عشتار وموت الله

سعود سالم
2021 / 4 / 25

أركيولوجيا العدم
٣٨ - عشتار علامة موت الآلهة

نزول عشتار إلى العالم السفلي يشكل أحد العلامات المهمة في تاريخ الخيال الإنساني، والخيال الفني بالذات. قررت عشتار أن تقوم برحلة لعالم الأموات، لأسباب غامضة، ربما للقضاء على الموت أو لإنقاذ تموز وإرجاع الحياة على الأرض، وكان عليها أن تجتاز سبعة أبواب متتالية قبل الوصول إلى المكتب الرئيسي لإدارة الجحيم، وعليها في كل بوابة check point أن تترك شيئا من أشيائها الأرضية وممتلكاتها الشخصية للحراس المسؤولين عن السماح بالمرور، فتخلصت من تاجها في البوابة الأولى ثم الحلي والأقراط والقلائد والأساور، ثم الملابس الحريرية قطعة قطعة لتجتاز البوابة الأخيرة عارية لتمثل أمام أختها أريشكيجال التي تسيطر على عالم الأموات. وكانت ملكة العالم السفلي تفور غضبا لتجرأ عشتار على زيارة عالمها الخاص بدون دعوة. سنترك ما يجري بين عشتار وأختها في الوقت الراهن، المهم والخطير في الحقيقة هو ما يحدث فوق الأرض في غياب عشتار، حيث بدأ الموت والجفاف والذبول يجتاح الحقول والأودية، فجفت العيون والمنابع والأنهار والآبار، أختفت السيول وغابت الأمطار، أصفرت ألأوراق والأعشاب وتيبست الأشجار، وتحولت حقول القمح والشعير إلى أراض قاحلة تلعب بها الرياح الساخنة، وتحول البشر والحيوانات إلى كائنات عقيمة تهيم على وجه الأرض المحترقة. وذعرت الآلهة لهذا الإنتشار المفاجيء للموت الذي بدأ يزحف على وجه الأرض، فكان عليهم أن يتدخلوا لينقذو عشتار من قبضة أريشكيجال وبراثن حراس الجحيم. ونلاحظ هنا أن الآلهة قد تدخلت أيضا لإنقاذ تاناتوس من قبضة سيزيف الذي كبله بأغلاله، لينقذ البشرية غياب الموت ومن أبدية غير محتملة، أما في حالة عشتار فتدخل الآلهة هدفه إنقاذ البشرية من الفناء والعدم. وتمكنت الآلهة من إنقاذ عشتار والرجوع لعالم الأحياء، ولكن الثمن كان باهضا، فقد كان عليها أن تجد من يحل محلها في العالم السفلي، ووقع الإختيار على رفيقها تموز لينزل لعالم الموت ويأخذ مكانها. هذه الأسطورة السومرية يمكن أن تكون مثالا لما يمكن أن يحدث على الساحة الفكرية وفي عالم الفكر الفلسفي والفني كلما غابت "عشتار" كفكرة أساسية ومكونة للخيال الإنساني، تاركة هذا الخواء والفراغ وهذا الإحساس بالخراب والعدم الذي يجتاح البشرية على فترات متفاوتة من حين لآخر. هذا الإحساس بغياب المعنى ونضوب رحيق الحياة وتوقف كل شيء عن النمو والتجدد، وأن الأرض قد بدأت تتعفن. وهو ما عبر عنه الشاعر ت.س. إليوت في قصيدة الرجال المجوفون بإبداع رهيب

We are the hollow men
We are the stuffed men
Leaning together
Headpiece filled with straw. Alas!
Our dried voices, when
We whisper together
Are quiet and meaningless
As wind in dry grass
Or rats feet over broken glass
In our dry cellar
   
Shape without form, shade without colour,
Paralyzed force, gesture without motion


نحن الرجال المجوفون

نحن الرجال المحشوون
المتكئون على بعضهم
خوذة ملأي بالقش. للأسف !
عندما نهمس سوياً
تنبعث أصواتنا المبحوحة
خافتة عديمة المعنى
كالريح بين ثنايا العشب الجاف
أو كأرجل جرذان على زجاج مكسور
في قبونا الموحش

شكل بلا هوية، ظل بلا ألوان
قوة مشلولة، إيماءة جامدة

وهذه القصة السومرية الأولية، يمكن أن تمثل نموذجا أساسيا archetype للفكر المعاصر لما بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، كلما غابت عشتار، أوفكرة مماثلة، حيث ينمو على الفور هذا الإحساس بالعدم والخراب الذي حل بالعالم المستنير، والذي لم تستطع لا الفلسفة ولا العلوم ولا التقدم التكنولوجي ولا الأديان من إنقاذه من العبث والدمار. هذا الإحساس بأن كل شيء قد توقف عن النمو، وأن البشرية والإنسانية قد تحنطت. لا شك أن قصيدة الأرض اليباب تعتبر من أقوى النصوص التي تعبر عن هذا الخواء الوجودي الذي يغلف الكون بأسره، والذي أجتاح الأدب الأوروبي خلال العصور المتعاقبة لغياب عشتار أو أي كينونة أسطورية بديلة، الله، العقل، العدالة، الحقيقة، السعادة، المعنى .. إلخ. وفي كل فترة تغيب فيها عشتار، بطريقة أو بأخرى، ترتفع الأصوات نائحة على مصير العالم والإنسانية. أصوات الشعراء والأنبياء والقديسين والفلاسفة ترتفع منذرة بالكارثة القادمة متنبئة بتحول العالم إلى صحراء قاحلة مزروعة بالعظام والجماجم، حيث تختفي الشمس وتحل البرودة الغامضة وتظهر الأشباح والظلال تفترس الحياة في الأزقة والشوارع المظلمة، ويحل الطوفان ليغرق الأرض وما عليها. غير أن الجذور الأسطورية لتفسير هذه الكوارث أو التنبؤ بها ما هي إلا إشارة لهذا التوجه الدائم للفكر الإنساني لمحاولة التخلص والتغلب على هذا القلق الميتافيزيقي المتجذر في تاريخ الفكر والفلسفة والدين والناتج عن حتمية الموت والعدم الذي يترقب الحياة في كل لحظة.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية