‏في الشرق… حين يصبح تمجيد العائلة مرضًا عضالًا

محمد عبد الكريم يوسف
2026 / 5 / 2



‏في الشرق، لا تموت وحدك.
‏تموت معك شجرة العائلة، وتُدفن إلى جانبك قائمة طويلة من “آل فلان وآل علّان”، وكأن النعوة ليست إعلان وفاة، بل بيان نسب رسمي يذكّر العالم بأن الدم هنا… “مميّز”.
‏تفتح صفحة النعوات، فتشعر أنك تقرأ دليلًا للقبائل المعاصرة:
‏الراحل ابن “العائلة الكريمة”، وصهر “العائلة العريقة”، وقريب “العائلة الأصيلة”،
‏حتى لتظن أن الموت نفسه يمر عبر لجنة تحقيق:
‏“من أي عائلة أنت… قبل أن نسمح لك بالرحيل؟”

‏أولًا: العائلة… حين تتحول إلى ماركة مسجلة

‏في بعض المجتمعات، لم تعد العائلة رابطة إنسانية، بل علامة تجارية:
‏اسم يُسوَّق،
‏تاريخ يُضخَّم،
‏وسمعة تُلمَّع حتى لو كانت تحتاج إلى غسيل عميق.
‏لا يهم من أنت… المهم: من “آلك”.
‏وكأن الفرد مجرد ملحق صغير في ملف ضخم اسمه العائلة.

‏ثانيًا: الدم الأزرق… في زمن فقر الدم

‏الغريب أن الجميع يتصرف وكأن دمه أزرق،
‏بينما الواقع يقول إن معظمنا يعاني من فقرٍ في كل شيء… إلا في الألقاب.
‏عائلة “كبيرة”،
‏تاريخ “مشرف”،
‏أصل “عريق”،
‏لكن حين تسأل: “ماذا قدّم هذا الأصل؟”
‏يصمت الجميع، لأن الإجابة غالبًا… مجرد رواية متوارثة، لا أكثر.

‏ثالثًا: من النعوة إلى الأسطورة

‏النعوة في هذه الحالة ليست إعلان حزن، بل مهرجان تمجيد جماعي:
‏يُذكر فيها كل من يحمل اللقب، حتى أولئك الذين لا يعرفون الراحل إلا عبر “القروب العائلي”.
‏وكأن الهدف ليس توديع إنسان،
‏بل إعادة تذكير المجتمع بأن:
‏“هذه العائلة ما زالت هنا… حتى في الموت.”

‏رابعًا: لو كان إدغار ألان بو بيننا

‏لو كان إدغار ألان بو بيننا،
‏ربما لم يحتج إلى خيال مرعب ليكتب عن الرعب…
‏كان يكفيه أن يقرأ بعض النعوات.
‏في قصته “سقوط بيت آشر”، لم يكن الانهيار مجرد جدران تتداعى،
‏بل عائلة منهكة بثقل تاريخها،
‏منغلقة على نفسها،
‏تتآكل ببطء… حتى تسقط.
‏أليس هذا ما يحدث أحيانًا؟
‏عائلات تعيش على أمجاد قديمة،
‏تغلق أبوابها على نفسها،
‏تقدّس اسمها أكثر من إنسانها،
‏ثم تتفاجأ… حين تبدأ بالتصدع من الداخل.

‏خامسًا: تمجيد العائلة… حين يصبح عبئًا

‏المشكلة ليست في العائلة،
‏بل في تحويلها إلى مقدّس لا يُمس:
‏لا نقد،
‏لا مراجعة،
‏لا اعتراف بالأخطاء.
‏وهكذا، يتحول الاسم من مصدر فخر… إلى قيد ثقيل،
‏يحمله الأبناء، حتى لو لم يختاروه.

‏خاتمة: من يسقط أولًا؟

‏في النهاية، السؤال ليس:
‏هل تسقط العائلات؟
‏بل:
‏متى تسقط… وكيف؟
‏هل تسقط حين تنهار القيم؟
‏أم حين يصبح الاسم أهم من الإنسان؟
‏أم حين نصل إلى مرحلة،
‏نكتب فيها النعوة كأنها إعلان فخر،
‏وننسى أن الموت… لا يعترف بالألقاب؟
‏ربما لم يكن رودريك آشر وحده من عاش في بيت يتداعى،
‏ربما نحن أيضًا…
‏لكننا مشغولون بتلميع الاسم على الباب،
‏بدل أن نلاحظ أن الجدران… بدأت تتشقّق.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن