأمريكي نعوم خومسكي حول هذه الحقيقة حينما يشير " إن استعراضا خاطفا للسجل التاريخي يبين إن المحور الدائم للسياسة الخارجية الأمريكية
كان تخريب الأنظمة البرلمانية و الإطاحة بها و اللجوء إلى العنف لتدمير المنظمات الشعبية التي تتيح لأغلبية السكان فرصة الدخول إلى الحلبة السياسية . فإذا كنا نعني الديمقراطية بموجب الأسلوب الأمريكي نظاما سياسيا يجرى انتخابات منظمة دون تحد خطير لحكم طبقة رجال الأعمال , فإن صانعي القرار في الولايات المتحدة هم إذن تواقون بلا ريب رؤيتها – الديمقراطية وهي تثبت أقدامها في أرجاء العالم كله . لذلك فإن العقيدة لا تقوضها الحقيقة القائلة بأنها عقيدة تنتهك باستمرار بتفسيرات مختلفة لمفهوم الديمقراطية. كنظام يقوم فيه المواطنون بدور ذو معنى في إدارة الشؤون العامة."(6)
تم توكيد سياسة التدخل السياسي الأمريكي المباشر وممارساته بشكل عام وفي بلدان العالم الثالث بشكل خاص في إطار مبدأ ترومان عام 1947 الذي تضمن بموجبه أن تلعب أمريكا دو " الشرطي" الدولي لمواجهة التهديدات و التغييرات الاقتصادية و الاجتماعية الساعية لتقليص و/أو إزالة نفوذ مصالح الملكية الرأسمالية العالمية, وتحول هذا المبدأ إلى قاعدة و أساس للسياسة التي يطلق عليها " حماية وضمان الأمن القومي و الدفاع عن المصالح الأمريكية" التي تعكس في الحقيقة و الواقع فقط حماية ملكية رأس المال العالمي ومصالح النخب الأمريكية المسيطرة عليه . وضمن هذا المبدأ اعتبر نضال ومساعي بلدان العالم الثالث من أجل الاستقلال و التحرر الوطني يشكل تحديا لهياكل الملكية الرأسمالية الدولية وخرقا واضحا لمضامين "الحرية و الديمقراطية" الغربية. فالتدخل السياسي الأمريكي تحت مظلة الدفاع عن النفس أو لضرورات الأمن القومي في جميع أرجاء المعمورة وفي بلدان نائية بعيدة آلاف الأميال و التصدي لأنظمة برلمانية منتخبة , جميع هذه الأعمال تنفي إدعاءات أمريكا في الدفاع عن الديمقراطية وعزمها على إشاعة أنظمة ديمقراطية وطنية بالبلدان حديثة الاستقلال, و إن خطابها الديمقراطي و سياستها الخارجية لا تعدو أن تكون حماية مصالح الملكية الرأسمالية العالمية . لذلك ساندت الحكومات الديكتاتورية بالعالم .الثالث وممارساتها أللا إنسانية و المعادية لحقوق الإنسان ضد شعوبها, مادامت هذه الأنظمة لا تلبي مطالب حركة التحرر الوطني و تعادي الشيوعية و الاشتراكية وتضمن ملكية الرأسمال الأمريكي. بهذا الصدد يورد الكاتب الأمريكي نعوم شومسكي تصريحات جورج كينان أحد كبتر المسئولين بوزارة الخارجية الأمريكية حينما قال " أن حماية مواردنا في أمريكا اللاتينية و في غيرها من بلدان العالم يجب أن تكون موضع اهتمامنا الكبير ... و أضاف يقول: بما إن التهديد الأساسي لمصالحنا هو تهديد محلي فعلينا أن ندرك إن الحل النهائي قد يكون حلا مزعجا ألا وهو القمع البوليسي من قبل الحكومات المحلية. إن إجراءات القمع الحكومية العنيفة لا ينبغي لها أن تحرجنا طالما إن النتائج النهائية هي في صالح أغراضنا . وعلى العموم فان من الأفضل أن نرى نظاما قويا في السلطة من وجود حكومة متساهلة و متراخية و يتغلغل فيها الشيوعيين.(7)
شكل التوجه الجماهيري بعد الحرب العالمية الثانية في البلدان المستعمرة و شبه المستعمرة ضد النهب الامبريالي ومن اجل الاستقلال الوطني خطرا أساسيا على النظام الرأسمالي الديمقراطي الدولي , وبالأخص عندما أخذت توجهات حركة التحرر تشير إلى احتمال تنظيم الجماهير نفسها لدعم مهام ثورة التحرر الوطني و إشاعة أنظمة ترتكز على الهيكل البرلماني – الديمقراطي و احتمال انسلاخ هذه البلدان عن هيمنة و سيطرة منظومة النظام الر|أسمالي . اعتبرت أمريكا رائدة النظام الديمقراطي الدولي بأن هذه الأنظمة خطرا يتوجب القضاء عليها بأي أسلوب و ترجمت ذلك عمليا حين تم ضرب النظام الديمقراطي البرلماني في إيران و غواتيمالا أوائل خمسينيات القرن الماضي باعتبارها أنظمة جماهيرية تهدد النظام الديمقراطي الدولي . فلقد اعتبرت إجراءات تأميم النفط في إيران من قبل حكومة رئيس الوزراء مصدق المنتخب من الشعب ديمقراطيا تشكل خطرا على الرأسمالية الديمقراطية يتوجب التدخل المباشر للإطاحة به بانقلاب عسكري قادته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.
يستشهد الكاتب الأمريكي نعوم خومسكي في معرض حديثه حول مبدأ التدخل الأمريكي ومساعيه لتغيير النظام الديمقراطي في غواتيمالا بتقرير مجلي الأمن القومي الأمريكي الذي ورد فيه :
"بأن التهديد الرئيسي لمصالح الولايات المتحدة تطرحه الأنظمة الوطنية التي تستجيب للمطالب الشعبية من أجل تحسين نوعي لمستويات المعيشة المنخفضة للجماهير و من اجل تنويع اقتصاديات هذه البلدان . إن هذا الاتجاه لا يتعارض فقط مع الحاجة إلى حماية مواردنا , بل يتعارض كذلك مع اهتمامنا لتشجيع الاستثمار الخاص و وتحويل عوائد معقولة للرأسمال الأجنبي."(8)
يعكس هذا التقرير بوضوح جوهر الخطاب الديمقراطى الأمريكي اتجاه الدول المستقلة حديثا بالأخص اتجاه الأنظمة الوطنية التي تحاول الاستجابة للمطالب الاقتصادية و الاجتماعية الوطنية الملحة لغالبية الجماهير و التي تعكس الديمقراطية الموضوعية لهذه البلدان .
لذلك اعتمدت المصلحة الأمريكية على أنظمة غير ديمقراطية ودكتاتورية . انعكس ذلك في الدراسة التي أعدها مكتب الاقتصاد
الحديث , التي انطلقت من تقسيم السياسة الأمريكية لبلدان العالم الثالث إلى:
أ. دول حرة
ب. دول حرة جزئيا
ج. دول غير حرة
لقد أظهرت هذه الدراسة بأن أكثر من 72% من الاستثمارات الصناعية الأمريكية تدفقت إلى البلدان غير الحرة. استمرت هذه السياسة الاستثمارية الأمريكية حتى بعد انتهاء الحرب الباردة ودعمت بسياسة تجارية , حيث ارتفعت استيرادات الولايات المتحدة
من هذه البلدان غير الحرة من50% إلى 75%من مجموع استيراداتها ... التي وجهت معظمها لسد احتياجات الشركات الأمريكية كمدخلات إنتاجية (مواد أولية أو شبه مصنعة ) وبأسعار زهيدة لضمان وتعزيز قدراتها التنافسية و تصعيد معدلات أرباحها.
يدافع المحللون الاقتصاديون المناصرون لهذا التوجه على أهمية انخفاض الأجور بالبلدان الدكتاتورية غير الحرة بالمقارنة بمستويات الأجور بالبلدان الحرة أو شبه الحرة .بهذا الخصوص أورد الكاتب باول ستريت بعض الأرقام التي وردت ضمن الدراسة التي أعدها الأستاذ (رودريك) والتي شملت (93) بلدا بالعالم , حيث ظهر إن العمال الصناعيين بالبلدان الحرة يتقاضون أجورا تزيد 30% عن زملائهم بالبلدان شبه الحرة وأكثر من 60% عن مستوى الأجور بالبلدان غير الحرة."(9)
إن هذا الاختلاف بمستويات الأجور ناجم عن الاستجابة النسبية للبلدان المختلفة لمطالب الشغيلة و ما توفره دولها من إعانات ومساعدات اجتماعية ( الصحة و التعليم و تعويضات البطالة و التقاعد) وغيرها. لذلك يبرر الاقتصاديون و السياسيون الأمريكيون ايجابيات الأنظمة غير الحرة باعتمادها مستويات أجور منخفضة و لانعدام تعويضات الضمان الاجتماعي و غيرها من الكلف الإضافية.
تجلى تشجيع الولايات المتحدة الأمريكية لمثل هذه السياسة بما ذكره احد الخبراء الأمريكيون حول إسناد أمريكا لنظام سوهارتو الدكتاتوري حيث ذكر:" إن الديمقراطية هي شكل النظام الذي نرغب به لكنه ليس بالضرورة أن يكون هيكلا فاعلا للسلطة و الحكم . فالأنظمة الدكتاتورية القوية توفر عملية اتخاذ قرارات سريعة وتضمن لنا نتائج ومنافع اقتصادية باهرة علاوة على كبحها المعارضة . جميع هذه الصفات يرحب بها قادة رجال الأعمال الذين يعملون في هياكل أنظمة لا ديمقراطية." (10)
و القارئ, بلا شك, على اطلاع كاف بمسألة مساعدة أمريكا قدوم حزب البعث إلى السلطة في العراق ,كما قدمت جميع أنواع العون المالي و العسكري لنظام صدام عندما أعلن عدائه للديمقراطيين و الشيوعيين وكيف مدته بالمال و السلاح لمحاربة الثورة الإيرانية عندما شكلت خطرا على مصالح أمريكيا بالمنطقة.
ثانيا التغيرات في السياسة الخارجية الأمريكية ومشروع ترويج الديمقراطية
اعتمد التوجه الأيدلوجي للهيمنة الأمريكية على ما أطلق عليه " إجماع أو اتفاق واشنطن" , وهو تحالف باتفاقات غير رسمية عقدت عبر عقدي الثمانينيات و التسعينيات من القرن الماضي بين الشركات العالمية الكبرى ( لما فوق القومية ) ومجموعة مصارف الوول ستريت و البنك المركزي الاتحادي الأمريكي و المنظمات العالمية ( البنك الدولي و صندوق النقد الدولي). استهدف إجماع واشنطن السعي إلى توجيه الاقتصاد العالمي بالاعتماد على الأسس التالية.( 11)
- ضرورة قيام كل بلد مَدين في تبني وتنفيذ إصلاحات في نظامه الضريبي لأجل خفض الأعباء الضريبية على شرائح الدخل العليا لتمكين الأغنياء الولوج إلى مجالات الاستثمار المربحة , وبذات الوقت توسيع أعداد السكان الخاضعين للضريبة و إلغاء التسهيلات الضريبية على شرائح فئات الفقراء من السكان ...كل ذلك من أجل زيادة الإيرادات الضريبية للدولة.
-تحرير الأسواق المالية الكامل و السريع
- ضان المعاملة المتكافئة للاستثمارات المحلية الوطنية و الأجنبية لأجل تحفيز الاستثمارات الأجنبية المباشرة في اقتصاديات البلدان المختلفة .
- التحطيم الكامل للقطاع العام و العمل المنتظم على خصخصة ممتلكات الدولة و القطاع المختلط.
-إزالة التعليمات و التوجيهات و القيود الوطنية لتنظيم النشاط الاقتصادي المحلي و علاقاته الخارجية , بحجة تصعيد المنافسة بين القوى الاقتصادية.
- حماية الملكية الرأسمالية الخاصة المحلية و الأجنبية .
- تشجيع العلاقات التجارية الدولية و السعي على خفض التعريفة الجمركية في كافة البلدان بنسبة قدرها 10% سنويا كحد أدنى.
- تشجيع التبادل التجاري في مجال الصادرات مما يتطلب من البلدان المختلفة إعطاء الأولوية للاستثمارات في تلك الفروع الاقتصادية الموجهة للتصدير و تقديم التسهيلات و الحوافز لها لأجل زيادة الصادرات من السلع و الخدمات.
بكلمات أخرى إلغاء الحماية للإنتاج الوطني الصناعي و الزراعي الموجه أساسا للحلول محل المستوردات.
- السعي إلى تحقيق التوازن في الميزان التجاري و ميزان المدفوعات و تقليص العجز فيهما.
- تبني شفافية السوق مما يعني تقليص و/أو إلغاء الإعانات الحكومية إلى المؤسسات و الأفراد , كما ينبغي على البلدان, خصوصا بلدان العالم الثالث التخلي عن سياسة دعم أسعار المواد الغذائية الضرورية للسكان , وإعطاء الأولوية للاستثمارات في القطاعات التي تهدف إلى تطوير البنى الارتكازية فيها. (12)
يؤكد نعوم خومسكي على إن إجماع واشنطن فرض تأثيرات واسعة و كبيرة على النظام العالمي و إن بعض المؤسسات الدولية اعتبرته بمثابة حكومة عالمية مفروضة بالأمر الواقع.(13)
إن إجماع واشنطن شكل القاعدة لسياسية البلدان الصناعية المتقدمة ( النخبة الدولية) وفي رسم هيكل سياسة التكييف الهيكلي لصندوق النقد الدولي و المشروطية التي يفرضها على البلدان النامية ( المتخلفة) في تقديم القروض المالية بالانتقال من مهمة رسم سياسة الاقتصاد الكلي( ماكرو) لتنظيم ميزان المدفوعات إلى التدخل وفرض الشروط على الاقتصاد الجزئي( مايكرو) لتضم مجمل السياسة الاقتصادية الوطنية لهذه البلدان . لذلك يطلق بعض الاقتصاديين و السياسيين الغربيين على هذه المنظمة اسم" دكتاتورية المالية العالمية". وأخذت هذه السياسة ( إجماع واشنطن ) تشكل جوهر سياسة المؤسسات الدولية كالبنك الدولي ومنظمة التجارة الدولية وغيرها من المؤسسات المعنية التي تهيمن وتدير الاقتصاد الدولي أو ما يطلق عليه الآن الليبرالية الجديدة لنظام السوق الحر.
يذكر البروفسور الأمريكي جوزيف ستكلتز. الحائز على جائزة نوبل بالاقتصاد و الذي عمل رئيس خبراء للإدارة الأمريكية في عهد كلينتون "إن إجماع واشنطن في تطبيقه تحرير سوق رأس المال على البلدان النامية أو في البلدان التي في مرحلة الانتقال لم تكن وصفة جيدة تتناسب ومتطلبات هذه البلدان. ففي البلدان الصناعية تدخلت الدولة لحماية الصناعة الوطنية وتطويرها لتصبح قادرة على المنافسة بالسوق العالمية , وإن فتح الأبواب للرأسمال الأجنبي للتنقل بحرية وبدون رقابة في البلدان النامية سوف يجعل من البضائع وكذلك المنتجات الزراعية غير قادرة على المنافسة مع بضائع وسلع البلدان الصناعية ذات الكثافة في رأس المال و الإنتاجية المرتفعة , مما يقود إلى الزيادة في صفوف العاطلين وتعمق ظاهرة حالة الفقر و الجوع." ( 14)
يضيف في صفحة (18) من المصدر أعلاه بعد تقديم الأدلة و الحجج حول الكوارث التي لحقت بالبلدان التي أخذت بمشروطيات صندوق النقد ووصفاته التي أطلق عليها " التكيف الهيكلي" "بأن فتح الأبواب فجأة قبل تشييد مؤسسات مالية قوية وكفوءة سوف يلغي فرص العمل القائمة بأسرع من خلقه فرص عمل جديدة."
كما إن فرض شروط التقيد بالسياسة النقدية يقود إلى تحريم المساعدات و الإعانات التي تقدمها الدولة لسد الاحتياجات الاجتماعية الضرورية من ناحية , وتساهم في خلق حالة عدم الاستقرار النسبي بالبلاد من الناحية الأخرى .
فهذه السياسة الهيكلية ناجمة عن خلفيات التحولات التاريخية العنيفة بالأحداث عبر عملية الانتقال من الأمة/ الدولة بالبلدانالرأسمالية إلى مرحلة الدولة الكونية , وهي تحولات نوعية جلبت معها أعلى وتائر التطور الإنتاجي ... وهذه حقائق تاريخية موثقة لا ينكرها حتى مناهضي مسيرة العولمة و القوى اليسارية الرافضة للرأسمالية , ولكن هذه المرحلة عمقت بنفس الوقت جوهر الاستغلال العالمي و صاعدت معدلاته إلى أعلى مستوى عرفته مراحل التطور التاريخي و استقطبت الثروة بيد قلة ضئيلة. يذكر البرفسور وليم روبنسن :
" إن مشكلة الجوع و الحرمان بشكل عام هي ليست قلة أو شحة الموارد , ولكن أين تكمن هذه الثروة
وكيف توزع ومن هي الفئة الاجتماعية أو الطبقات التي تسيطر على هذه الموارد وكيف يجري استعمالها. فخلال
أعوام 1980 – 1990 حقق الاقتصاد العالمي نموا ثابتا ولكن بذات الوقت تدهور المستوى ألمعاشي
لغالبية شعوب العالم وتعمقت الفجوة بين الغنى و الفقر و ازدادت بوتائر سريعة لم يعرفها تاريخ المجتمعات الحديثة (15)
يطلق الكاتب على هذه المرحلة بأنها تشكل عنصرية المجتمع الكوني الجديد و كما يذكر بنفس المصدر أعلاه و على صفحة (147) بأن الأزمة التي تواجه الرأسمالية الكونية ومنذ مدخل هذا القرن تتضمن أربعة أوجه متداخلة و مترابطة وهي:
- فائض في الإنتاج ونقص في الاستهلاك أو يمكن أن يطلق عليه الفائض التراكمي .
- الاستقطاب الاجتماعي الكوني
- أزمة شرعية الدولة والسلطة السياسية .
- القدرة على قوة البقاء و الديمومة وهذا ما يطلق عليه التناقض ما بين الرأسمالية و الطبيعة .
إفرز النظام الكوني الديمقراطي حالة من الاستقطاب وعمق الفجوة بين بلدان الشمال و الجنوب وعلى سبيل المثال و ليس الحصر فان نصف سكان العالم أو ما يعادل(3) بليون إنسان يعيش الفرد بدخل يومي لا يتجاوز (2) دولار و يشكل الناتج المحلي الإجمالي ل(48)من الدول الأكثر فقرا أو 25% من سكان العالم اقل من ثروة ثلاث من أكبر الأغنياء سوية . ويعيش أكثر من بليون طفل في حالة الفقر ( 1 إلى 2 من أطفال العالم ) ويموت 10,6 مليون طفل سنويا بعمر لا يتجاوز (5) سنوات ( أو ما يعادل 29 ألف طفل يوميا ). هذه الحقائق أللا إنسانية التي يقودها النظام الديمقراطي الدولي وتغيب مناقشتها لتبيان الأسباب الكونية للفقر. هذه الطبيعة الاستغلالية لهيكل النظام الكوني قد أوجدت استقطابا حتى في مجتمعات بلدان المركز ( المتربول) . ففي بريطانيا مثلا يمتلك 50% من مجموع الشعب لبريطاني 1% من إجمالي ثروة البلاد في حين كانت هذه الفئة تمتلك 12%عام 1976 . وردت هذه الأرقام في جريدة الاندبندت في ابريل عام 2000 , كذلك الحال في الولايات المتحدة الأمريكية ففي عام 1988 استحوذت فئة نسبتها 10% من السكان على 73% من الثروة الوطنية وفي تقرير آخر حول زيادة الاستقطاب بالبلدان الرأسمالية المتطورة ذكر إنه يوجد (66)ملياردير عام 1989 وهناك 31,5 مليون فردا أمريكيا يعيش دون خط الكفاف وبعد عقد من السنين ازداد عدد المليارديرين إلى (268) فردا و ارتفع عدد الفقراء إلى 34,5 مليون وبحدود دخل سنوي للعائلة الواحدة من 3 أشخاص لا يتجاوز 13 ألف دولار و الذي يعتبر دون حد الكفاف .
وفي مقالة نشرتها جريدة الكارديان في 27 فبراير عام 1996وظهرت على موقع الانترنت Global issues.org cause of Po verty
ذكر فيها بوجود أشكال من الفقر حاليا في بلدان أوربا يمكن اعتبارها من السوء الذي لا يختلف عن تلك الأشكال السائدة في البلدان الأخرى عند مقارنتها على سبيل المثال بالهند.
ومن مفارقات ديمقراطية النخبة الكونية نرى إنها تساند هذه الأقلية الغنية في الانتخابات و السيطرة على الإدارة السياسية
و الاقتصادية وتوجيه المجتمع وترفض هذه الفئة من المرشحين خلال الحملة الانتخابية, حتى رياءا , طرح مشكلة تحسين أحوال المعيشة للشعب بشكل عام أو معالجة ظاهرة الفقر بشكل خاص . يذكر بول ستريت مفصلا حول أزمة الأكاديميين الراديكاليين لبلدان المركز في تفسير العولمة وتأثيرها على العمال و الديمقراطية.(16).
إننا لا نروم من هذا الطرح معارضة العولمة بشكل مطلق , كما قد يتصور البعض ولكن من حقنا كديمقراطيين نؤمن بالنهج الوطني و المقتضيات الموضوعية لبلادنا من إبراز تأثيراتها السلبية و الرد على ما يردده بعض الليبراليين في بلداننا وبعض وسائل الإعلام حول تأثيراتها الإيجابية .
إن دراسة التاريخ بشكل موضوعي ضرورة لفهم الواقع وتنبؤات المستقبل . فعلى سبيل المثال لا ينكر احد بأن نشوء وتطور النظام الرأسمالي كان تطورا تقدميا عندما قضى على النظام الإقطاعي الذي شكل عائقا أمام المسيرة الحتمية للتطور التاريخي , ولكن لا يمكن أن ينكر أحد من ذكر الحقيقة التاريخية المعترف بها بأن هذا النظام قد جلب معه الاستعمار و الحروب و الإبادة الجماعية و العنصرية لشعوب المستعمرات ونهب ثرواتها و استغلالها و إفقارها وخلق الأسس ومقومات تخلفها المزمن.
ولأجل تمرير أهداف وغايات إجماع واشنطن الاقتصادية على البلدان النامية ( الجنوب ومنها البلدان العربية) شرعت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية في تغليفه بإطار سياسي جديد أطلقت عليه مشروع ترويج الديمقراطية و اعتبرته جزءا مكملا لسياستها
الخارجية الساعية ليس فقط إلى استمرار الهيمنة و السيطرة على العالم فحسب , بل اعتبرته ضمانة مؤكدة لتوفير بيئة سياسية اقتصادية لعمل وتوظيف رأس المال الكوني وضمان مصالح الولايات المتحدة و الغرب و الشركات العالمية بالدرجة الأولى.
علاوة على ذلك استهدفت الولايات المتحدة بتبني مشروعها الجديد" ترويج الديمقراطية " اختراق شرائح واسعة من سكان العالم النامي ( الجنوب) بما فيها البلدان العربية لأجل مواجهة الضغوط المتزايدة للحركات الشعبية التي أخذ نضالها يتسع و يتصاعد ضد الأنظمة المحلية لإجراء تغييرات اقتصادية اجتماعية التي تتعارض ومتطلبات هيمنة العولمة التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية بجميع أبعادها بشكل مطلق .
من أجل قيادة التحول و الانتقال إلى أنظمة ديمقراطية جديدة يتماشى و مشروعها الاستراتيجي عملت أمريكيا بشكل هادف على خلق وإسناد نخب محلية يتم اختيارها بالأسلوب الطوعي عبر الانتخابات يضمن لها الهيمنة على السلطة لتعمل كوكيلة للنخبة الكونية التي تهيمن و تقود الاقتصاد الكوني . لذلك فإن شعار " ترويج الديمقراطية " يمكن فهمه باعتباره جزءا أساسيا لعملية الاحتواء و الهيمنة على مجتمعات بلدان الجنوب ضمن توليفة ما يسمى بالمجتمع المدني الكوني . وبذلك أعطى النظام الكوني حاليا أبعادا جديدة لهيكل العلاقات الدولية وخصوصا بين الشمال و الجنوب.
بخصوص هذا التركيب الهيكلي للنظام الدولي الجديد يذكر البروفسور وليم روبنسون بـ "أن هذا النظام الاقتصادي العالمي يتحكم به احتكار رأس المال ويدار من قبل وكلاء يشكلون نخبة عالمية واعية لمصالحها الطبقية و تتخذ من بلدان المركز (الشمال) مقرا لإدارة هذا النظام الذي تقوده الولايات المتحدة . إن تسارع عملية تمركز رأس المال و القوة الاقتصادية و المالية بأيادي هذه النخبة العالمية في بلدان المركز جعل لها القدرة على التأثير بشكل حازم في تنظيم العلاقات بين شرائح المجتمع وتكوين اصطفاف طبقي جديد و تشييد النظام السياسي في كل بلد من البلدان التي يحتويها هذا النظام, وذلك من خلال إعادة توزيع الحصص و المنافع من عمليات تراكم النفوذ السياسي و الاقتصادي في كل إقليم من الأقاليم التي ترتبط بالرأسمالية الكونية و الشركات العالمية الكبرى ومجمل الاقتصاد الكوني . بالتالي يصبح تسيير الاقتصاد و السياسة في هذه الدول منسجما وخاضعا لمسيرة العولمة التي تقودها النخبة الحاكمة الكونية وتضع لها وكلاء تكنوقراط في كل بلد من بلدان الجنوب لتراقب مسيرة إعادة التركيب الاقتصادي الاجتماعي الجديد."(17)
إن تبني سياسة الليبرالية الجديدة للاقتصاد العراقي و القبول بشروط صندوق النقد الدولي من قبل السلطة العراقية و بدون معرفة و استشارة الشعب العراقي و بدون حياء وشرف وطني سوف لا يقود فقط إلى استحالة بناء اقتصاد وطني و إنما أيضا إلى ليبرالية المجتمع العراقي بتهميش دور المنظمات المهنية و تجريدها من دورها المستقل بالدفاع عن المطالب الحياتية لغالبية المجتمع من خلال إخضاعها للمحاصة الطائفية و العرقية وشق وحدتها المهنية وتمرير متطلبات القوانين الاقتصادية و الاجتماعية التي تفرضها السلطة طبقا لتنفيذ تعهداتها الدولية( شروط النقد الدولي) التي تتعارض و تتنافى ومتطلبات خدمة المجتمع و معالجة مشكلة تسعة ملايين عراقي يعيشون دون خط الفقر كما جاء ذلك مؤخرا في تقرير الجهاز المركزي للإحصاء العراقي . إن القبول بظاهرة الفقر كحالة هيكلية في المجتمع يجرد السلطة من سيادتها عندما يفقد الفرد ابسط حقوق المواطنة في ضمان متطلبات الحياة اليومية , وسوف تسعى مثل هذه السلطة , من اجل بقاءها إلى استجداء مطاليبها من الخارج( مهما بالغت بعوائد صادرات البترول ) وتفقد علاقتها بغالبية شرائح المجتمع حتى وإن تبجحت شكليا بالحرية السياسية و نظام الانتخاب البرلماني . لقد توقعنا من احتمال هيمنة مثل هذه الأنظمة بالعراق اعتمادا على تحليلنا لطبيعة الأحزاب السياسية العراقية المعارضة في الخارج و انعدام برنامج اقتصادي- اجتماعي مشترك يوضح ماهية البديل عن نظام صدام حيث ذكرنا في مقال نشر في جريدة الزمان اللندنية بتاريخ 26-27-28- مايو عام 2002 "إن مثل هذه الأنظمة سوف تعمق من أزمتها وتصبح عاجزة عن حلها وسوف ترى جراء ذلك إن مطالب المجتمع الديمقراطي أصبحت ركنا يهدد كياناتها . عند ذلك تأخذ الصراعات الاجتماعية و السياسية الطابع ألعنفي و بالخص عندما تضطر النخب الديمقراطية , من اجل البقاء في السلطة التخلي عن القوانين الديمقراطية السياسية . ولكن فشل مثل هذه الأنظمة بتطبيقها الشروط و التوجهات الاقتصادية و السياسية للنخبة الدولية , سوف ترتدي بالمظهر الخارجي رداء الديمقراطية ضمن مفهوم الخطاب الديمقراطي الدولي."
وباختصار فإن مثل هذه الأنظمة المفروضة على البلدان النامية تشكل أدوات جديدة وامتدادا لعملية الهيمنة الرأسمالية الدولية ,وإن تبنيها و اعتمادها على الديمقراطية السياسية النسبية سوف لا يغير من جوهر علاقات الاستغلال الدولية التي تكمن فيها أسباب أزمة التخلف و الفقر و الجوع. و إن تبعات المشروطيات الليبرالية الدولية الجديدة سوف تفرز اقتصاديات مشوهة وفرض أنماط استهلاكية معينة قد لا تكون بالضرورة تلبي الاحتياجات الحقيقية لغالبية السكان .
إذا كانت الديمقراطية في البلدان الغربية التي تجلت أهميتها في حرية الاختيار وفي الاستجابة للمتغيرات في ميول المستهلك الفرد ضمن اقتصاديات السوق و الاعتراف بسيادته على المستوى السياسي , فقد أهملت هذه الاختيارات في بلدان الجنوب وعدم قبول حق اعتماد هذه البلدان على خياراتها الخاصة و الاعتراف بمبرراتها في اتخاذ القرارات التي تسعى تحسين حياتهم وتحقيق مطالبهم وطموحاتهم الموضوعية الوطنية. وضمن هذا السياق يطرح تساؤلا: إذا كانت الديمقراطية تعتبر الأفراد متساوون أمام القانون , فكيف يسمح لقلة خارجية مالكة ونخبة محلية وكيلة تتحكم بحياة ومصير الأغلبية في بلد تتعارض حياته ومصالحه معها؟ فمثل هذه الديمقراطية الجديدة لا تعدو عن كونها حكم أقلية , مما يجعلها لا تختلف عن الأنظمة الدكتاتورية . يتبجح دعاة العولمة الغربيون وبعض الليبراليون العرب اللاهثون وراء هذه الدعوة بأن تبني مشروطيات مسيرة العولمة قد تساعد في إحلال الديمقراطية في المنطقة , لكن الواقع يكشف بوضوح ما حدث و يحدث أثناء الانتقال إلى النظام السياسي الجديد وهي تغيرات شكلية في البناء السياسي الفوقي و لم يقود إلى تغيرات نوعية بالهيكل الاقتصادي الاجتماعي في هذه البلدان . وفي الكثير من هذه البلدان جرى التحول و الانتقال الديمقراطي بإزاحة النخب الوطنية أللا ديمقراطية وحلت عوضا عنها نخب برلمانية ديمقراطية تعكس مصالح الاحتكار المال الدولي وفرضت شروط لا تختلف في جوهرها عن الشروط التي كانت سائدة في الأنظمة الغير ديمقراطية و بالأخص عندما تخلت عن سيادتها الوطنية بقبول مشروطيات صندوق النقد الدولي من أجل الحصول على المساعدات و القروض المالية أو لمعالجة ديونها الخارجية وغيرها , مثلما ظهر ذلك جليا في مذكرة التفاهم التي وقعت بين السلطة العراقية الحالية وصندوق النقد الدولي حول شطب بعض ديون البلدان الغربية والتي بيع بموجبها العراق بثمن بخس إلى سوق النخاسة المالي الدولي.
إن تبني هذا التوجه من قبل النخب المحلية وبعض الأحزاب السياسية يشكل امتدادا لبقاء الأسباب الكامنة في عدم تطور البلدان العربية حسب القانون الطبيعي لتطور القوى المنتجة التي سارت عليه بلدان العالم الصناعية عبر المراحل التاريخية المتعددة .
إن جوهر التخلف هو عدم تحول تراكم التغيرات الكمية الموضوعية التي طرحتها مهام ثورة التحرر الوطني في الاستقلال و التنمية وإزالة التخلف .... الخ إلى تحولات نوعية تستجيب لمتطلبات التغير في الحياة الاقتصادية و الاجتماعية الضرورية لتشكل قاعدة جديدة أكثر تطورا من المستوى أو البناء القديم لتخلق بدورها الأرضية لمرحلة جديدة أعلى تطورا لتبلور وترفع عبر مستوى الصراع الاجتماعي الجديد تراكمات كمية جديدة لتشكل القاعدة التي تقود إلى تحولات نوعية جديدة أكثر تطورا.... وهكذا تسير عملية التطور الطبيعي للقوى المنتجة وعلاقات الإنتاج وخلق العلاقة الجديدة بين البناء الفوقي و التحتي.
إن ما جرى في البلدان العربية هو الإجهاض على التحولات النوعية الضرورية ( المتطلبات الموضوعية للتغير الاقتصادي الاجتماعي ) التي تعكس جوهر التراكمات الكمية بشعارات سياسية بحتة لا تمت بصلة بضروريات التغيرات التي طرحتها مطاليب
حركة التحرر الوطني وحياة المجتمع اليومية . فالقوميون العرب وضعوا شعار الوحدة كشرط أساسي لإحداث التغيرات الاجتماعية و الاقتصادية وليس العكس , كون التغيرات النوعية للعلاقات الاجتماعية و الاقتصادية المحلية تشكل عبر تطورها القاعدة و البوصلة نحو إنضاج الوحدة على أساس مفهوم حضاري متطور حسب متطلبات الواقع, وكذلك الشيوعيون وضعوا شعار محاربة الامبريالية وتقوية قطاع الدولة كفكر للتحول الاشتراكي و اعتبروه العصا السحرية التي تقود تلقائيا لحل المعضلات الاقتصادية و الاجتماعية وليس العكس . إن تطور المجتمع و تلبية حاجاته عبر التنمية المستقلة تشكل القاعدة للاستقلال و إزالة التخلف و التبعية . إن تراجع حل المشكلة الاقتصادية و الاجتماعية و إخضاعها إلى الشعارات السياسية في الوحدة العربية أو محاربة الامبريالية وتقوية قطاع الدولة شكلت عنصرا أساسيا في عدم تحول التراكمات الكمية إلى نوعية التي تقود إلى عملية التطور الطبيعي للقوى المنتجة وعلاقات الإنتاج لتنتقل إلى مرحلة أكثر تطورا. إن كلا القوتين السياسيتين فقدت بهذا الفكر و التوجه تأثيرها ودوره المطلوب عندما وضعوا العربة قبل الحصان مما جعل التحولات النوعية الضرورية في البناء الفوقي لا تعكس المتطلبات الموضوعية لعملية تراكم التناقضات الكمية , وتم بذلك الإجهاض على مسيرة التطور الطبيعي للمجتمع و إعادة دورة مقومات التناقضات بشكل جديد لا يختلف جوهره عن التناقضات الأساسية الكامنة بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج وتبدأ من جديد تراكمات كمية جديدة ضمن بقاء جوهر سببية التخلف في مستوى العلاقات الاقتصادية و الاجتماعية و بقاء مكانة هذه الأنظمة في موقعها السابق في قسمة العمل الرأسمالي الدولي وهكذا تعيد القوى السياسية و الأنظمة في ترديد شعاراتها التقليدية لا تميز بين العلة و المعلول وتبقى عاجزة عن إنضاج التغيرات النوعية المطلوبة لعملية مسيرة التطور الطبيعي للقوة المنتجة كأساس للنمو و إزالة التخلف و التبعية.
عندما فشلت هذه الأنظمة و الأحزاب السياسية في التمييز بين جوهر المشكلة و الظواهر المختلفة وبقاءها في حلقة التخلف الفكري و العملي مما زاد في تفاقم الأزمة الهيكلية المزمنة, عندها تبنت هذه الأنظمة و قسما من الأحزاب السياسية ذات التوجهات الليبرالية الجديدة خطاب ترويج الديمقراطية الأمريكية بما فيها من الشروط الدولية المفروضة على أمل تجاوز فشلها و أزمتها وضمان مكانتها ومصالحها , وبذلك خلقت المقومات الجديدة لتعميق الأزمة الكامنة لتأخذ أبعاد قد تختلف عن سابقتها ولكن في الجوهر لا تختلف عن سابقتها في بقاء التخلف و التبعية بأبعادها السياسية و الثقافية و الاقتصادية.

ثالثا : العراق و الخطاب الأمريكي " ترويج الديمقراطية"
تحولت السياسة الأمريكية بعد انهيار الإتحاد السوفيتي من الحسابات التقليدية المعتمدة على التسابق العسكري السياسي إلى التوجه للتفوق العسكري بدون منافس انطلاقا من إيمانها بضرورة قطف ثمار انتصارها بالحرب الباردة و استغلال انفرادها وهيمنتها دوليا بإجهاض محاولات المجتمع الدولي لحل المشكلات و النزاعات بين الدول بالطرق السلمية و الدبلوماسية و بالاستناد إلى قواعد القانون الدولي و قرارات هيئة الأمم المتحدة . لعب المحافظين الجدد منذ عام 1992 دورا أساسيا في تطوير وتعميق هذا التوجه لمنع ظهور منافسين للقوة العسكرية الأمريكية وتحويلها إلى قوة ضاربة تعتمد على أسلوب ما أطلق عليه " الحروب الاستباقية" و والضرب العسكري المكثف لتفرض هذه السياسة على الغير كحقيقة واقعة يجب الرضوخ لها. بعد استلام المحافظين الجدد ( سلطة بوش ) السلطة نرى إن الغزو الأمريكي للعراق و احتلاله شكل جزءا مكملا لإستراتيجية التفوق العسكري و الحرب الاستباقية متذرعة بحجج كاذبة حول أسلحة الدمار الشامل التي اثبت الواقع و الحقائق بطلانها.
اعتمدت الإدارة الأمريكية الجديدة , كغطاء سياسي في تحضيرها مخطط غزو العراق و احتلاله على الأحزاب السياسية العراقية في الخارج التي افتقرت إلى برنامج سياسي- اقتصادي – اجتماعي مشترك للعمل وتوضيح ماهية النظام البديل و إن تقاطعت مصالحها مرحليا و توقفت حول شعار إسقاط نظام صدام و قيام نظام ديمقراطي . فلم تتمكن تلك الأحزاب حتى من تشكيل حكومة مؤقتة لإدارة شؤون البلاد بعد صدام , عندما طلبت منهم القيادة الأمريكية ذلك بعد الاحتلال و سقوط صدام مباشرة ولكنهم فشلوا في تحقيق ذلك.( هذا ما أكده السيد جلال طالباني رئيس الجمهورية حاليا في المقابلة التي نشرة في جريدة الحياة بتاريخ 09/06/2007 ونشر ت أيضا في نفس اليوم في موقع صوت العراق). إن غياب برنامج اقتصادي – اجتماعي جديد يعيد بناء الأمة الدولة جعل هذه القوى السياسية تتوقف في فكرها و إستراتيجيتها – إن وجدت- فقط حول المطلب السياسي , وهو, إسقاط صدام , مما قادها إلى الاعتماد الكلي على القوى الخارجية و القبول بالاحتلال العسكري الأمريكي كحل وحيد لحل أزمتها السياسية و بالتالي قبولها لإستراتيجية الاحتلال الأمريكي للعراق بدون قيدا أو شرط. لذا نعتقد إن هذا الموقف السياسي من قبل الأحزاب العراقية التي استجابت للإستراتيجية الأمريكية وسمحت لقوات الاحتلال تحت قيادة الحاكم الأوحد بريمر لإدارة البلاد و مشاركتها في مجلس الحكم الذي شكله , كان القاعدة و السبب للكارثة التي يعيشها العراق لحد اليوم .
لقد أشرنا إلى مخاطر تبعات انعدام وجود برنامج سياسي –اقتصادي- اجتماعي مشترك للنظام الديمقراطي الذي سيحل محل نظام صدام , و أكدنا على احتمال فشل مثل هذا النظام السياسي الديمقراطي البديل لنظام صدام قبل أكثر من سنة من الغزو و الاحتلال الأمريكي للعراق في مقالة نشرة في مجلة الثقافة الجديدة بعددها (305) بتاريخ آذار-نيسان (2002) صفحة (59) حينما اشرنا " بأنه من المحتمل إن تقفز إلى السلطة من خلال الانتخابات شريحة غير ديمقراطية النزعة و التوجه , وليس بالضرورة إن تكون كفوءة وبعيدة النظر وذات مسئولية بالمشاكل الأساسية الاجتماعية – الاقتصادية المطروحة , بل قد تكون مرتشية وتعمل لمصالح خاصة و غير قادرة على تبني سياسة تلبي حاجات المجتمع و غيرها من الاحتمالات التي قد تجعل من السلطة غير منسجمة مع تطلعات غالبية المجتمع و بدون أن يفقدها الصيغة الديمقراطية ( مجيئها عبر الانتخابات) و يصعب في هذه الحال ضمان وترسيخ نظام ديمقراطي يعالج المشاكل الأساسية الملحة , بل ينحصر في كونه نظاما دستوريا برلمانيا ( الديمقراطية السياسية). وتكمن المخافي ترسيخ مثل هذا النظام كونه أفضل نسبيا من نظام صدام و ليس بديلا حقيقيا له و ديمقراطيا."
وفي نفس الصفحة من المصدر أعلاه عبرنا عن مخاوفنا حينما قلنا " إن مثل هذا النظام سوف ينعزل عن غالبية المجتمع , ولا يحظى باحترام و تأييد الشعب وسوف يرى من مطالب المجتمع الملحة ركنا يهدد كيانه و بقاءه.....ومن هنا تبرز ليس فقط الصراعات الاجتماعية وتمرد المجتمع ضد حالة الفقر و البطالة, وإنما قد تنعكس على الصراعات السياسية بين الأطراف المتعددة و يبرز الاستقطاب بشكل عنفي و ليس بالضرورة في توجه يخدم النهج الديمقراطي أو بالحل السلمي الديمقراطي , خصوصا عندما تفقد الجماهير الإيمان بصناديق الاقتراع وتعتبرها لعبة تستفيد منها فقط " النخبة الحاكمة".
فلاختلافات الفكرية و النهج اللاديمقراطي بين المعارضة جعلها ليس فقط غير قادرة على طرح برنامج واضح المعالم عن ماهية النظام البديل لنظام صدام تلتزم به أمام المجتمع العراقي و القوى السياسية الإقليمية, و إنما ساعد على شل جميع الإمكانيات الداخلية و الخارجية الكامنة لدى المجتمع العراقي في إقامة نظام ديمقراطي بديل يقود إلى إزالة الكوارث و الفقر و يعيد بناء الأمة-الدولة الديمقراطية المنشودة و التي طال انتظاره لها أكثر من ثلاثة عقود.
عموما يمكن القول إن شللية وضعف ما يسمى بالأحزاب و التكتلات السياسية العراقية المعارضة بالخارج لنظام صدام سهل مهمة الولايات المتحدة الأمريكية في احتوائها و توجيهها بسهولة و تنظيم مؤتمرات لها في فينا و لندن و صلاح الدين بالشكل الذي رسمته الإدارة لجعلها غطاءا شرعيا لهدف ومهمة غزو العراق و احتلاله.
توجهت السياسة الأمريكية في غزوها للعراق و احتلاله خصوصا من منطلقين:
الأول: إجهاض كافة المحاولات الداخلية لإسقاط نظام صدام و تغليب التدخل العسكري الأمريكي المباشر و إفشال المحاولات الداخلية التي كانت قائمة .انكشفت في الكثير من المعلومات و الأخبار الموثوقة التي يعرفها العراقيين وكذلك انكشف القسم منها في التقارير التي نشر الكثير منه في وسائل الإعلام العالمي و آخرها كتاب مسؤول المخابرات الأمريكية في العراق السيد (روبرت بير) "سقوط وكالة المخابرات الأمريكية "(18) حيث أشار في الفصلين الثالث و الرابع منه تفاصيل كيفية إتمام الترتيبات اللازمة للتحضير و الإعداد لانقلاب عسكري في العراق أثناء مكوثه في كردستان – صلاح الدين- عام 1995م يقوم به جنرالات عراقيون بالتعاون مع البيشمركه الكردية ( جناح جلال طالباني) و القوى السياسية العراقية المعارضة الأخرى المتواجدة في كردستان. هذا وقد رفض السيد مسعود البرزاني المشاركة في هذه العملية. لقد بين الكاتب أمر تكليفه بهذه المهمة و قيامه بإعداد تفاصيلها و تحضيره لكافة مستلزمات نجاح هذا الانقلاب , إلا إنه , حسب قوله, فوجئ بأوامر لاحقة من الإدارة الأمريكية في إيقافها دون تلقيه الأسباب الموجبة لذلك . بعد إيقاف تنفيذ العملية قام النظام في بغداد بإعدام عديد من ضباط الجيش العراقي الذين شاركوا في التحضير للانقلاب بشكل مباشر أو غير مباشر. وهنا يتبين بوضوح هدف إفشال هذه المحاولة و غيرها مخافة أن يأخذ الشعب العراقي زمام الأمور بيده , إذا ما قامت قوات عسكرية عراقية و أحزاب سياسية معارضة خارجة عن السيطرة الأمريكية المباشرة بالإطاحة بنظام صدام.... حيث يتعارض هذا و الإستراتيجية العسكرية للنخبة الأمريكية التي كانت تخطط للحل العسكري الأمريكي المباشر في العراق ومنذ عام 1992.
الثاني: على الرغم من انتهاء الحرب الباردة و إزالة خطر الشيوعية العالمية وتواري التسابق الجنوني في التسلح لكلا المعسكرين الذي كلف الولايات المتحدة الأمريكية حسب التقديرات بحدود (13) تريليون دولار و كلف الاتحاد السوفيتي وجوده بسقوطه وتفكك دولته و انهيار المعسكر الاشتراكي , ظل جوهر سببية الاستمرار بالتسلح بالنسبة إلى أمريكيا ثابتا و قامت بتوسيع الصناعة العسكرية كما ونوعا لضمان إستراتيجيتها في الهيمنة العسكرية الوحيدة في العالم بدون منافس. بلغت ميزانيتها أعلى مستوى عرفه تاريخ أمريكيا بالرغم من تلاشي سباق التسلح مع الاتحاد السوفيتي مما قاد إلى بروز فائض في إنتاجه العسكري , مماأثار المخاوف في أن يترك آثار سلبية على القطاع الصناعي العسكري و على الصناعة الأمريكية بمجملها , ومن احتمال نشوء أزمة اقتصادية داخلية لا يمكن تحملها إلى جانب الأزمة العامة التي تعاني منها .
ولأجل التصدي وحل هذه الأزمة أعتمد على النظرية الكنزية وتم العمل على زيادة جانب الطلب ( الاستهلاك ) وهي السياسة الاقتصادية التي تبناها المحافظون الجدد و خططوا بإصرار على توسيع رقعة الاستهلاك العسكري أمريكيا وعالميا من خلال تحويل الصراع العسكري إلى أرض العدو اعتمادا على مبدأ أطلق عليه "الحروب الاستباقية" بذلك اختلقت مبررات كاذبة في احتلال أفغانستان و العراق التي عبرهما تمكنت الولايات المتحدة من حل أزمة فائض إنتاجها العسكري وزيادته وتحقيق التشغيل المطلوب ودعم اقتصادها و استمراره في النمو.يشير البروفيسور الأمريكي وليم روبنسون في هذا المجال , ونقلا عن جريدة نيويورك تايمز " بأن الصناعة العسكرية الأمريكية قفز إنتاجها بحدود 25% في الأشهر الأولى التي أعقبت حادثة 11 سبتمبر عام 2001 م "(19)
اختصارا لما تم طرحه أعلاه , فان مشروع الغزو و الاحتلال الأمريكي جاء لتحقيق أهداف إستراتيجية أمريكية بحته خطط لها مسبقا سلطة المحافظين الجديدة وليس كما يدعي البعض رياءا بأنه مشروعا عراقيا بالرغم من استجابة القوى السياسية العراقية بالخارج و تأييدها لهذا المخطط وزحفت على بطونها بدون قيد أو مطالب لدعم كافة الخطوات و الإجراءات التي قامت بها سلطة الاحتلال الأمريكي من تدمير وتفكيك الدولة العراقية و مؤسساتها وحل الجيش و الشرطة و إشاعة الفوضى الخلاقة وعمليات النهب و السلب لممتلكات الدولة و الشعب وغيرها من الإجراءات التي تتنافى وواجبات المحتل الموثقة في معاهدة جنيف لسنة 1949م و قوانين هاك لسنة 1907 حول صلاحية وواجبات المحتل ولا حتى الأخذ بتجربة انتقال بلدان أوربا الشيوعية إلى النظام الرأسمالي وبالأخص ضم ألمانيا الشرقية إلى ألمانيا الغربية حيث بقت المؤسسات والعاملين بدون تغيير أو تخريب وأصبحت جزءا مكملا للنظام الرأسمالي الجديد و تكيفت الأحزاب الشيوعية الحاكمة سابقا و منظماتها المختلفة لهذا التغير وعملت سوية على ضمان الاستقرار الأمني و الاجتماعي.
إن استجابة القوى السياسية العراقية لجريمة المحاصصة ومبدأ التقسيم العرقي و الطائفي في مجلس الحكم الذي ابتدعه بريمر لبناء الدولة العراقية الجديدة و اعتبرته في حينها وبدون شرف وطني وحياء نموذج الدولة الديمقراطية بالمنطقة, شكل أبشع جريمة سياسية عاشها تاريخ العراق , وبالأخص عندما مارست هذه القوى السياسية هذا المبدأ المشين عمليا في مؤسسات الدولة وجعلته صيغة هيكلية للنظام الجديد الذي يعيش مردوده العراق اليوم و الذي يعجز أي كاتب أو قلم أن يسطر المأساة التي يمر بتا العراق اليوم .
إنها محنة يشارك و يتحمل مسئوليتها الطرفان و ليس فقط الجانب الأمريكي كما يحاول البعض طرحة ليبرر نفسه من الفشل و المسئولية كمتعاون ومنفذ في خلق هذه الكارثة .
لذلك فإن جميع القوى السياسية التي شاركت في مجلس الحكم و تبنت مبدئيا و بالممارسة تثبيت مبدأ المحاصصة و اعتمدتها كأساس وقاعدة لتشكيل الحكومة المؤقتة و إجراء عملية الانتخاب و إقامة البرلمان هي قوى سياسية اثبت الواقع فشلها و تتحمل المسئولية
يتوجب مقايظتها قانونيا و سياسيا و اجتماعيا .
إن الأهم و الأخطر في هذا النموذج الطائفي العرقي, على المجتمع العراقي, تجلى في مسئوليته تحطيم البنية الاجتماعية وتنظيماتها المدنية و خلق المقدمات في إعاقة احتمال إعادة اصطفافه الوطني الموحد بالشكل الذي يمكنه من إعادة بناء دولته وترسيخ النظام الديمقراطي السياسي الذي يستهدف حل مشكلات الدمار الاقتصادي الاجتماعي الذي حل بالبلاد لأكثر من ثلاثة عقود . هذا وكشفت مسيرة الاربعة سنوات الماضية أكذوبة كافة إدعاءات بناء الديمقراطية بالعراق وجعله "النموذج" للشرق الأوسطو الذي اعتبرته كافة المؤسسات الدولية و الحكومية وغير الحكومية أسوء نموذج عرفته المنطقة و العا لم ظلت هذه القوى الجديدة سواء تلك التي ضمت مجلس الحكم أو الحكومة المؤقتة و الحكومة الحالية , وبدون حياء أو خجل , تساند المحتل و لا تقاضيه لعدم تنفيذه قرارات الاتفاقيات الدولية كقوة محتلة أو عن جرائمه ضد الشعب العراقي .. و استمرت في غيها عندما أخذت تردد أنشودة " شعار ترويج الديمقراطية" الأمريكي بكل غباء و من دون العناء بالتفكير بنموذج بديل للعراق , أو هل هذا النموذج لبناء الدولة العراقية , وحسب المنظور الأمريكي, جيدا أو سيئا , بل استمرت لاهثة وراء الاستفادة من الفراغ السياسي الذي خلقه الاحتلال و الاستحواذ على النفوذ و المكاسب المالية.
تحولت هذه الأحزاب و القوى الانتهازية و المنتفعة من هذا النهج أللا وطني و أللا ديمقراطي إلى تكتلات متناحرة لا تجمعها ابسط المفاهيم و الممارسات في تأسيس الدولة وبناء مؤسساتها الحديثة و المتطورة وخلق المجتمع المطلوب ليلعب دوره في إشاعة الديمقراطية و إنجاز مهمات البلاد في التنمية و التطور.
فبعد تثبيت الهيكل الطائفي و العرقي وبروز الاستقطاب أللا وطني في قيادات هذه الطوائف و الملل, أجريت الانتخابات على أسس التكليف الشرعي و العرقي و الالتزام بمبدأ الحلال و الحرام و الوجوب و الامتناع من ناحية, أو لاستناد على الانتماء العشائري البائد من الناحية الأخرى. .. كل ذلك من اجل كسب خيار المواطن في عملية التصويت و الانتخاب .
تجلت حصيلة هذا التوجه في بزوغ برلمان وحكومة لا تمت , بل يمكن القول نقيضا , لأسس قيام نظام ديمقراطي حق , أو عجزها أن تكون رديفا لبنا الأمة /الدولة وترسيخ حق المواطنة ضمن تعريف مفهوم الدولة الحديثة , وحول التكليف العرقي و الطائفي لكسب الشرعية نذكر هنا ما كتبه الباحث اللبناني وجيه كوثراني في مقالة نشرت بجريدة النهار اللبنانية ف شهر كانون الثاني 2006م حيث قال" تقع في إشكالية التكليف الشرعي و التحريم و التأثيم , فعندما يستقوي رجل الدين مهما كانت رتبته العلمية في علوم الدين –بالسياسة أي بالسلطة المدنية , وعندما يستقوي السياسي , وقد يكون رجل دين ممارسا السياسة بالسلطة الدينية , فمعنى ذلك إننا عدنا إلى صيغة الدولة السلطانية في التاريخ الإسلامي , حيث تتعاون شعبتا الإستبدادين – الاستبداد الديني و الاستبداد السياسي- و تتكاملان على حد قول المفكر العربي الكواكبي و الفقيه الإيراني حسين نائيني"(20)
لقد جرى كل ذلك برضا وتوجيهات سلطة الاحتلال في نشوء صيغ المجتمع ألا مدني و الظلامية التي بطبيعتها و إيديولوجيتهاالتي تتنافى و أبسط القواعد و الأعراف لتشييد نظام ديمقراطي حقيقي كان ينشده الشعب العراقي . إن شعار " ترويج الديمقراطية" وما تم تنفيذه في العراق لا يمت بأي صلة إلى بضرورات حل مشكلات العراق المستعصية و انجاز التنمية الاقتصادية المنشودة أو المساهمة في كيفية تخفيف معانات الشعب العراقي من افتقاد الأمن و البطالة و الفقر و المرض.
فالهدف الأمريكي ركز فقط على العمل المشترك و التعاون وتوثيق صلات المحتل مع نخبة حاكمة وكيلة تنفذ وتحقق أهدافه ومصالحه من خلال تعزيز سيطرتها على ماكنة الدولة من ناحية , كما استهدفت هذه الهيمنة القضاء على مقومات المجتمع و إخضاعه لسيطرتها و توجيه تحركاته وتطبيعه كاملا لمشيئة الاحتلال. وحول ذلك يذكر البروفسور و ليم روبنسن بأن إستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية في تأسيس مثل هذا النظام في العراق استهدفت ثلاث قضايا وهي:
- تشجيع ورعاية نخبة محلية ذات توجه كوني تعمل وكيلة لتحقيق المصالح و الأهداف الأمريكية , وتسعى لدمج العراق بالنظام الرأسمالي الكوني و أن تتمتع بالإمكانية و القدرة لإدارة الدولة " المحلية "التي أنشأتها ورعتها تحت وصاية قوات الاحتلال .
- عزل النخب و القيادات الوطنية و المؤثرة التي ترفض المشروع الأمريكي , خصوصا القوى التي تحمل أجندة وطنية وتروم بناء عراق لا تتجانس أهدافه مع الهدف الأمريكي.
-تشييد وتعزيز أركان هيمنة وسيطرة هذه النخبة الحاكمة الوكيلة وفرض سيطرتها على المجتمع و إعاقة جماهير الشعب المعارض لهذه اللعبة السياسية في تنظيم صفوفه باستقلالية من خلال السعي إلى دمجها بالنظام السياسي الذي ترغب أمريكا تشييده و بالوسائل الرضائية."(21)
يعتمد الأستاذ و ليم روبنسن على هذه الصفات في الإستراتيجية الأمريكية في خلق مثل هذه الأنظمة و الذي يطلق عليه
"بولي آرشي"(Polyarchy) ويعرفه "بأنه النظام الذي تحكمه فئة تعمل بالنيابة أو بالوكالة عن الرأسمال الدولي,
و إن مشاركة الجماهير في اتخاذ القرارات العامة يجب أن تختصر وتختزل في الاختيار مابين النخب و القوى المتنافسة و المتصارعة في إطار عملية انتخابات ضيقة و مسيطر عليها و مدارة بطريقة محكمة . هذا و يتم تشجيع هذا النظام و إسناده
من قبل النخبة الكونية الحاكمة لإتمام انجاز مبادئ الليبرالية الجديدة و التكيف الهيكلي ونهبي الشركات العالمية." (22)
خلاصة القول , ينطلق الخطاب الديمقراطي الدولي الذي تتبناه الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية من مقولة مفادها إن بلدان الجنوب ( ومنها البلدان العربية )لا تستطيع و ليس لها شأن في إبداء الرأي السياسي الاقتصادي بالمشاكل الدولية المعقدة التي تفرضها مسيرة العولمة , و إن توجهات هذه البلدان و اختياراتها الديمقراطية قد تتعارض مع التوجهات الرئيسية في إدارة السياسة الدولية و بالأخص مع مخطط منطقة الشرق الأوسط, وعليه فان مجتمع بلدان الجنوب ( و بالأخص البلدان العربية) يجب إن يقسم إلى فئتين :- الأولى فئة النخبة الحاكمة التي لابد أن تملك درجة متقدمة من الالتزام الفكري و السياسي المنسجم مع مشروع ترويج الديمقراطية الأمريكي بحيث يكون له القدرة اللازمة لتسيير دفة الحكم بهذا التوجه و بالاعتماد على الفئة الديمقراطية التي تبنت في مشروعها السياسي برنامج الليبرالية الجديدة وتحولت في أيدلوجيتها بشكل مباشر أو غير مباشر لخدمة النخبة الدولية . و الفئة الثانية تمثل باقي أبناء المجتمع تطيع تلك النخبة و قيادتها الحكيمة عبر قوانين لحماية الديمقراطية ومحاربة الإرهاب لتمارس دورا غير مباشر و أقل تأثيرا في إدارة العملية السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية في البلد.
إن في مراهنة القوى و الأحزاب السياسية المعارضة سابقا في العالم العربي بشكل عام و في العراق بشكل خاص على الخطاب الأمريكي " ترويج الديمقراطية " دفع الكثير من هذه القوى و الأحزاب السياسية إلى تغيير مواقفها السياسية و الفكرية من اجل إسناد هذا الخطاب على أمل أن يمكنها ذلك من احتلال مكانة في العملية السياسية الجديدة مما ادى إلى توقف هذه القوى السياسية بحدود هذا الخطاب وعجزت عن التمييز بين الأهم و المهم و بين الجوهر و الظاهر, خصوصا بما يتعلق بحتمية الربط العضوي و الموضوعي بين الديمقراطية السياسية و الديمقراطية الاجتماعية , كل ذلك قاد إلى غياب حركة فكرية للتوجه الديمقراطي الحقيقي الذي يتطلبه الوطن العربي و العراق , كما شلت الديناميكية الطبيعية للفرد و المجتمع وقدراته ومبادراته في الوضع الحاضر وتبني برنامج مستقبلي واضح المعالم.. وترك لقوات الاحتلال اختيار نموذج المحاصصة الطائفية و العرقية كأساس لبناء النظام الجديد في العراق.لا يختلف أي وطني عراقي غيور بانعدام العلاقة بين شعار أمريكا في ترويج الديمقراطية بالعراق و المنطقة , ومشاكل التنمية الاقتصادية الاجتماعية ومعانات الشعب العراقي من الفقر و المرض منذ عقود طيلة , إضافة إلى غياب الأمن و الاستقرار منذ الاحتلال.
أثبتت التجارب و الإحصائيات الدولية الرسمية من قبل جهات متعددة بأن البلدان النامية التي أخذت بهذا النموذج الأمريكي لـ"ترويج الديمقراطية" قد عمقت من معانات التخلف و الجوع وغياب العدالة الاجتماعية وتزايد الاستقطاب بين الأقلية الغنية التي تمتعت لوحدها بثمار النظام الديمقراطي الجديد , وبين الأكثرية التي تحولت إلى ضحية للنظام . كل ذلك قاد إلى تفاقم حالة عدم الرضا لدى الأكثرية من شرائح المجتمع رغم لعبة إشاعة الحرية و الديمقراطية وكثرة الأحزاب وتعدد الصحف .انعكست هذه الحقيقة في استفتاء أجراه برامج الأمم المتحدة في أمركا اللاتينية عام 2004م حيث أشارت النتائج إلى إن نسبة قدرها 5و54 % من الأصوات تفضل الحكومات الشمولية وتعتبره أفضل من النظام الديمقراطي لان التغيير لم يلبي متطلباتهم الاقتصادية و الاجتماعية() و الأكثر احتمالا أن تكون الصورة أكثر عتما لو أجريت هذه الإحصائيات في بعض بلدان أفريقيا و الأكثر قسوة في البلدان الآسيوية التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي سابقا. هذا وربما تزداد هذه النسبة لوتم إجراء الاستفتاء في العالم العربي و خصوصا العراق . ففي إحصائية جزئية أجريت في العراق كشفت إن (9)من كل (10) أشخاص غير راضين عن أداء الحكومة العراقية. هنا يكمن فشل التكليف الشرعي و العرقي و العشائري و الإجبار الطوعي الذي مارسته الأحزاب السياسية عبر العملية الانتخابية لتشكيل الحكومة و البرلمان في العراق وخطورة بقاء هذه الأحزاب تلعب الدور الأساس في إعادة بناء الأمة الدولة.
وعلى افتراض صحة ما تدعيه السلطة العراقية من توافر الرغبة في تحجيم شدة الصراع الطائفي و العرقي في إطار نظام المحاصصة السائد حاليا في العراق, وتقليص حجم النهب و الفساد المالي و الإداري وغيرها من الوعود في بسط الاستقرار و الأمن.....التي هي شعارات واهية ووعود براقة تطرحها السلطة يوميا لتخدير المواطنين الذين أصبحوا يؤمنون بالقدر بكونه أكثر احتمالا من تحقيق وعود النخبة الكاذبة ... فإن السلطة السياسية في تبنيها وتشريعها السياسة الليبرالية الجديدة و اعتمادها العشوائي على اقتصاد السوق الحر , و الرضوخ كليا لشروط المؤسسات المالية الدولية التي تتعارض مع المصلحة الوطنية و بفتح أبواب العراق دون قيد أو شرط للاستثمار الأجنبي وبشروط سخية لم يسبق لها مثيل في بلدان أخرى وتحطيم دور الدولة في إدارة و توجيه الاقتصاد الوطني وفي تشريعها قوانين حرية التجارة ورفع القيود و التدخل و التنصل كلية عن حماية عن حماية الصناعة و الزراعة الوطنيتان وعدم تلبية المتطلبات الاجتماعية لمعالجة البطالة و الفقر و الجوع . جميع هذه القضايا تشكل في الحقيقة و الواقع عوائق أمام إعادة بناء كيان الأمة /الدولة العراقية. انعكست هذه السياسة أللا وطنية في بيع العراق بثمن بخس بشكل واضح في وثيقة التفاهم التي عقدت بين الحكومة العراقية وصندوق النقد الدولي كعربون قدمته الأطراف السياسية التي تحكم العراق , التي تشكل نواة النخبة المحلية , لتبرهن على استعدادها الدائم لخدمة النخبة الكونية ومشروع أمريكا في العراق . انعكست المشروطيات بشكل جلي في قانون الاستثمارات الأجنبي في العراق الذي وافق عليه البرلمان المركزي وكذلك مشروع الاستثمار في إقليم كردستان الذي يضع الأسس السرمدية لإعاقة نشوء صناعة وطنية و اقتصاد مستقل يضمن السيادة على موارد العراق الطبيعية. وبهذا الصدد نذكر بإيجاز إن جميع الإحصائيات الوطنية و الدولية لم تقدم الدلائل بأن القوانين الليبرالية التي أخذت بها مختلف البلدان النامية قد ساعدت في تنشيط الاقتصاد الوطني ناهيك عن إعادة بناء الاقتصاد العراقي الذي دمرت منشآته و أركانه . إن الدول التي أخذت بهذا النهج الليبرالي الجديد و القبول بمشروطياته بشكل مطلق لم تتمكن حتى من خلق مقومات آليات السوق الحر التي تعتمد على عنصر المنافسة الحرة في الإنتاج و الأسعار أو في دور الدولة في خلق مقومات فرص التكافؤ بين الأطراف الفاعلة في السوق الوطني , وإنما اعتمدت على مشروطيات صندوق النقد الدولي (كما يحدث في العراق )والقوانين الليبرالية لمنظمة التجارة الدولية لتحرير القيود التجارية وفي تنشيط القطاعات الغير إنتاجية و الطفيلية و الاعتماد أكثر على العامل الخارجي في سد الطلب الداخلي وتحديد اختيار المستهلك ونمط الاستهلاك الداخلي بدون الارتباط بعوامل الإنتاج الوطني مما قاد إلى تراجع ,بل ويمكن القول بالنسبة لمستقبل الاقتصاد العراقي إلى تلاشي دور الإنتاج المحلي في تكوين الاقتصاد الوطني, و بالتالي إخضاع الاقتصاد المحلي إلى المتطلبات و التغيرات التي تحددها مصالح النخب الكونية لجني اكبر الأرباح وإعطاء جزء منها للطبقة الطفيلية المحلية الجديدة التي تعتمد عليها في فرض وصاياها بغطاء ديمقراطي ظاهريا معتمد على الهيمنة الإعلامية. في الوقت نفسه وبحكم الطبيعة الطفيلية في إدارة الشؤون الاقتصادية الوطنية, فإن هذه الطبقة الطفيلية الجديدة و المرتبطة بالسلطة والمساندة لها, تجني الأرباح السريعة شرعا أو غير شرعا ( الرشوة و السرقة ) وتقوم بتحويل الفائض ( الفائض المالي ) الى الخارج و استثماره في أسهم الشركات الأجنبية أو تحويله إلى المضاربات في العقارات و غيرها من الأنشطة الغير إنتاجية و التي تصب جميعها في إعاقة التنمية الوطنية وخلق مقدمات فرص عمل و توسيع الاستقطاب بين الغنى و الفقر وغيرها من مظاهر تجذير حالة التخلف و الفقر مما يدفع بغالبية أفراد المجتمع إلى الشعور بالغربة وفقدان مشاعر الانتماء أو الولاء لهذا النظام أو تلك الأحزاب الداعية لمثل هذا النهج و اعتبار الديمقراطية السياسية لعبة بيد النخب المحلية الحاكمة و الطبقة الجديدة المرتبطة بها. وعبر الممارسة و الواقع تكتشف دجل التكليف الشرعي و العرقي في اللعبة الديمقراطية ويأخذ بالتراجع أو رفض المشاركة في الانتخابات وبذا تفقد هذه الأنظمة شرعيتها بكونها تمثل الشعب.
توج هذا التوجه ببيع العراق بأبخس ثمن في قانون النفط و الغاز لتسهيل هيمنة الشركات الأجنبية على القطاع النفطي , الذي به يعطى الحق القانوني للشركات الأجنبية الكبرى حق استغلال الاحتياطي الفعلي الضخم في العراق بموجب ما يطلق عليه " اتفاقية المشاركة بالإنتاج" وبشروط مجحفة بحق العراق , التي تعتبر حسب آراء كثير من خبراء النفط بأنها تتضمن أشكال استغلال توفر المنافع القصوى الممكنة للشركات الأجنبية لم يتم الأخذ بها سابقا في عقود " المشاركة بالإنتاج " التي تم إبرامها مع عديد من البلدان المنتجة والمصدرة للنفط... كل ذلك يوفر المستلزمات لمخطط بيع الثروة النفطية الوطنية و خصخصة القطاع النفطي ....
وضمن هذه السياسة في التفريط بثروة العراق سوف تتبلور النخبة من قوى اعتمدت على الارتزاق في تشريع مثل هذه القوانين و إشاعة الرشوة و الفساد الإداري في المؤسسات الحكومية التي تقود الآن الحكم الحالي , حيث أصبح العراق الآن على رأس قائمة البلدان التي تسودها الرشوة ( البلدان المرتشية) حسب النشرات و الإحصائيات الدولية.
فالاستمرار في ترسيخ هذه السياسة من خلال القوانين و التشريعات المذكورة أعلاه سوف يجعل العراق الجديد يعتمد على تشكيلة اقتصادية هيكلية طفيلية غير منتجة لا تحمي حقوق ومتطلبات المواطن .. وهذا ما سوف يفاقم من إشاعة الفوضى الخلاقة لتشمل الجانب السياسي الاجتماعي و يعمل على تفكيك مقومات الأمة و الاعتماد على نموذج جديد هو( السلطة- الدولة) بدل (الأمة – الدولة) التي شيدت بها دول العالم ومن ضمنها الدولة العراقية.
إن من احد أبشع الجرائم السياسية التي تمارس الآن في العراق هي تشويه الفكر الحر وتعتيمه بالدجل السياسي اليومي الذي يردده المسئولين السياسيين المشاركين في السلطة وحتى القسم الأعظم من المشاركين في العملية السياسية , بالإدعاء , بأن من مآثر النظام الحالي هو الانتقال من حكم صدام الشمولي إلى النظام الديمقراطي . يكشف واقع الأربع سنوات الماضية بوضوح صارخ داخليا ودوليا إن ما حدث بعد الاحتلال إلى الآن ( و الأكثر احتمالا المضي بهذه المسيرة ) هو الانتقال من حكم شمولي إلى حكم نخب جديدة لم يتغير من خلاله جوهر النموذج القديم المتخلف ويشكل مشكلة العراق وهي هيمنة السلطة على المجتمع , وإن سلطة هذه النخبة" الديمقراطية "لم تقم بأي تغييرات اقتصادية- اجتماعية يمكن أن تدعي بإحداث عملية التغير و التحول إلى نظام جديد, بل إنه جلب كوارث للشعب العراقي أعمق واخطر مما كان يعيشه تحت نظام صدام الشمولي و وطأة جريمة الحصار الدولي الذي قادته أمريكا على الشعب الأمريكي و الذي من خلاله مورست أبشع الجرائم الدولية التي ذهب ضحيتها مئات الآلاف من الأطفال وسحق الاقتصاد والركائز الهيكلية الوطنية وغيرها من الجرائم التي دونتها تقارير هيئة الأمم المتحدة المتعددة وتستر عليها الضمير الإنساني للقوى السياسية العراقية و وكذلك العربية و الدولية بحجة محاربة صدام . إنها جريمة دولية على شعب يجب أن تؤرخ لتدين الديمقراطية الأمريكية الدولية و أولئك الذين ساندوا هذه الجريمة من السياسيين العراقيين وحكام العرب بالمنطقة وبالأخص ما تبجحت بة مادلين أولبرايت وزيرة خارجية أمريكيا التي بررت هذه الجريمة وموت مئات الآلاف من أطفال العراق.
إن التغاضي عن هذه الجريمة هو الذي ساهم في تشكيل القاعدة للاحتلال الأمريكي أللا شرعي للعراق وتشييد نظامه من النخب التي أيدت هذه الجريمة ولم تتورع أو تتردد في مشاركة المحتلين جرائمهم في تحطيم الدولة العراقية الحديثة (80سنة) وإقامة أبشع نظام شهده تاريخ العراق و دول المنطقة , ويذهب البعض بوصفه أبشع نظام شهدته البلدان النامية الحديثة , يتنافى في تركيب هيكله ابسط مقومات بناء الأمة – الدولة المعترف به عالميا أو مقارنة بنشوء الدول الحديثة الأخرى.
وبهذا النموذج سوف تخضع الدولة لمشية السلطة التي تقودها النخب المحلية الجديدة الخاضعة لهيمنة مصالح النخبة الكونية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية , وفي استمرار وتوسع حالة الفقر التي تبلغ نسبتها حاليا 42% من مجموع السكان حسب معطيات الدولة العراقية , كذلك سوف تعجز عن حل مشكلة الهجرة و المهاجرين التي تصاعدت الآن بوتائر فلكية لم تشهدها البلدان التي دخلت حروب عامة و أهلية ... لقد بدأت الهجرة إلى خارج العراق خلال فترة الحصار الاقتصادي الأمريكي الذي ذهب ضحيته عشرات الآلاف من أرواح المواطنين , وتستمر بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ الحديث ضمن مخطط الفوضى الخلاقة التي أشادها ووضع مقوماتها الاحتلال الأمريكي لتسهيل مهمة الهيمنة بالاعتماد على سياسة التخريب المبرمج وخلق مقدمات انعدام الأمن وضيق مقومات حياة الفرد ...فمثل هذه الأوضاع دفعت بأهم شرائح المجتمع – الطبقة الوسطى – للهجرة ... وهي التي تشكل القوة المنتجة و المتعلمة وتضم أعلى الكفاءات العلمية وهي العمود الفقري القادر على إعادة بناء العراق الديمقراطي الجديد.
إن مشروع بلورة وترسيخ النخب المحلية الحاكمة برهنت خلال نهجها و أطروحاتها في السنوات الماضية بأن أغلبيتها
غير راغبة أو جادة في حل مشكلة المهاجرين وخلق مقومات إعادة أعلى نسبة منهم إلى العراق بالأخص عندما يتطلب ذلك رسم برنامج استثماري واضح المعالم يستهدف توفر مقومات بناء ونمو اقتصادي ويحقق التشغيل و إتاحة فرص عمل وبناء نظام للضمان الاجتماعي.
كما إن هذا التردد , وربما الرفض في حل مشكلة المهاجرين قد يرتبط بمسألة كون غالبيتهم قوى أساسية ديمقراطية –علمانية ذات توجه حضاري يمكن أن تساهم في تغيير ميزان القوى الاجتماعية في الداخل وتوجيه العملية السياسية للقوى الديمقراطية العلمانية على حساب القوى الاجتماعية الجاهلة التي تعتمد عليها النخب الحاكمة الجديدة في تسييرها على أسس التكليف الشرعي أو ألاثني أو العرقي. تجلت هذه الحقيقة في مصادر متعددة نشرت بأن مسئولي الحكومة العراقية ضغطت رسميا على سوريا و الأردن بعدم تسهيل رجوع اللاجئين العراقيين الذين يبلغ عددهم أكثر من ثلاثة ملايين في كلا البلدين فقط يعيشون في فقر مدقع أدنى من أي مستوى عرفته كوارث المهاجرين . لم تقدم السلطة العراقية المعونات المالية لهذين البلدين لمساعدة العراقيين المشردين و الجياع في الوقت الذي تسمح لعصاباتها بسرقة مابين (15) و(50) مليون دولار يوميا من قطاع استخراج النفط وقد تجلى موقفها الرسمي المشين في مؤتمر جنيف لهيئة الأمم المتحدة حول اللاجئين العراقيين و الذي أفشله موقف ممثل الحكومة العراقية كما عكسه ( بشكل مختصر)نظال ألليثي رئيس تحرير جريدة الزمان اللندنية على شاشة التلفزيون الذي شارك في المؤتمر فقال إن الوفد العراقي كان يعيق نجاح المؤتمر بالشكل المطلوب خوفا من أن تصبح مشكلة اللاجئين في الخارج قضية كارثة إنسانية دولية تتحمل السلطة
العراقية مسئوليتها بالرغم من إنها تشكل أعلى هجرة عرفها التاريخ الحديث منذ 1945.
قدر مندوب الأمم المتحدة عدد اللاجئين بحدود 8 ملايين وبذلك فاقت تهجير الإسرائيليين للعرب من فلسطين عام 1948. تمادت السلطة العراقية بموقفها أللا إنساني المشين بعدم معالجة مشكلة اللاجئين في مؤتمر شرم الشيخ الأخير الذي حضره 060 ) ممثلا لدول لها القدرة على المساعدة و لم تنعكس هذه الكارثة في الإعلام السياسي و الصحف العراقية و العربية بالشكل المطلوب .
هذا ويمكن القول إن أسباب الهجرة قد تحولت من معضلة تغلب عليها الأسباب الاقتصادية خلال عهد نظام صدام , إلى
مشكلة تتسم بطابع سياسي يرتبط بماهية نظام الحكم الجديد . إن طمس مشكلة اللاجئين العراقيين يشكل بصورة غير مباشرة طمس مشكلة اللاجئين الفلسطينيين و حل المشكلة مثلما خططت لها الإمبريالية الصهيونية وقدمه الاحتلال الأمريكي و السلطة العراقية هدية علة طبق من ذهب لإسرائيل .
بجانب ذلك ورغم الاختلافات الفكرية و المصلحية للنخب التي تتقاسم السلطة على أسس غير ديمقراطية بل على أسس ما يطلق عليها " الوفاق الطائفي و العرقي" تمكنت من خلق وصاية على المجتمع بالاعتماد , ليس فقط على وسائل القوة و الإرهاب ( الميليشيات و المقاومة), وإنما عبر قوته المالية التي راكمتها من خلال تفشي الفساد المالي و الرشوة وسرقة أموال الدولة و الشعب بشكل علني و أحيانا بموجب قرارات رسمية ...كل ذلك سيجعل من عملية الانتخابات في المستقبل عملية محفوفة بالمخاطر سواء على صعيد حياة الفرد من خلال تصعيد الإرهاب أو تضخم التكاليف المالية لعملية الانتخابات عبر الرشوة و شراء الأصوات من ناحية ,أو في فرضها صيغ التكليف الشرعي و العرقي على خيارات المواطن من الناحية الأخرى .جميع هذه الأوضاع ستقود إلى تهميش القوى الديمقراطية العلمانية الرافضة لهذا التوجه و المشاركة بالانتخابات , وبالتالي سوف تظل السلطة محصورة بهذه النخب و الفئات المرتبطة بها.
وبهذه الهيمنة تكمن مخاطر المناهضة و التصدي لاستقلالية المنظمات المهنية و غير المهنية التي تشكل الأساس لاستقلالية المجتمع المدني , لإقامة علاقة ديمقراطية بين المجتمع و الدولة في بناء عراق ديمقراطي ويتم اخضاعها لمبدأ المحاصصة والتكليف الشرعى والعرقى. لقد أكدنا منذ سنوات :
"بأن الاعتماد على المنظمات المهنية و غير المهنية باعتبارها تمثل مصالح أعضاءها وتعمل من اجل الدفاع عن مصالحهم المادية و المعاشية سيجعلها مؤسسات اجتماعية فاعلة و أساسية يشكل أعضاءها غالبية شرائح الأمة وتحمل بطبيعتها مضمونا وتوجها ديمقراطيا اجتماعيا يضم قاعدة جماهيرية أوسع من القواعد الجماهيرية التي تحتلها الأحزاب السياسية الحاكمة وغير الحاكمة حيث إنها تضم في صفوفها فئات مستقلة قد لا ترغب الانتماء للأحزاب السياسية, وهذه الشرائح تشكل نسبة كبيرة تتجاوز المنتمين لكافة الأحزاب السياسية ولكن يجمعها تنظيم موحد , يقوم ببلورة حاجاتها ومشاكلها بشكل مستقل , حيث يصعب على حزب سياسي مهما عظم دوره و ارتفعت مكانته الاجتماعية القيام بهذا البدور وتكون طبيعتها الدفاع عن مصالح واسعة و مشتركة بدون تمييز , لأنها بالممارسة و العمل تضعف النفوذ الحزبي السياسي الطائفي و العرقي و العشائري , وتكون أقل عرضة للهزات و الصراعات التي تبرز على الساحة السياسية و احتمالات ظهور الاختلافات و التناقضات بين الديمقراطية السياسية و الاجتماعية .كما إن كون هذه المنظمات تتمتع باستقلالية مواردها المالية سوف ا سيعزز من استقلاليتها المهنية و الفكرية و لا تكون عرضة للرشوة و الابتزاز المالي ,كما إن استقلاليتها تؤثر على توفير جو للحوار وتغليب المصالح المشتركة على الاختلافات السياسية حيث يكون الأمر معكوسا داخل الأحزاب السياسية في عملية الحوار للمساومة على السلطة , وإن استقلاليتها تشكل الطريق الكفيل لتقويض بيروقراطية السلطة و الحكم"أي إن المحافظة على استقلالية هذه المنظمات قانونيا بموجب تشريعات دستورية سوف يجنبها أن تقع فريسة لأنياب ذئاب الطائفية و العرقية التي تسعى إلى تجريد غالبية المجتمع من وحدة صفوفه لخلق المواطن وترصين العلاقة بين المجتمع و الدولة وبناء الأمة - الدولة العراقية.وخلق الثقافة الديمقراطية الموضوعية .
إن الاعتماد على التنظيمات المهنية وتعزيز استقلاليتها قانونيا عن الأحزاب السياسية الحاكمة ,الطائفية و العرقية و العشائرية تشكل الأساس و الكفيل في بناء المجتمع المدني المطلوب الآن لإقامة النظام الديمقراطي المنشود و بالأخص ما طرحته التجربة و الحياة بأن الدولة و مؤسساتها التي تشكلت على أساس المحاصصة و ليس المواطنة وكذلك الأحزاب المؤيدة و التي تبنت هذه التشكيلة المنافية إلى جوهر بناء الدولة الديمقراطية , سوف لا تكون قادرة على مواجهة و معالجة الأوضاع الاقتصادية وما يترتب عليه من مشاكل اجتماعية في إيجاد فرص العمل و الضمان و التعليم و الصحة ومعالجة ظاهرة تزايد نسبة الفقر الذي تجاوز حتى البلدان الأفريقية الأقل نموا......وغيرها من ا لمشاكل الاجتماعية التي تطرحها مسيرة الحياة اليومية للفرد العراقي. بذلك ستكون أطروحات هذه المنظمات المهنية و الغير المهنية المستقلة بطبيعتها لحل المشاكل الحياتية اليومية للفرد العراقي مناهضة للمفاهيم الليبرالية التي تسير عليها تركيبة سلطة الدولة بحكم ارتباطها و تبنيها بشكل لا وطني سياسة الخطاب الديمقراطي الأمريكي في معالجة الكوارث الاقتصادية و الاجتماعية و في إعادة بناء الأمة -الدولة الذي حطم أركانه نظام صدام و السلطات المحاصصة. بهذا التوجه في ترسيخ دور المنظمات المهنية و الغير مهنية وتعزيز استقلاليتها قانونيا و عرفيا يتطور الفكر الوطني الديمقراطي المستقل مع متطلبات الواقع الاجتماعي وقد يؤثر سياسيا على مفهوم المواطنة في بناء الدولة و النظام و يتمكن من تحويل مأسات الأمة العراقية التي تقودها النخبة الحاكمة حاليا إلى عامل أساسي في مفهوم عراقي جديد خاص , وفي خلق جبهة ديمقراطية واسعة معارضة –بالمفهوم الديمقراطي- ومغايرة للخطاب الديمقراطي الأمريكي ونخبه الحاكمة فتحد من مركزية السلطة و إضعاف دور التكليف الشرعي و العرقي في اختيار ممثليهم في السلطة التشريعية لتشكل بدورها البديل للتحول الديمقراطي وتداول السلطة وتكون قادرة لسد الطريق أمام الطائفية و العرقية من محاولة الإجهاض على هذه المسيرة الديمقراطية و بالأخص عندما يقود فشلها و فقدان مصالحها الذاتية إلى احتمال تحولها إلى قوى شرسة إرهابية ضد القوى الديمقراطية العلمانية التي تقود عملية التحول . لذلك فإن القوى الديمقراطية العلمانية العراقية في الداخل و الخارج أمام امتحان جديد يحسم توجهاتها لماهية النظام الديمقراطي المنشود بعد فشلها في وضع برنامج عمل سياسي مشترك قد ساهم بشكل غير مباشر بمسئوليته عن الكارثة التي تعيشها الأمة العراقية الآن. لذا يشكل اتحاد القوى العلمانية القوى الاساسية فى بناء العراق الديمقراطى ضرورة وطنية بالرغم من انها تضم تيارات فكرية وسياسية مختلفة . وكنتيجة لسياسة الاحتلال وهيمنة تصارع القوى الطائفية والعرقية على السلطة والعبة لسياسية ومايجرى جراء ذلك من كوارث واحداث دموية يومية , تغلب انعدام وضوح الروؤيا وهيمن الفكر السياسى التكتيكى اليومى على هذة القوى فى مجابهة القوى الظلامية الطائفية والعرقية وبروز تناقضات واختلافات فى ايجاد روؤيا مشتركة ووضع صيغة عمل مشترك للخروج من الكارثة . لكن هذة الحالة لاتشكل بسببيتها ظاهرة مزمنةلايمكن حلها بالرغم من الجمود والتراجع النسبى لهذة القوى وكثيرة خوفها من اعلان عزل الدين عن سياسة الدولة والغاء الطائفية السياسية كأساس لدستور ديمقراطى يضمن وحدة الوطن. وهنا يفرض زيادة وتعميق الحوار بين مختلف الاطياف العلمانية والرافضين لمبدأ المحاصصة وضحايا ومتضررى سياسة السلطة فى تحطيم كيان الوطن الذى يعتز بة العراقين.....وغيرها كضرورة وطنية ومصيرية لغالبية المجتمع وان لم تلغى الاختلاف وربما التناقضات بينها , وكما يقول المثل الصينى ان مسيرة الف ميل تبدأ بخطوة . وان تزايد نمو الادراك والوعى بفشل نظام المحاصصة والعاملين سوف يعجل من خطوات هذة المسيرة ويقربها الى امال الشعب كمنقذ للوطن ولمن يحب الوطن
الخلاصة:
يتطور الفكر السياسي مع الطروحات العملية التي تطرحها مطالب الشعب الملحة وضمن منظور ومنهاج واضح المعالم لإزالة أسباب التخلف الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي . كما و تقوى وتتعزز استقلالية هذا الفكر السياسي في حول بنا ء الأمة – الدولة وليس السلطة- الدولة عندما تعتمد على مبدأ المواطنة وتعمل حسب متطلبات التنمية الوطنية التي تفرضها متطلبات الواقع الاقتصادي و الاجتماعي في تحديد المسيرة الديمقراطية السياسية الوطنية و ليس العكس وكما يجري بأن يحددها الخطاب الديمقراطي السياسي للنخبة الحاكمة و الأحزاب السياسية التي هي عرضة للتأثيرات و المصلحية الداخلية و الخارجية لتلك النخبة وليس بالضرورة لمتطلبات الأمة الملحة .لذلك فعلى الفكر الديمقراطي السياسي الوطني أن يكشف ويعلن بصراحة وبدون خوف عن ميوله واتجاهات مفهومه للديمقراطية وأن يجردها من كل تعصب مذهبي أو عرقي أو مكاسب آنية وشخصية ليستطيع بلورة وتكوين نظرية ومنهاج سياسي – اجتماعي واقعي يكسب به ثقة الجماهير بكافة أطيافها معتمدا على الربط بين الديمقراطية السياسية و الديمقراطية الاجتماعية وحرية اختيار المنهج الاقتصادي التنموي ونبذ جميع الشروط الدولية التي تعرقل هذه الاستقلالية أو تحول دون منهجية العدالة الاجتماعية .
بهذا التوجه يتطور الفكر الوطني الديمقراطي مع متطلبات الواقع الاجتماعي ويتمكن أن يعمل على تحويل مأساة الأمة العراقية إلى عامل أساسي في خلق مفهوم جديد للديمقراطية مغاير للخطاب الديمقراطي الأمريكي وشعوذة المحاصصة الطائفية و العرقية التي فشلت و أدخلت العراق في كارثة يتوجب إزاحتها من العملية السياسية عبر جبهة ديمقراطية واسعة معارضة لتشكل البديل لها في التحول الديمقراطي وفي تداول السلطة وتسد الطريق أمام محولات النهج والأمريكي في فرض مقومات ديمقراطية العولمة.
المصادر

1-atheory of global capitalism-production, class,and state inatransnational word,by William I . robinson,the john Hopkins university press
2-from-antony arblaster
Democratic and its enemy,democratization,vol.6 .no. 1-1999

3-هارلد نوبيرث –النظام العالمى الجديد ومشاكل العالم الثالث, دار الطليعة,بيروت صفحة77
4-antie hoogvelt , Globalization and the post colonial world, john Hopkins unv. Press. P. 20
5- نعوم شومسكى ,- اعاقة الديمقراطية –الولايات المتحدة والديمقراطية –مركزالدراسات الوحدة العربية-بيروت ص.54
6-المصدر اعلاة ص.379
7- المصدر اعلاة
8—المصدر اعلاة ص.66
9 – paul street
Capitalism and democracy do,not mix long well – Znet Global Econo..27.11.2006
10-ibid
11- jean Ziegler,-die neun herrscher der welt und ihre globalen widersacher,goldman press.,p.51
12-ibid
13-noam chomsky
Profit over p eople .,seven stories press ., London. ,p.20
14-joseph stiglitz
Globalization and its discontents.,penguin book.,p.16-18
15-william i. robinson.,atheory of global capitalism……
16-paul street…..p.3 ibid
17-william i. robinson…-pushing polyarchy.,the us- cuba case and the third world.-

The third world quartly…vol.16,no.4., dez.1995
18-robert baer—Der niedergang der CIA-goldmann verlag
19-wiilliam i. robinson.,-theory of global capitalism……….p.159
20-وجية كوثرانى—جريدة النهار اللبنابية 31 كانون الثانى 2006—الفتوى والتكليف الشرعى

21-william i. robinson
What to expect from U S ? democracy promotion in iraq
AAPSO .,jan-aug .2005.,no.89., p.17-18

22-ibid

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية