أملُ إبليس: عن القلب النبيل

دلور ميقري
2023 / 8 / 16

1
هواءُ الخريف، هبّ منذ أواسط شهر آب/ أغسطس، وما أنفكّ مُفعماً بشيءٍ من أريج الزهور، المُخفف من شعور المرء بالجزع لإنتهاء فصل الحر، القصير الأمد ـ كحيوات فراشاته ونحلاته. ومع الخريف، ستبدأ دراسة دارين في مستوىً متقدمٍ، وكان في ذهنه الإنتساب بعدئذٍ للمعهد العالي للفنون، الذي يُعدّه مستقبلاً للعمل في التدريس أو في مهنة مشابهة. لكنه كان يكرهُ أيّ مهنةٍ غير الكتابة، وثمة أملٌ مبهمٌ في داخله في التمكّن من التفرغ لها بمعونة مالية مُنتظمة من المجلس الأدبيّ. وكانَ دوغان، كما علمنا، يعملُ بصفة الخبير الثقافيّ في ذلك المجلس.
رأى من جديد رَجُلَ شيلان، وكانَ هذه المرّة مُعلقاً بخيط سروالها الداخليّ، المَشدود إلى سحابةٍ سمراء، ثابتة ـ كنظرتها الملية لمَن تتوقُ أن يُضحي حبيبها أو عشيقها. فوق مباني المجمع السكنيّ، كانت أشعة الشمس تضمحل، والخط الأخضر قد تجمد عشبه وخمائله وأشجاره. صوت انّيكا يتصاعد من الشارع، وهي تتشقلبُ ـ كقرد السيرك ـ بفستانها القصير دونَ سروالٍ داخلي تحته. والمتفرج الوحيد، كان طفلاً في العاشرة من عمره، يُحاول يائساً استمناءَ عضوه الطويل والرفيع.
إنه حلمٌ، أكتفى دارين في السرير باستعادة تفصيله الأخير. للأسبوع الثاني، بلا إمرأة تشاركه الفراش. كانَ في وسعه الإتيان بإحدى النساء من الملهى، لكنه كانَ يأملُ بعودة إيفا. وكأنما الحلمُ، هوَ بالفعل فاتحة للواقع وليسَ إنعكاساً له ـ كما تؤكّد مدرسة فرويد. إذ غبّ خروجه من الحمّام، جاءته مُخابرة من دوغان. تكلّم الرجلُ بسرعة، مثلما يفعلُ السياسيّ المرموق، المَحصور من لدُن رجال الإعلام عند مَدخل البرلمان: " أرغبُ برؤيتك اليوم، فأتِ بالرسوم معك. سيمرّ عليك قريبي، ويأخذك بسيارته إلى ستوكهولم. أعمل حسابك أن نتغدى معاً، وكذلك أن تبيت هنا. تمام يا عزيزي؟ ".
أما قريبه، فإنه شابٌ أسمر ذو بنية قوية، يفرق شعره من أمام على الموضة، ملامحه الخشنة تغدو لطيفة حالما يبتسم. فيُمكن تشبيهه عندئذٍ، مع بنيته ووجهه الطويل وغرّته، ببغلٍ طيّب في أوان الراحة. وكانَ بالفعل ذلك البغل، مع قليلٍ من الطيبة، يُؤدّي خدماتٍ على أمل الإستفادة منها آنياً أو مُستقبلاً. قدّمَ نفسَهُ بشيءٍ من العَظَمَة، نافخاً شدقيه كريفيّ أصيل: " يَدعونني عُمَرو، وأنا ابن خال دوغان. أعملُ مُترجماً للأجانب، باللغتين التركية والكردية بلهجتيها الكرمانجية والدوملية. لقد علمتُ من دوغان، بأنّ أصول عائلتكم أيضاً من ملّة الظاظا ". ردّ دارين، قائلاً: " نعم، أسلافنا تركوا أولاً مواطنهم في جرموك، من أعمال ديار بكر، وتوطنوا في مازيداغ بريف ماردين. جيلٌ آخر منهم، نزحَ في زمنٍ تالٍ إلى الشام ". أستدرك عمرو بالقول، كأنه نسيَ شيئاً مهماً: " في الأساس، أنا خريجُ كليّة الهندسة من جامعة أنقرة. هذا، بالرغم من ميولي الأدبية. فأنا كاتبٌ، لديّ عدّة مؤلّفات في الشعر والدراسات الفكرية ".
وكانَ دارين قد أكتفى بتلك المعلومة في التعريف بنفسه، وأنه صديقٌ لإبن عمّة البغل الخدوم. بيد أنّ هذا الأخير، وكانت أصالته تحتّم عليه أن يكونَ أيضاً فضولياً، طفقَ في خلال الطريق يستجوبُ رفيقَ الرحلة كي يعرف معلوماتٍ أكثر عنه. لما أخبره دارين بسبب الزيارة، علّقَ الآخرُ بالقول: " وأنا كذلك رسامٌ، لكنني أهتمّ بالموسيقى أكثر. لديّ مُراسلة مع مايسترو أرمني، يعيشُ في نيويورك وهوَ معروفٌ عالمياً، سيقومُ بتوزيع أحدَ ألحاني؛ ولكن، لا تُخبر أحداً! عندما تزورني في شقّتي، سأسمعكَ اللحنَ، وكذلك ترى بعضَ أعمالي الإبداعية في الأدب والفن والفكر. أنا أعيشُ مع فتاةٍ سويدية، تعملُ طبيبة، وقد أنتقلنا مؤخراً إلى أوبسالا ". ثم أضافَ، وعلى شفتيه السميكتين ظلّ إبتسامةٍ ساخرة: " جدّة شيلان لأمها، هيَ صاحبة الشقّة، تؤجّرها لنا بالأسوَد ". المفردة الأخيرة، تعني مَن يُمارس التحايل على القانون.
الرحلة، توجّبَ أن تكونَ إلى البندقية في إيطاليا وليسَ إلى " بندقية الشمال " ـ كما تُكنّى ستوكهولم ـ وذلك لكي يُنهي المبدعُ ذكرَ مآثره ومغامراته، علاوةً بالطبع على نضاله السياسيّ. وكانَ في وسعه، بسهولة ويُسر، تعدادَ أسماء الأدباء السويديين من الجنسين، الكلاسيكيين والمُعاصرين، كونه قرأهم جميعاً، بما فيهم الأصغر شأناً، كما ترجمَ إلى الكردية أعمالَ الأكثر شهرةً منهم. حينَ تطرّقَ إلى الحديث عن الشاعرة، كارين بويه، لم ينسَ القولَ بأنها كانت سحاقية. ثم أضافَ برصانة: " العديدُ من الأدباء في العالم، لم ينالوا جائزةَ نوبل، لأنّ ميولهم الجنسية كانت غير طبيعية. وهذا بالتأكيد، ظلمٌ كبير. لكن الأكاديمية السويدية، من ناحية أخرى، مُحقّة نوعاً ما. تصوّر أن تمنحَ جائزتها لأديبٍ ما، ثم يظهر في اليوم التالي مَن يُصرّح للإعلام بأنه ناكه إحتفالاً بالمناسبة! ". قال ذلك، ثم أطلقَ قهقهة عالية. لقد كانَ راضٍ عن نفسه كلّ الرضا، هذا البغلُ الخدوم والمُتحذلقُ اللسان.
تلك النميمة عن جدّة شيلان، ضافرَها حينَ تناولها هيَ بالذات: " أخي، سأقولُ لك شيئاً؛ ولكن، أرجوك، ألا تُخبر أحداً! لقد أخطأ دوغان بالزواج من شيلان، لأنها إمرأة مُتسلّطة. علاوة على غرورها بغناها، المُتأتي أساساً من زواجها السابق. إنها تتعاملُ مع والدته بشكلٍ سيء، وكذلك مع أقاربه من ناحية الأم. تصوّر، أنني لم أدعَ مرةً قط على مائدة منزلهم. كذلك الأمر بالنسبة لأسرة آلان، مع أنّ جدّته لأمه قريبتي. ومع أنهم، هنا وهناك، يعتمدون على خدماتي وكأنني عبدٌ عندهم. الكرمانج عموماً، يا أخي، هُم بهذه الأخلاق! ".
ولكنّ دوغان، ليسَ بريئاً ومُنزّهاً في آخر الأمر؛ بحسَب شهادة ابن الخال: " إنه تزوجَ شيلان من أجل المال، لا لأنها تُجيد فتحَ ساقيها في السرير. أساساً هيَ لا تحبّه، وهوَ يعلمُ ذلك. فلِمَ إذاً قبلت به، مع أنه يكبرها بنحو عشرة أعوام؟ ألأنه كاتبٌ؟ أنا أكتبُ أفضل منه! أساساً لو أنه مبدعٌ بحق، لكان قد كتبَ بالتركية! كانَ عندئذٍ قد حققَ شهرة عالمية، مثل ياشار كمال، المترجمة كتبه لعشرات اللغات. أنا أيضاً ـ أعترفُ لك ـ أكتب بالكردية، كوني أعرفُ أنّ السويديين يعتبرونها لغةً مهددة بالانقراض مثل لغة الهنود الحمر! أتعلمُ لِمَ سافر دوغان إلى تركيا؟ كانَ يأملُ أن يعتقلوه، فيبقى بضعة أيام في الحجز لحين أن تتدخّل السفارة السويدية أو الإتحاد الأوروبي. بعدئذٍ، يُطالب بتعويض كبير، هنا في السويد، ربما يصل إلى المليون كرون. فضلاً عما كانَ سيحصل عليه من ضجّة إعلامية دولية، ستجعل له إسماً لامعاً. إلا أنّ الأتراك أدركوا لعبته، وفوّتوا عليه الفرصة. عند ذلك إنقلبت الآية، فأخذ بمدح الأوضاع في تركيا. ولم ينسَ المرورَ على ياشار كمال في أسطنبول، لكي يتسول التقريظ لرواياته التافهة، ومن ثم يُرسل شهادةَ الرجل مع صوَرهما إلى الإعلام السويديّ. المسكين ياشار كمال، وهوَ في شيخوخته، لعله ظنّ أنه أمام شخصٍ يُمكن له التأثير في الأكاديمية السويدية لمنحه جائزة نوبل. وعلى الأرجح، أنّ دوغان مَن أوحى له بذلك. في حقيقة الأمر، أنه يظنّ نفسه أهم من ياشار كمال، وبالتالي، أولى منه بالجائزة. لماذا؟ لأنه يكتبُ بلسانه الأم. خرائي عليه وعلى لسانه الأم! إنني أخدمه حتى بدون أن آمل منه مجرّد قدح شاي، أتعلم لماذا؟ لأنني أحب شيلان! لقد كانت تحبّني، وهوَ من أختطفها منّي. ولكن، أرجوك، ألا تُخبر أحداً! "
" هي أحبتكَ، ومع ذلك تزوجت برجلين غيرك؟ "
" نعم، إنها ذات طبيعةٍ مُتقلبة المزاج. إنها فَرْجٌ، في آخر المطاف! بالرغم من أنها خائنة، فإنني ما أنفكّ أحبها. يكفي أن أراها كي يهدأ هذا القلبُ، المُفعم بالمشاعر النبيلة! ربما تعدّني معتوهاً، أو بلا كرامة، لو قلتُ أنها حين تنام مع زوجها أشعرُ كأنها نائمة معي ". فكّرَ دارين، وكان يكبتُ ضحكته بمشقّة: " قلبٌ نبيل، قلبُ شاعر ومفكّر ورسام وموسيقيّ! ".

2
كانَ غريباً، أن ينفثَ ذلكَ اللسان السليط كل تلك السموم من النميمة عن أقاربه، لشخصٍ بالكاد رآه لأول مرة. حتى لو كانَ دارين، حقاً، يُوحي بالثقة ـ ببراءة مظهره وما يبدو عليه من حياء وتحفّظ ـ فإنّ هذا لا يفسّر تلك التدفقات من الكراهية، التي جرت على لسان الشاب الأخرق. هذا الأخير، ما لبثَ أن طُردَ، كما كانَ يتوقّع بنفسه، من أمام باب شقّة دوغان مع كلمة مُقتضبة: " لديّ عمل مهم مع دارين، شكراً لأنك أتيتَ به بسيارتك ".
أستقبلت شيلان الضيفَ بالترحاب الحار، مع تقطيبةٍ مُداعِبَة من جبينها: " لِمَ تبدو عابساً؟ أم أنّ ذلك المُدمن على الكذب، قد صدّع رأسك طوال الطريق بحكاياته المُلفّقة؟ ". بعد أن أرتاح قليلاً، عادت تسأله ضاحكة: " ألم يقل لك الكذّاب، أنه درسَ الطب في تركيا؟ "
" لا، لقد درسَ الهندسة! ولكن صديقته هيَ الطبيبة، كما فهمتُ "
" إنها مُساعدة ممرضة! "، قالتها شيلان وأستغرقت بالقهقهة. سوى أنها كانت بهيئة ربّة البيت الوقورة، لا يكاد المرءُ يصدّق أنها هيَ نفسها من زارت الضيفَ بمفردها قبل زهاء أسبوعين. إلا أنّ طريقتها في الكلام معه، المُتّسمة بالإنطلاق والتلقائية ـ وكأنهما صديقان حميمان ـ أقلقته للغاية في بادئ الأمر. كان يرمي بنظراتٍ موارَبة إلى ناحية زوجها، ليسبر غوره فيما لو أعتراه أيّ نوعٍ من الشك تجاه مسلك إمرأته. لكن دوغان كانَ مشغولاً بتأمّل الرسومَ، التي أنجزها دارين للصحيفة. فما لبثَ أن رفعَ رأسَهُ، ليُخاطب الرسامَ بالقول: " لقد أديتَ عملاً رائعاً، ليسَ بخطوطك المُتقنة، حَسْب، وإنما أيضاً بعمق فهمك للقصص والأشعار ".
حقّ لدوغان أن يُدهشَ، في ذلك اليوم، حينما علِمَ أن دارين يكتبُ الشِعْرَ، وأنه جمعَ قصائده البكر في كتابٍ ربما يرى النورَ في العاصمة اللبنانية. وقال صاحبُ الديوان، وليسَ بغير شعورٍ بالخجل: " بيكس، سبقَ أن أمتدحَ قصائدي، وذلك أثناء أمسية أقيمت له في دمشق قبل عامين "
" بيكس صديقي، وقد سعينا له كي ينالَ جائزةَ توجولسكي! "، قالها المُضيف كمن يفعل الخير ثم يرميه في البحر. ثم عقّبَ بالقول، بنبرة الناصح: " أتمنى أن أساعدك، أيضاً، في هذا المجال. لكن من شروط الإنتساب لإتحاد الكتّاب السويديين، أن يكونَ لديك كتابان على الأقل. عضوية الإتحاد، تمنحك إمتيازاتٍ عدّة؛ كأن تحصل على منحة تفرّغ لعامٍ أو أكثر، مع إقامةٍ أحياناً في إحدى الجزر اليونانية، وخصم جيد عند شراء كمبيوتر أو النزول في فندق، فضلاً عن تمويل طباعة كتبك ".
تلك الإمتيازات، كما علمَ دارين فيما بعد، جعلت أعدادَ كرد تركيا، المنتسبين لذلك الإتحاد، يفوقُ تقريباً أعدادَ السويديين. لكي يُسمّى أحدهم أديباً، فينتسبُ لإتحاد الكتّاب، كان يكفي إذاً أن يطبعَ كتابين: سيجمعُ بضعَ مئاتٍ من الأسماء الكردية للذكور والإناث؛ وهذا أولُ كتاب. أما الكتاب الثاني، فإنه يحتاجُ لجمع بضع عشرات من الأمثال الكردية. حينَ يُراجع المرءُ القسمَ الكرديّ في أيّ مكتبة عامة، يُفاجأ بأنّ معظمَ الكتب لمؤلفين يعيشون في السويد، تَنتظمُ في ذينك الموضوعَيْن، المَوْسومين. هاكَ دليلكَ للأسماء والأمثال الكردية! على أونا، على دوّي، على تري........
بعد بضعة أعوام، كانَ دارين في النادي، حينما دخل شابٌ كي يسأل عنه. كانَ في هيئة عمال المطاعم، وما فتأ طحينُ البيتزا يُغبّر شَعْرَهُ ورائحة الكباب تفوح من ملابسه. أذناه، المُنتصبتان كأذنيّ الفيل، ربما دلتا على سذاجة صاحبهما؛ إلا لو كانَ الأمرُ، بالطبع، يتعلق بتحصيل المال! وإذاً، أقتربَ هذا الشاب من الشخص المَطلوب، وسأله بصوتٍ كالغمغمة: " سمعتُ أنك صديقٌ لدوغان، الذي يعملُ مسئولاً للقسم الكرديّ في المجلس الأدبيّ؟ ". أومأ دارين رأسَهُ بالإيجاب. فقال له عاملُ المطعم: " أريدكَ أن تكون واسطتي، لتتكلم مع دوغان كي أنتسبَ إلى إتحاد الكتّاب السويديين ". عند ذلك، نهضَ دارين من مكانه وعانقَ الشابَ: " أحييك، يا أخي! أنت آخرُ كرديّ تركيّ في هذا البلد، لم ينتسبَ بعدُ إلى الإتحاد! ".
الكذّاب، كانَ أكثر ذكاءً بقليل من مواطنيه أولئك، " أدباء الكباب والبيتزا ". أستخدمَ اللغة السويدية، التي يعرفها نوعاً ما، لمحاولة إقتحام قلعة النخبة الثقافية في العاصمة. ترجماته، كانت هزيلة في حقيقة الحال، لا تفضل عن أشعاره الرديئة. لقد نشرَ ثلاثة كتب من هذه النوعية، بطباعة جداً بدائية. من أجلها، سحبت صديقته مبلغاً كبيراً من رصيدها في البنك. لكنها فيما بعد، عرفت أنه لم يدفع فلساً للمطبعة، الكائنة في مدينة " فالشوبينغ "، أين كانا يقيمان. لقد أنتقلَ معها إلى أوبسالا، فراراً من مطالبته بالدَيْن؛ وربما بديون من أطراف أخرى. غير ذلك، ومثلما لحظَ دارين لاحقاً حينما زارهما في الشقّة، كانت المسكينة هيَ مَن يتولى الإنفاق على كل شيء، فيما صديقها يكنزُ راتبه أو يبعث قسماً منه إلى أهله في تركيا. لكنها كانت تحبّه، كونه أمتلك ذات يوم قلباً مُفعماً بالنبل!
في يوم الجمعة التالي، وكانَ قلبُ الخريف يخفقُ مع النسيم البارد، أستقلّ دارين السيارةَ مجدداً للتوجه إلى تلك القلعة المُهيبة، المحروسة من لدُن جبابرة على شيءٍ من الغموض. في هذه المرة، شاءَ دوغان أن يلتقيه في المقهى اليوناني، الكائن في دربٍ فرعيّ متصل بمركز ستوكهولم. كان المبنى لا يمتّ للعمارة الإغريقية، والأثاث في غاية القدم والبساطة. بكلمة أخرى، كانَ أشبه بمقاهي السرياليين في باريس. توقّعَ دارين أن يجدَ الروائي الكبير ضمنَ حلقة من المُريدين، شبيهة بحلقة الأستاذ نجيب محفوظ في مقهى قصر النيل. لكنه دُهِشَ حينَ وجده بمفرده، وكانَ يقرأ مجلة أدبية سويدية. قال له الكاتبُ الكبير، بحضور عمرو: " الأديبُ، يحتاجُ للوحدة كي يُبدعَ. أنا في وسعي أن أجبرَ الآخرين على إحترام وحدتي، وبالطبع حينَ أكون مُنغمساً في الكتابة. المشكلة، أنّ الكثير منهم يعتقدُ ذلك تعبيراً عن الغرور والتعالي. أبداً، فإنني أنواضعُ حتى أمام الأطفال. في المقابل، فإنّ الأديبَ بحاجةٍ إلى علاقاتٍ عامّة، عديدة ومُتشعّبة؛ وإلا فإنه سيكونُ أديباً فاشلاً "
" ومن المُمكن لإمرأة سويدية أن تقلبَ مصيرَ الأديب الأجنبيّ رأساً على عقب "، علّقَ عمرو على كلام قريبه بنبرته المُتحذلقة. ثم أضافَ، موضّحاً: " وكمثال على ذلك، صديقنا محمد تاكسي. إنه لا يعرفُ اللغتين السويدية والإنكليزية، ومع ذلك له مؤلّفات بهما. كيفَ ذلك؟ نعم، إنه ينقلُ شفاهاً لإمرأته فكرتَهُ، أو قصتَهُ، وهيَ من تكتبها حالاً! "
" لن ندخلَ في التفاصيل الخصوصية لهذا الكاتب أو ذاك الصحفي، فإنه عملٌ عبثيّ لا طائلَ منه. لكنني أوافقك الرأيَ، بأن من المُهم للكاتب الأجنبيّ أن يحظى بصديقةٍ سويدية، والأفضل لو أنها تعملُ في المجال الثقافيّ وتمتلك علاقاتٍ واسعة مع المؤثّرين فيه ".
محمد تاكسي، إستحقّ كنيته بجدارة. كانَ سائقَ عربة، أستُبدلت لوحةُ أرقامها بلوحةٍ كتب عليها " أدب الكباب والبيتزا ". كانَ يُوصل إلى هدفهم الشبّانَ الموهوبين، الطامحين لإمتهان حرفة الكتابة، وبالطبع لإمتلاكه شبكة مُتشعّبة من العلاقات العامة. ثم ما لبثَ أن تعرّفَ عليه دارين حينَ كانَ ضيفاً في سهرةٍ ثقافية بشقّة دوغان، ضمّت عدداً من مواطنيه؛ أعلام الأدب والفن والفكر. السهرة، كانت للإحتفاء بصدور العدد الأول من الصحيفة الأسبوعية، التي أسهم فيها دارين برسومه. المُضيف، لمّا قدّمَ الرسامَ بوصفه شاعراً أيضاً ويستحقُ التشجيع، فإنّ سائقَ العربة قال بضيق: " الكل يحتاجُ إلى التشجيع، وبالنتيجة أنّ ميزانية إتحاد الكتّاب السويديين أضحت صفراً تقريباً! فهذا يُريد منحةَ تفرّغ، لأن مطعمه أشهرَ إفلاسه. وذاكَ يُقدّم على طلب الإستجمام في جزيرة كريت اليونانية، وإلا فإن إمرأته ستقاطع فراشَهُ. وآخر طبعَ كتاباً في أسطنبول، كلّفه ثلاثة آلاف كرون، ويطلبُ من الإتحاد مبلغَ خمسين ألف كرون الخ الخ. وأنا، بقلبي المُفعم بالنبل والطيبة، أتحمّلُ تبعاتِ تلك التصرفات أمام السويديين؛ بل وأجدُ لها الأعذارَ، أيضاً. لماذا؟ لكي لا يساورهم الشك، بأننا عصبة من النصّابين والمحتالين! ". السائق، أسهمَ بدَوره في الصحيفة بسلسلة مقالات؛ هيَ في حقيقتها، تحقيقٌ صحفيّ عن خلفيات إغتيال أولوف بالمة. لقد خدمه خياله الخصب في هذا التحقيق، فقام بفبركة حكاياتٍ مُتشعّبة ـ كعلاقاته العامّة ـ وكل ذلك كي يُعزز فرضية سابقة لجهاز البوليس السرّي السويديّ، تلقي اللومَ في الإغتيال على تنظيم ب ك ك. هذا، مع أنّ تلك الفرضية كانت قد تهاوت في عامٍ سابق بما يُشبه الفضيحة الرسمية؛ وبالنتيجة، قدّم رئيس الجهاز إستقالته وكذلك وزيرة العدل.
صاحبنا سائقُ العربة، سرعانَ ما أضحى بدَوره بطلاً لفضيحةٍ مُدوّية. مديرُ تلك الصحيفة، كانَ قد تقدّمَ بطلب الحصول على منحة سنوية لدعم مطبوعته، وقدرها ثلثمائة ألف كرون. من وراء ظهر المدير، إتصل السائقُ بالجهة المانحة، مُقدّماً نفسه بصفة المدير المسئول للصحيفة. كون محمود تاكسي إسماً لامعاً عند السويديين، فإنهم حوّلوا مبلغَ المنحة إلى حسابه في البنك الرئيس في أسطنبول. هكذا إنفجرت الفضيحة، وتراشقَ الرجلان بالإتهامات على صفحات الجرائد السويدية، وكلّ منهما يدّعي أحقّيته بذلك المبلغ. إلا أنّ النصّابَ، ولا غرو، تملّصَ بسهولة ويُسر من تبعات القضية. لقد بقيَ إسمه لامعاً، وكذلك أستمرّ بقيادة عربة أدب الكباب والبيتزا. قلبٌ نبيلٌ!

3
على سبيل التسلية، وبحُكم العادة أيضاً، إنساقَ دارين إلى صداقة الكذّاب. إلا أنها كانت صداقة مُكلفة، لما علمناه عن خلق هذا الأخير. عن طريقه، تعرّفَ دارين على شاب من كرد الشمال السوريّ، يُدعى " زورو ". سبقَ هذا أن أقامَ مع الكذّاب في معسكر اللاجئين بمدينة فالشوبينغ، كطالب لجوء؛ فيما كانَ الآخرُ يعمل ثمة بصفته كمُترجم. كانَ للشاب ميولٌ أدبية، كونه خريجَ كلية التجارة من جامعة دمشق. حالما أستقرّ في أوبسالا، بمعونة من إبنة عمّه، راحَ يُدير متجرَ زوجها، الكائن في مركز المدينة. كانَ شاباً لطيفاً، لو غضضنا الطرفَ عن إعتداده الكبير بنفسه. كذلك ينبغي التغاضي عن الخصلة الأبرز في خلقه، وهيَ التقتير حدّ التزمّت. ولأنّ البخلَ هوَ أبو الرذائل جميعاً، تعيّنَ على الشاب أن يضعَ في جيبه، خلسَةً، بعضَ الأوراق المالية المُعفاة من الضريبة. حينَ شكى صاحبُ المتجر، ذاتَ مرّة، من تناقص الإيرادات، بررَ قريبُهُ الأمرَ بلجوء بعض الزبائن للسرقة. في فترةٍ تالية، لما توثقت علاقة دارين مع هذا الأخير، صارَ يُستبقى في المتجر على سبيل التسرية عن النفس. ثمة، إلتقى يوماً بإمرأة صاحب المتجر، والتي رمقت حقيبته المدرسية بنظرةٍ كلها ريبة وسوء ظن!
" ها، أنتَ في البيت، وحيداً كالعادة؟ "، قالَ له عمرو عبرَ خط الهاتف. ثم أضافَ، بصوته الفخم: " أنا قادمٌ بالسيارة مع زورو، ولكن لا تجعل بيننا تكليفاً بشأن العشاء. كل ما هنالك، أن تضعَ دجاجتين في الفرن ". كانت الساعة الحادية عشرة ليلاً، ودارين من المُفترض أن يكونَ في المعهد بتمام الثامنة صباحاً. عندما إقتحمَ المُتطفّلان المطبخَ، وجدا مقلاةً فيها بيضتين مُحمّصتين: " ما هذا؟ أينَ الدجاجتان؟ ". ردّ المُضيف، مومئاً إلى المقلاة: " ما زالتا بيضتين، كما تريان، ولن تفقسا أبداً! ". لكنّ زورو، وكانَ وجهه أصفر على خلفية صبره على الجوع في المتجر طوال النهار، مدّ يده إلى الفريزا وأخرجَ قطعة بيتزا ثم دفعها داخل الفرن. المُتطفّل الآخرُ، وكانَ مُتّصفاً بالجوع المُزمن، نظّفَ الثلاجةَ من محتوياتها. قال أخيراً للمُضيف، وكانَ ما فتأ يقضمُ الخبزَ بشراهة: " لو أنك وضعتَ دجاجتين في الفرن، أما كانَ ذلك أوفر لك؟ ". بقي الصديقان إلى ما بعد منتصف الليل بساعة، ولعلهما أملا أيضاً بتناول الفطور في المطبخ، لولا أنه نُهبَ حتى آخر كسرة خبز. في اليوم التالي، عقبَ عودته من المعهد، تلقى دارين إتصالا من عمرو: " لم أستطع النوم، ليلة أمس، إلا بعدما أتاني الإلهام لكتابة ثمان قصائد دفعة واحدة ". ثم أعقبَ، مُقترحاً أن يقضيا السهرة في ملهى " ألكسيس "، بما أنه يوم جمعة: " كذلك سيلحقنا زورو، حالما يُغلق المتجر ".
قررَ دارين مساءً أن يركبَ الحافلة إلى مركز المدينة، ثم ما عتمَ أن غيّر رأيه حينَ أضحى خارجَ المسكن. كانَ الطقسُ مُناسباً للمشي، كون مسكنه كما علمنا لا يبعد كثيراً عن المركز. أخذ طريقه خِلَل شارع فكسالا، الأثير لديه، المُمتلئ بالأضواء المبهرة وحركة المواصلات الصاخبة. مع أن طبيعته، حتّمت عليه في المنزل الميل إلى الضوء الخافت والموسيقى الهادئة. الأبنية على طول الشارع، قصيرة القامة نوعاً. وكانَ دارين، بطبعه أيضاً، يكره الأبنية المُتعددة الدور. كانَ مُتأكّداً أنه سيُصاب بالجنون، لو أنه أضطرَ للعيش في مدينةٍ كنيويورك: " ربما لهذا السبب، نزحَ أغلبُ المبدعين الأمريكان إلى باريس منذ مستهل هذا القرن ". ثم ما لبثت فكرة أخرى أن نبتت في رأسه، بالإحالة إلى مكالمة الكذّاب: " ينبغي عليّ أن أغبطه، حقاً، على ذلك الإسهال الشعريّ. فإنّ ديواني، وكانَ حصيلةَ عقدٍ من الأعوام تقريباً، لا يضم سوى سبعة عشرة قصيدة ".
ثمة في الملهى، لما ألتقى صديقه، نقل إليه ذلكَ الشعور. فقال عمرو، مالئاً شدقه بهواءٍ جعلَ صوته جهيراً: " لعلك لن تصدقني، لو قلتُ لك أنني في خلال خمسة أعوام أنتجتُ ألفين وخمسمائة قصيدة. أما قصائد مرحلة المُراهقة، وكانت بنفس العدد تقريباً، فإنني أحرقتها كلها عن آخرها. ولم أندم على ما فعلته، كوني أحرصُ على النوع لا على الكم. مع أن تلك القصائد التالفة، كانَ من المُمكن أن توزّع على عشرين شخصاً وكلّ منهم كانَ سيُمسي عندئذٍ شاعراً، فيحظى بالإنتساب إلى إتحاد الكتّاب السويديين! ". وكانَ حالما دخلَ الملهى قد توجّه إلى دورة المياه، لكي يضمنَ أن دارين سيدفعُ ثمنَ البيرة. بعد نحو ساعة، لما حضرَ زورو، تساءلَ فيما كانَ يومئ إلى قدحيّ البيرة: " هل بدأتما الشربَ قبل مجيئي؟ ". ثم ألقى نظرةَ المُتسوّل على دارين، مُستجدياً أيضاً الحصولَ على الشراب. لكنّ هذا تجاهله. في الأثناء، كانَ صديقهما قد أنهى الرقصَ مع إمرأة خمسينية ثم رافقها إلى طاولتها. هنيهة أخرى، وإذا المرأة تزعقُ فيه بحدّة: " أيها الخنزير، كفّ عن العبث بأستي! ". عادَ إلى صديقيه، وكانَ مُحمرّاً من الخزي. دمدمَ في حنق: " لقد تمكّنَ الشرابُ منها، ولا شك. السكّيرة المُتهالكة، البلهاء! إنها لا تعلمُ، أن ثمةَ فتاةً عشرينية تنتظرني في السرير، فاتحةً ساقيها ".
نهاراً، يجتازُ دارين الجسرَ الأثريّ الفسيح، الذي يمرّ منه الشارع الرئيس، المُتصل بين مكتبة كارولينا وساحة المدينة الرئيسة. هديرُ النهر، ينبعث من جديد غبّ وَداعة أشهر الصيف. الأشجارُ، في المقابل، تلوحُ كئيبةً فيما هيَ تتمرأى عريَها في مياه النهر. وكانَ هوَ بنفسه على شيءٍ من الكآبة، بسبب ما يُعانيه من الحرمان الجسديّ. بالأمس، في الملهى، زهدَ بصُحبة النساء على أثر ذلك الموقف المُشين، الذي كانَ الكذّابُ نجمَهُ. هذا الأخير، ما عتمَ أن طالعه ثمة في النادي، وكانَ جالساً بأبّهة وسط حلقة من مواطنيه. لما أقتعدَ دارين بالقرب منه، مالَ عليه ليهمسَ في تأثّر: " ياو، تقول لهم أنك كاتبٌ، فيسألونك ماذا تعمل! "
" إنهم جميعاً كتّاب، لكنّ هذا لا يُعطّل عملهم في المطعم أو المتجر "، علّقَ دارين ساخراً. بقيَ الآخرُ يُبحلق فيه هنيهة، وبدا أنه لم يفهم النكتة. كانت الصالة مُزدحمة بالنساء في هذا اليوم من عطلة نهاية الأسبوع، وكانَ لعمرو فكرة مُسبقة عن بعضهن. قال لصديقه، مُدَغْدَغاً بمسّ من النميمة، مومئاً إلى ناحية إحداهن: " غولبهار، أجرت عشر عمليات تجميل لفَرْجها. أتعلمُ ذلك؟ ولهذا السبب لم يعُد يعجبها زوجَها، فتجدها تلاحقُ الشبانَ الوسيمين ". كانَ يتكلمُ عن مطربة معروفة، نادراً ما تظهرُ في غير المناسبات؛ وبالتالي، كانت حياتها الخاصّة مُغلقة على الآخرين. لكن الكذّاب، مثلما لاحظ دارين، كانَ يُمنّي نفسه بكل إمرأة على جانبٍ من الغنى، وخصوصاً لو كانت جميلة. على ذلك، سأله هذا الأخير: " هل كانت غولبهار تحبّك بدَورها، قبل زواجها؟ "
" ومن أينَ لي أن أعرفها قبل زواجها؟ "
" سألتك، على خلفيّة ما سبقَ وأسررت لي، بأنك وشيلان كنتما متحابّين "
" أنا فهتُ بهكذا كلام غريب؟ "، قاطعه عمرو وهوَ يُحدّق بعينيه. إذاً، فإنّ للكذّاب ذاكرة السمك؛ هوَ مَن يُطلق نحو مائة كذبة في اليوم الواحد، جنباً لجنب مع تأليفه للعدد القياسيّ من القصائد. ردّ دارين، على أية حال: " لعلني فهمتُ كلامك خطأ، وهذا يحصلُ غالباً عندما ينالُ الخمرُ منَ المرء ". هزّ الآخرُ رأسَهُ، دلالة على التفهّم. ثم ما عتمَ أن هتفَ، وكأنما ظهرَ له عفريتٌ: " تلك القحبة، التي جرّستني في الملهى! من قهرها، ضاجعتُ صديقتي ليلة أمس ثمان مرات "
" ألم يُلهمك الموقفُ أيضاً، لكتابة ثمان قصائد؟ "
" كيفَ عرفتَ ذلك؟ "
" مُجرّد حَدَس "
" إذاً أنتَ تمتلكُ موهبةَ الحدس، وهذا شيءٌ مهمٌ للكاتب "، قالها الكذّابُ بنبرةٍ مُحتفية ومتماهية بالتهكّم. هذا مَن كانَ قد أعتُبرَ صنواً للبغل، فكّرَ دارين، ما كانَ يخلو من الذكاء، وأيضاً بطبيعة الحال، من المكر والخبث.
قال عمرو، فجأةً: " غداً، أنتَ مدعوّ على الغداء لدينا ". لم يقبل أيّ حجّة للتهرّب، وأضافَ: " سأمرّ عليك بالسيارة، لكي أصحبك إلى مسكننا ".

4
صديقة الكذّاب، كانَ اسمها " فيكتوريا "؛ بدينة بعض الشيء، لكنها ذات ملامح لطيفة. كانت عيناها ضيقتين ( كأن في دمها أثرٌ لعرق السامرنا الشماليّ )، تغشاهما نظارة طبية. وقفت في الردهة لإستقبال الضيف، ولما سارت أمامه في الطريق إلى الحجرة، أشار له صديقها مومئاً إلى ردفيها: " أنظر ما أكبرهما وأشهاهما! ". لكنّ دارين تجاهل كلامه، وما لبثَ أن سأله: " هل سيحضرُ زورو؟ "
" وهل دعانا، مرةً قط، إلى شقّته حتى لشرب قدح شاي؟ "، ردّ عمرو مُوَصوصاً بعينيه الفاحمتين. كانت الشقة على نمط " الإستديو "، مؤلّفة من حجرة واحدة تستعمل، معاً، للنوم والإستقبال. السرير، كائن في صدر الحجرة، داخل مقصورة أسدل عليها ستارة. في خلال تناول الغداء، خيّل إلى الضيف أن زورو قد سُجنَ داخل تلك المقصورة وأنه يصرخُ بلا صوت: " هل بدأتم الأكلَ قبل مجيئي؟ ". قُدّمَ أيضاً النبيذ الأبيض، كون الوليمة تألفت بشكلٍ رئيس من الباستا مع البشاميل. المُضيف، لاحَ عندئذٍ كأنما هاربٌ تواً من مسغبة الصومال أو جنوب السودان. جددت له صديقته صحنَهُ مرتين، إلا أنّ هذا لم يمنعه أخيراً من غرس شوكته في صحنها. لقد كانَ عبارةً عن معدة، وأيضاً بالطبع، قلب مفعم بالنبل.
أشعلت فيكتوريا سيجارةً، فيما كان صديقها يحتسي الشاي. عندما كان قد بقي رمقٌ في السيجارة، أستلها من يدها وراحَ يعبّ الأنفاسَ بشراهة: " هذه طريقة ناجعة، لكي أترك التدخينَ تدريجيا "، قال للضيف. هذا الأخير، وكان قدحُ الشاي بيده، ألقى في الأثناء نظرةً على المكتبة. أغلب الكتب كانت بالسويدية والإنكليزية، وكانَ واضحاً أنها تخص قيكتوريا. أما بقية الكتب، فكانت بالتركية. سألَ المُضيفَ: " لِمَ لا أرى كتباً كردية، بالرغم من أنك تكتب بهذه اللغة؟ ". جواباً، تلقّى أولاً نظرةً مُستخفّة: " أنا لا أهدرُ وقتي الثمين في القراءة بلغةٍ مُحتَضِرة "
" إذاً لِمَ كتبتَ بلغةٍ محتضرة، آلافَ القصائد؟ "
" لكي أستدرّ عطفَ السويديين، بوَصفي أكتبُ بلغةٍ مُضطَهَدة! صراحتي هذه، لن تسمعها على لسان دوغان وأمثاله. هؤلاء يتغَنّون بجمال اللغة الكردية وغِناها، ولو كانت لديهم موهبة أدبية حقّة لكتبوا بالتركية "
" وأنتَ؟ لِمَ لا تكتب بالتركية ما دمتَ تمتلك المَلَكة الأدبية؟ "
" أنا في صدد الإنتهاء من بحثٍ باللغة التركية، عن النبي زردشت "
" جيد. هل هو مقالة أم كتاب؟ "
" بل كتاب. أنا أكرهُ كتابةَ المقالات، وأكرهُ قراءتها أساساً "
" قرأتَ الأفستا؟ "
" وما هذه، الأفستا؟ "
" قرآن زردشت. ولقد جعل جكر خوين هذا الإسمَ، ‘ أفيستا ‘، عنواناً لأحد كتبه "
" جكر خوين، أيضاً، ألّفَ قرآناً؟ شيءٌ جميل، والله! "، قالها عمرو ساخراً. ثم ما لبثَ أن لفتَ نظرَ ضيفه إلى جهاز كومبيوتر صغير، موضوع على الطاولة: " تقريباً أنهيتُ نصفَ بحثي، وفي مدة أسبوعين آخرين يكون مُكتملاً "
" نحن في عصر السرعة، حقاً "
" أنا يُدهشني السهولة، التي أكتبُ فيها! "
" وما هيَ المصادر، التي أعتمدتَ عليها؟ "
" أنهما كتابان، صدرا مؤخراً في أسطنبول "، قال ذلك وهوَ ينهضُ باتجاه الطاولة. تناول كتابين باللغة التركية، ثم دفعهما إلى الضيف. أخذ هذا بتقليب صفحاتِ كلّ من الكتابين، ثم سألَ الباحثَ: " مؤلّفك سيكونُ من زهاء ثلثمائة صفحة، أليسَ صحيحاً؟ "
" بالضبط. ولكن، كيفَ عرفت ذلك؟ "
" لأنّ هذين الكتابين، كلّ منهما يتألّف من حوالي مائة وخمسين صفحة "
" أنتَ، بالفعل، تملكُ حَدَساً مُثيراً! "، هزّ رأسَهُ في إعجاب وبحركة البغل حينَ يؤتى له بالعلف. على حين فجأة، غيّرَ الباحثُ الكبير دفّةَ السفينة: " ما رأيك بصديقتي؟ إنها طيبة، أليسَ كذلك؟ لكنها غيورة جداً، فلا تنخدع بمظهرها الوديع. إنها بشكل خاص، تغارُ من شيلان! تقول لي كلّ مرة، غبّ عودتي من ستوكهولم: لا يمكنك خدمة زوجها بهذا الشكل، لولا أنّ ثمة شيئاً بينك وبينها ".
إتفاقاً، أنّ رَجُل تلك المرأة، التي تعيش في ستوكهولم، سيتصلُ مع ابن خاله فيما كانَ دارين يتهيأ للذهاب. ألتفتَ إليه المُضيف، ليقول فيما يُتابع المكالمة: " نعم، إنه موجودٌ عندي لأنني دعوته على الغداء ". بعدما وضعَ السماعة، قال للضيف: " دوغان، طلبَ مني أن أوصلك إلى ستوكهولم. سنمر أولاً على مسكنك، لكي تأخذ معك رسومَ الصحيفة ". ثم دمدمَ على الأثر: " عند الباب، سيقول لي: عندنا شغل، مع السلامة! أنا أيضاً عندي شغل، أبولُ عليه وعلى شغله! عليّ أن أتكلّف ثمنَ البنزين، فيما أنهم يضنّون عليّ بمجرّد دعوةٍ إلى الغداء أو العشاء ". في حقيقة الحال، أنه في كلّ مرةٍ كانَ يطلبُ من دارين تسديدَ ثمن البنزين، ثمة أمام صندوق محطة الوقود، الكائنة في الطريق إلى العاصمة.
عقبَ طرده للسائق من أمام باب الشقّة، عانقَ دارين: " لديّ صديقٌ عزيز، ويُسعدني أن تتعرّفَ عليه "، قال له دوغان ثم دعاه للدخول. ذلك الصديق، ما لبثَ أن قُدّم له باسم كرديّ، مُستعار، " دجلة "، كانَ قد أتّخذه لما أستقلّ عربة الأدب. كانَ شاباً قصيرَ القامة، وسيماً، قصّة شَعره على الموضة، وملامحه باسمة. كذلك أعتنى كثيراً بقيافته، مع نفحاتٍ من عطرٍ باريسيّ ثمين. بكلمة أخرى، كانَ غندوراً. لقد أضفى جواً رسمياً على الصالون. ولكنه في الأثناء، كان يبثُ كلماتِ الحب لزوجته، العروس بعدُ. اسمها، " نوشين "، فتاة جميلة ومعتدلة القامة، وكانت على شيءٍ وافر من المرَح. لكنها ما كانت تنطلقُ دائماً على سجيّتها، وذلك بالنظر إلى نظرات الزوج، المُتحفّظة. كمألوف العادة، راحَ المُضيف ينقلُ رسوماتِ دارين من يدٍ إلى يد، فيما كانَ يتكرّمُ بكلمات التقريظ. قال لدجلة: " أرأيتَ الرسمَ، المَنذور لقصتك القصيرة، كم هوَ مُعبّرٌ؟ ".
على العشاء، تبادلَ العروسان نظرةً مُوارَبة حينَ لحظا دوران شيلان حول الرسّام، بحجّة التأكّد من أنّ كل شيءٍ على ما يرام. مُحرجاً، كانَ هذا الأخير يشعرُ بنبض الفَرْج وهوَ يحتكّ بكتفه كلّ مرةٍ. كانت مرتدية بنطالاً قطنياً ضيّقاً، أبرزَ بشكلٍ فاحش تفاصيلَ مفاتنها. بعدئذٍ، عادوا إلى الصالون لاحتساء المزيد من الخمر. تابعَ الرجالُ التحليقَ في سماء الأدب، بينما ألتفتت المرأتان إلى شئونٍ أرضيّة أكثر عملية. جميلٌ أن يحظى الأديبُ بإمرأةٍ تنشغلُ به، فكّرَ دارين، وليسَ بمشاغله الأدبية: " والأفضل لو كانت بمثابة البنكير، تأخذ عنه مشقّةَ الحسابات والأرقام والضرائب والصندوق الأسود! ".
في ساعةٍ مُتأخرة من الليل، كانَ دارين ما أنفكّ أرقاً. لقد منحوه، كالمعتاد، حجرةَ المكتب؛ أينَ يُمكن إستخدام الأريكة الفارهة كسرير نوم. العتمة دامسة، تتخفف عن نفسها ببصيص نور الردهة، المُتسلل عبرَ شقّ الباب. على حين غرّة، فتحَ البابُ رويداً. ثم ظهرت على الأثر، وكانت عارية تماماً. كان ثمة منديلان ورقيان، ورديان، أنبثقا من فَرْجها ـ كأنهما رغيفان، يخرجان تواً من الفرن؛ جناحا طائر، يهمّ بالطيران من العش. بقيت زهاء دقيقة، مُتسمّرة ـ كتمثال فينوس في متحف. كانت ترمقه بنظرةٍ ثابتة، ثم ما عتمَ أن توارت بنفس الهدوء. هنيهة أخرى، وكانَ على صوت دوش الحمّام أن يُضافرَ شعورَهُ بالحيرة.
صباحاً على الفطور، سألته شيلان ما لو كانَ نومُهُ حَسَناً. فأجابَ مُحمرّاً، مُتلعثماً: " بلى، ولقد دَهَمني في أثناء ذلك حلمٌ غريب ". ألقى نظرةً سريعة على رَجُلها، وكانَ هذا مشغولاً بقراءة صحيفة سويدية: " لا شكّ أنها إدّعت ليلاً أنها مُرهقة، لا قدرة لها على الذهاب إلى الحمّام عقبَ المُجامعة. حتى إذا نامَ الزوجُ، إنسلّت هيَ من الفراش. ولكن مهما بلغَ بها الجبروت والجرأة، فمن المُحال أنها فكرت نيلَ وطرها مني فيما زوجها نائم في الحجرة المجاورة. وإذاً، فعلى مرجوح التأويل أنها أرادت إغاظتي بمنظرها العارم ".

5
الكذّاب، المُتعدد المواهب، أضحى ظلاً ثقيلاً يتبعُ دارين يومياً. والآن لاحَ كما لو بدأ يُشفق على رصيد صديقته، فقررَ أن يبتزّ شخصاً آخر. ومن يكون هذا غير صديقه؟ كان مُدمناً على تناول دونر كباب، سواءً في أوبسالا أو ستوكهولم.. إدفعْ، أيها الصديق الكريم! في المقهى، أين سيملأ شدقه ليتكلم بصوتٍ عالٍ مُعدداً أسماءَ الأدباء السويدين الكلاسيكيين، بغيَة لفت نظر مواطنيهم الأحياء: " ستريندبيرغ، إيكيلوف، مارتينسون، نيلس فرلين، إديث سودرغران، كارين بويه، سلمى لاغرلوف الخ ".. إدفعْ! حتى في المسبح، إدّعى عند مُحاسب الصندوق أنه لا يحملُ محفظته.. إدفعْ!
وإذا هوَ ثمة في المسبح على موعدٍ مع فيكتوريا، التي ظهرت بالبيكيني السترينغ، المُعرّي ردفيها عوضاً عن سترهما. آب صديقها إلى حركته المُبتذلة، مومئاً لدارين: " لو أنك ركبتَ مؤخرتها، فكأنما تسبحُ في فردوس من اللذة ". في البركة، الفوّارة بالماء الساخن، تعمّدَ أن يُجلسها بينه وبين صديقه. ثم ما لبثَ أن غمزَ له: " أنظر! ". كانَ قد دسّ إصبعه الوسطى في ثقب أستها؛ وهوَ نفسُ الفعل المُشين، الذي أستحقّ عليه فيما مضى شتيمةَ إمرأة الملهى. لكنّ صديقته وضعت رأسها على كتفه، فيما كانت ترمقُ دارين بنظرةٍ غائمة، باسمة وحزينة في آنٍ معاً. في البركة الأخرى، الكبيرة، جعلها تستلقي على بطنها فوق طراحةٍ عائمة ثم تمدد فوقها ـ كما كانَ يفعلُ ثمة بعض المراهقين.
في الأماكن العامة، كانَ يحلو له أن يكلمَ فيكتوريا بالتركية؛ وكان قد منحَ وقتَهُ الثمين لتعليمها، كونها لغةً حيّة. وقد عاتبه دارين، ذات مرّة، لأنه لا يعلمها الكردية. فماذا كانَ جوابه: " أردتُ أن تتعلمَ التركية جيداً، لأنني كنتُ أنوي مفاجأةَ القرية لو زرناها معاً. صدقني، إن الأهالي عندئذٍ سيجعلون بيتنا بمثابة المزار، إذا علموا أنّ فتاةً سويدية تتكلمُ اللغةَ التركية! "
" أيتكلم أهلُ قريتكم التركية؟ "
" لا، لكنهم يعتقدون أنهم سيتعلمونها في فردوس الله "
" ولكنّ لغة القرآن، عربية وليست تركية؟ "
" نعم، وهم يؤدون صلاتهم بآياتٍ عربية يجهلون معانيها "
" في هذه الحالة، فإن لغة الفردوس هيَ العربية وليسَ التركية "
" إنهم يعتقدون أن العربية للصلاة والأذان، أما التركية فإنها للفردوس "
" وأنتَ؟ بماذا تعتقد؟ "
" أنا لا أؤمن إلا بالفَرْج؛ لأنه فردوسي! "، ردّ عمرو مُقهقهاً. كمألوف شيمته، أنتقل بسهولة إلى الحديث الآخر: " الكتبُ، تُرهق الأعصابَ وتُبدد الوقتَ وتُتلف المالَ. الإنسانُ، في حقيقة الأمر، يحتاجُ إلى الجنس وليسَ إلى مزيدٍ من الكتب. كل الكتب عبارة عن كلمات؛ فهيَ متشابهة. ولكن، قُلْ لي، أيوجد في العالم إمرأةٌ تشبه أخرى؟ خُذْ بالك، فأنا أتكلمُ عن النساء الجميلات! المرأةُ، من ناحية أخرى، لغزٌ. لو وُهِبنا ألف عام، لن نتمكن من سبر غور المرأة. لكننا نستطيعُ مضاجعتها، وهذا هوَ الشيء المهم ". طفقَ بعدئذٍ يتأملُ ضيفه، قبلَ أن يقولَ له: " أنتَ تلوحُ مُرهقاً. لا تضاجع كثيراً، يا أخي، لأنه أمرٌ ضار بالصحّة ".
قال دارين في نفسه: " هذا البغلُ، يَسخر مني لأنني حاليا بلا شريكة فراش. مع أنه مستعدٌ للزحف على بطنه إلى ستوكهولم، من أجل نيل رضى تلك المرأة، التي أدرتُ لها ظهري ". في خلال تلك المحادثة، كانت فيكتوريا لا تكفّ عن الإبتسام وهيَ تنقلُ بصرَها بينهما. إنها منكوبةٌ بمعاشرة الكذّاب، فكّر الضيفُ، ولا ريبَ أنها تعرفُ مقدارَ خوائه: " لكنها تحتاجُ إلى المضاجعة، وهذا هوَ الشيءُ المهم! ".
شارع فكسالا من جديد، وكانت السماءُ المُنجمة فوق رأسه كأنها قبّة مسجد كبير أو كاتدرائية عظمى. محطة سكك الحديد، في المقابل، تشبه معبداً بوذياً. مع الإنهيار المُتسارع للأنظمة الشيوعية، نشط المُبشرون بفردوس السماء. أحدهم، وكانَ إنكليزياً يعيش في السويد، أعتنقَ الدين الإسلاميّ وراحَ ينتقل من بيت إلى آخر كي يحكي قصته من الشرك إلى الإيمان. الغريب، أن جماعة المسجد في أوبسالا كانوا يرافقونه إلى بيوت المسلمين وليسَ السويديين وأضرابهم. لقد ألتقاه دارين في شقةٍ، أستأجرها ملّاك الأاراضي في نفس المنطقة، أين زُرع المسجدُ كنبتٍ طفيليّ. عقبَ مُجادلةٍ مع المُبشّر، المتدثّر بلباس رجال الدين البيضاء مع لحية شقراء، قال شيخُ المسجد لدارين: " هذا الرجلُ الإنكليزيّ، سيكون شاهداً عليك في يوم القيامة ".
تلقّى آلان صديقه بفرحةٍ غامرة، ثمة في المتحر، تخللتها كلمات عتاب: " منذ أن تعرّفتَ أنتَ على الكذّاب، إنقطعتَ عن زيارتي. ياو، والله أنتَ خائن! ". المفردة الأخيرة، آلمت دارين؛ كونها ذكّرته بالخيانة الزوجية، التي كانَ قد تجنّب جاهداً التعاطي معها مؤخراً. لكنه دافعَ عن نفسه أمام صديقه، بالقول أنه مُنشغلٌ بالدراسة. ثم كادَ أن يُضيف: " وفي أيام العطلة، أكون غالباً في مسكن صهرك ". وفي حقيقة الأمر، أنه كانَ خجلاً من النظر في عينيّ صديقه على أثر ما علمناه من محاولات شقيقته لإستمالته ـ كحبيب أو عشيق. مع كونه ليسَ ملوماً بشيءٍ في كلّ الأحوال. ما أمسكَ الكلامَ عنه، فاهَ به آلان ببساطة: " أعلمُ أنك تتواجدُ في ستوكهولم في عطلة نهاية الأسبوع، ما يُفوّت عليك السهرَ في الملهى ". ثم أستدركَ، مُطلقاً ضحكة مقتضبة: " ليلة أمس، دعاني عمرو إلى البار، وبالطبع لكي أدفع له الحساب. كانَ ثملاً، وعلى ذلك أفلتَ لسانه بأشياء كثيرة لا يعلم إلا الله ما هوَ الصحيح منها والملفّق ". سكت هنيهة، ثم أستطردَ عابساً: " المأفون، يُخطط للتخلّص من فيكتوريا. مع كل ما فعلته الفتاة من أجله، لدرجة أنها تتعلم التركية لإرضائه. يدّعي أنه ملّ منها، وأن جسدها أضحى شقيقاً لجسده. أنا خبيرٌ بخلقه، فإنه يسعى لمحاولة إقتناص إمرأة غنية ولو بانتزاعها من زوجها ". ثم مالَ على صديقه، طالباً إياه الإحتفاظ بهذا الخبر وألا ينقله لأحد: " لقد حاولَ مؤخراً إغواءَ ابنة عمّه، التي تعيش هنا في أوبسالا. زوجها، المُسنّ قليلاً، يمتلك مخزناً كبيراً لتوريد المواد الغذائية للمحلات الشرقية. لما علمَ عمرو بسفره إلى تركيا، ذهبَ للإختلاء بإمرأته، لكنها منعته من دخول المسكن. إستمعت إليه عند الباب، ثم بصقت في وجهه وطردته ".
خِلَلَ ركام الخبث والمكر، تجلّت صورةُ ذلك المأفون لذهن دارين. وفيما كانَ صديقه، بنبرته الشجية، يسترسلُ في تفاصيل الحكاية المُخزية، إستعادَ هوَ شريطاً سريعاً يؤكّد النيّة المُبيّتة؛ أو المخطط. نعم، إنّ عمرو كانَ يرغبُ بوضع فيكتوريا أمامه هوَ، دارين، لنفس الهدف: التخلّص منها مع ضميرٍ مرتاح، وذلك بجعل قلبها يميل إلى شخصٍ آخر. لكن الفتاة المسكينة، الدائخة في هواه، أضحت مثل ذلك الطير، الذي ألِفَ قفصه بحيث بقيَ قابعاً فيه حينَ فُتِحَ بابُهُ على سماء الحرية.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت