مثل بصرةٍ سابقة

عماد عبد اللطيف سالم
2021 / 6 / 14

مثل زمانٍ سابق
وما بين قطار الليلِ الصاعد للموصل
وقطار الليل النازلِ للبصرة
وما بين "البيريّة" الكوبيّةِ ، و "القمصلة" الرومانيّةِ ، و "البسطال" السوفييتيّ
سالَ حُزنٌ كثير لأُمّهاتٍ بلا أكبادٍ ، وآباءٍ بلا سَنَدٍ ، وأعشاشٍ بلا قَطا.
والجنودُ السابقونَ الذينَ كانوا يُغنّونَ لأمّهاتهم "أبوذيّاتَ" الهذيانِ الرسوبيّ
ويُحارِبونَ مع الآلهة المُستنسَخَةِ ، كأنّهُم جنودُ "الإلياذات" ..
كسروا ظهري.
مثل "سامراء" سابقة
تفكّكت العائلة
ذهبَ الأبُ إلى دُكّانٍ في "الشيخ بشّار"
ليستبدلَ "لمبات" التلفزيون
و يجعلً من الـ "لوي أوبتا"
سينما الطفولة القصيرة جدّاً
وفي "سوق حمادة" ، كان السمكُ "الجِريّ" يلبطُ في بطون الفقراء ، ويذهبُ معهم للجنّة ..
وفي "الشيخ علي" ، كانت أمّي تَحُثُّ أبي ليكون شبيهاً بـ "قدّوري الحدّاد" ، فيسخَرُ منها "حمد الزَرْكَة".
مثل "يرموك" سابقة
باع الورثةُ بيت الجنرال ، الذي كان في آخر العمر يربتُ كُلّ يومٍ على جذع النخلةِ"الخضراويّةِ" كي تولَدَ وتَلِد ، و يُعاتبُ شجرة "المانجا" التي لم تُزهِرْ في ذلك العامِ كما يجب ، و يسقي الحديقةَ بشيءٍ من القلبِ ، ممّا تبقّى من القلبِ ، وينثرَ "التِمَّنَ" البائتَ لما تبقّى من عصافيرِ "قادةِ الفِرَق" البائدين ..
وبعد موتهِ بخمس دقائق
قطَعَ الأحفادُ شجرةَ "المانجا" السخيفة ، التي تسِدُّ "الكَراج"
و ذهبَ الأبناءُ بنارنجِ البيت إلى "الدلاّل"
وماتت النخلاتُ الباقيات
وتفرّقت الفسائلُ بين الأمم.
مثل بصرةٍ سابقة
توجعني روحي
روحي التي تحِنُّ إلى رملِ "الزبير" ، وسوادِ "أبي الخصيب"، وكثافةُ البلابلِ في السماواتِ الخفيضةِ جدّاً .. وإلى جداولِ "الزريجي" ، وسواقي"الجباسي"، بأسماكها المضيئة ، وسلاحفها الهادئةِ ، وبعوضها المدهش.
روحي التي تحِنُّ إلى رائحةِ الطَلْعِ عند الغروب
وإلى مذاقِ العسلِ البرحيِّ في شفاهِ البصريّاتِ النائماتِ إلى الظُهر
وإلى رائحةِ الطينِ "الحِريِّ" في ثيابِ أبي المخذول
مثل "صالح" وحيد
لم تعُد البصرة "ثمودهُ" التي أحبّها
من كُلِّ قلبه.
مثل "َشَطْرَةٍ" سابقة
أصبحَ الليل.
أنا الذي ، مثل "عبد الحسين عبد النِبي" ، أعرفُ جيّداً أخلاقَ الليل..
وأعرفُ معنى حنينَ الجنودِ إلى "البُثيناتِ"
وأعرفُ أنّ الليل
يجعلُ الإنتظارَ شَهيّاً في "الحِجابات"
وكلّما أفلتَتْ الرؤوسُ من مواء"المورتر"
أفلتت القُبُلاتُ "الحَلالُ" من فم الليالي
وحطّتْ فوق سريرٍ ساكتٍ في "الناصريّة"
ينتظِرُ القليلَ من البَللِ الحُلْوَ
كي يصل مواءُ الأجسادِ الباسلةِ
إلى سابعِ جار.
مثل جنوبٍ سابق
وجنوبٍ لاحِق
رافقني سوءُ الحظّ.
كلّما بدأتْ الحرب شمالاً ، وشرقاً ، وغرباً ،
إنتهت في الجنوب.
حظوظُ العراقيّينَ "جنوبيّةٌ" جدّاً.
الجنوبُ الذي يُحاربُ العراقيّون فيه
إلى آخرِ جنديٍّ جنوبيّ
يذهبُ دائماً إلى حيثُ لا يدري
وعندما يَصِلْ .. لا يعود.
العراقُ قصيرُ جدّاً
مثل عُمْرٍ واحدٍ
لرجلٍ طاعنٍ في السنّ
ذاقَ المراراتَ والخسارات
وجلسَ ليكتبَ"سوابقهُ" العديدات
ولا واحدةً منها
مُخِلَّةً بالشرف "العراقيّ" العظيم.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية