اتفاقية إبراهيم والإمارات: خطاب الاستلاب من النخب إلى الدول

حاتم الجوهرى
2020 / 8 / 30

الاستلاب هو مرحلة جديدة من العلاقة مع الآخر
يختلف عن التطبيع، ويقوم على الخضوع لروايته التاريخية الدينية، وسرديته السياسية

دشن الإعلان عن إبرام ما عرف بـ "اتفاقية إبراهيم" مرحلة جديدة من العلاقات العربية بالآخر الصهيوني، وفق مشروع "صفقة القرن" التي خرج بها ترامب منذ حملته الانتخابية الأولى، خصوصية خطاب الاستلاب الذي سُمح ليوسف زيدان أن يخرج به على الناس للمرة الأولى في نهاية 2015، أنه يتجاوز إطار معاهدات السلام، وآليات التطبيع في العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية وحتى العلاقات الشعبية، مفهوم خطاب الاستلاب وتعريفه يقوم على الانسلاخ الصريح عن الرواية العربية للصراع، والانتصار لرواية الآخر الصهيوني ومفاهيمها تماما.

دلالة الاسم
"اتفاقية إبراهيم": نموذج تطبيقي لخطاب الاستلاب وروايته

كان لاختيار اسم "إبراهيم" دلالة شديدة الوضوح بالنسبة لنا كمختصين في الصراع العربي/ الصهيوني، وتحديدا في بعده الديني الصهيوني، بالنسبة للعرب المسلمين النبي إبراهيم (ص) هو أبو الأنبياء وأبو إسماعيل (جد العرب) وإسحاق (جد اليهود) عليهما السلام، لكن بالنسبة للرواية والسردية الدينية اليهودية الأمر مختلف تماما، ينسب اليهود أنفسهم لنبي الله إبراهيم (ص)، ولكن الفقه اليهودي أقر بأن النسب لابد أن يكون من جهة الأم وليس الأب فقط، وفق هذا الفقه اليهودي فإن نسب اليهود دينيا وما يترتب عليه من وعد بالأرض المقدسة (فلسطين أو على شمول الوعد من نهر النيل إلى نهر الفرات وما بينهما)، يخص أبناء سارة (زوجة نبي الله العبرانية) ولا يخص أبناء هاجر (زوجة نبي الله المصرية، أي يخص إسحاق (ص) ومن بعده يعقوب (ص) الذي سمي بـ"إسرائيل" وإليه ينسب بنو إسرائيل الذين عرفوا فيما بعد باليهود، أي أن اتفاقية "إبراهيم" هي انتصار واستلاب للرواية الدينية اليهودية، حول أحقيتهم وانفرادهم بالنسب لنبي الله إبراهيم (ص) وبالتالي انفرادهم بالأرض الوعودة دون العرب..؛ في انتقال من خطاب الاستلاب وتبني روايته الدينية الصهيونية اليهودية، من النخب الثقافية العربية إلى مستوى الدول العربية.

الاستلاب: من النخب الثقافية إلى الدول ومؤسساتها

خطورة المرحلة الجديدة من خطاب الاستلاب والتصور أو المقاربة التي قدمها يوسف زيدان للتعامل مع صفقة القرن، أنه الآن يتم تبنيها من قبل الدول العربية، بعدما كان الغرض منها في بداية الأمر صدم الناس في معتقداتهم التاريخية المستقرة، لكي يتم تمرير بنود صفقة القرن في ظل وضع مصري سياسي غير مستقر بعد ثورة 25 يناير وإزاحة نظام الإخوان، كان يوسف زيدان من الخبرة العلمية والفهم السياسي لأطروحة ترامب التي تنتمي لليمين المسيحي الأمريكي، الذي يعبر عن تيار "المسيحية الصهيونية" ذي الجذور البريطانية التي ترجع للمذهب البروتستناتي وبالذات فيما عرف بالبيوريتانية أو التطهرية، من ثم أدرك زيدان فلسفة ترامب وجذورها الدينية، وحرص في خطابه للاستلاب على تقديم كل ما يريده ترامب من انتصار للرواية الصهيونية، التي يؤمن بها اليمين الديني في أمريكا.
لكن انتقال الوعي بفلسفة صفقة القرن وروايتها الدينية، من يوسف زيدان ومراد وهبة وسعد الدين إبراهيم ومن تبعهم داخل وخارج مصر، من النخب الثقافية التي تنتمي لمختلف التيارات الفكرية العلمانية والدينية والسلطوية، وتحول هذا الخطاب ليتم تبنيه وقبوله من جانب الدول العربية، هو مؤشر خطير للغاية، لأنه حتى هذه اللحظة الدول التي وقعت معاهدات سلام مع "إسرائيل" (أي مصر والأردن)، لم تزل على موقفها الشعبي والرسمي من اعتبار المعاهدتين بنية سياسية، لا امتداد لها على المستوى الشعبي أو الثقافي، خاصة قبل ظهور تيار الاستلاب والمقاربة التي يدشن لها مع صفقة القرن.

الإمارات: أزمة نماذج القوة ونموها في أطراف الحواضن الحضارية

الحقيقة أن دول الفوائض البترولية مثل الإمارات وقطر والسعودية، في حاجة لدراسة مهمة في علاقتها بـ"مستودع هوية" الذات العربية، كحاضنة حضارية تاريخية، دول الخليج كانت على هامش الحاضنة العربية المعاصرة، وكانت هناك مراكز تاريخية معاصرة لتلك الحاضنة في مصر/ المركز، والعراق البوابة الشرقية، لكن يخرج السؤال الآن للوجود.. هل كي تجد نماذج القوة الجديدة تلك -التي اعتمدت على الفوئض النقدية- مكانا، تحركت خارج نطاق الحاضنة العربية وأمنها القومي! القرائن لا تكمن في "اتقاقية إبراهيم" فقط، بل انظروا للسياسات الخارجية الإماراتية والخليجية في ملف القرن الأفريقي، وملف القوة الناعمة المرتبطة بتشكيل سياسات الرأي العام من خلال الإعلام في قنوات: الجزيرة وسكاي نيوز و العربية، وانظروا لعلاقاتهم الخارجية مع القوى الدولية.
لكنني سأذكر هنا إشارة في المجال الإعلامي واستضافة شبكة سكاي نيوز الإماراتية لمراد وهبة، أحد أبرز من تبنوا خطاب الاستلاب مؤخرا منذ نهاية عام 2019، والدلالة هنا واضحة أن خطاب الاستلاب على مستوى النخبة الثقافية العربية، وعلى مستوى الدول العربية ذاتها، يجذب بعضه بعضا، ونشهد محاولة شرسة لتوسعة نطاق الخطاب في المجال العام، وانتقاله من النخبوي إلى الدولي، وإلى الشعبي وهو أخطر المستويات، وإن كان المستوى الشعبي صامدا حتى هذه اللحظة، في تمسكه بمستودع هوية الذات العربية.

مصر العقدة والحل
سردية مصرية تستعيد المبادرة وتلمم شتات الحاضنة العربية

في أوقات مثل المحكات الحضارية الحرجة كالتي تمر بها مصر والبلاد العربية، لا نملك سوى وضوح الرؤية وبساطتها، الحاضنة العربية تعرضت للخلخلة، عندما قرر السادات بعد انتصار أكتوبر الحركة في اتجاه الاخر الأمريكي والصهيوني، وشق الاصطفاف العربي والأفريقي والآسيوي الذي كان خلف مصر، من ثم تحركت دول الفوائض البترولية في الاتجاه نفسه شيئا فشيئا لشغل الفراغ في مركز الحاضنة العربية..
ولا اجتماع للحاضنة العربية إلا بعودة القلب/ مصر بمشروع جديد وسردية جديدة للذات العربية، في مواجهة الآخر الصهيوني/ الأمريكي..

السردية المصرية وتناقضات ما قبلها

إنما المعضلة أن مصر الراهنة ورثت الكثير من تناقضات القرن الماضي، واستقطابات ما بعد ثورة 25 يناير، واستغلت أمريكا الفرصة بقوة لتدفع مصر للوراء داخل حدودها الضيقة، وتحاصرها من الجنوب والغرب والشرق والشمال، وتدير التناقضات الإقليمية لكي تقبل مصر بصفقة القرن، بل وتضعها تحت سيطرتها النهائية. من ثم يجب على مصر تبني سردية تحل التناقضات التاريخية لما بعد يناير وأيضا دولة ما بعد الاستقلال عن الاحتلال الأجنبي، وتطبيق تلك السردية ذلك في السياسيات الداخلية والخارجية.
لذا فسردية مصر الجديدة ومشروعها الحضاري، يجب أن تتحرك بوعي شديد في الساحة الإقليمية والدولية، عبر امتلاك مهارات بناء القوة الناعمة، إلى جانب القوة الخشنة، وإتقان سياسات "حافة الهاوية" وتبادل الضغوط في الملفات المتعددة، لتخفيف الضغط وفق سياسات تبادل المصالح وإدارة الوجود الدولي، على أن تعود مصر للقارة الأفريقية، وتستعيد رؤية شاملة في تواجدها في كل المؤسسات الأممية، وتنتقي مجموعة من الكوادر الفاعلة لتحقق لها مثل هذا التأثير الدولي، وسيكون ذلك تحت عنوان سياسات "استعادة الذات"، التي ستكون أبلغ رد على جناح المؤسسة المصرية الذي دعم خطاب "الاستلاب للآخر".

سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي
حوار مع أحمد بهاء الدين شعبان الأمين العام للحزب الاشتراكي المصري، حول افاق اليسار في مصر والعالم العربي