ارادها المتخلفون عورة فقدمها الوطن ثورة

صادق إطيمش
hassan.schoelch@t-online.de

2020 / 3 / 6

حينما يريد الوطن ان يحقق هدفاً ، يحققه حتماً بجهد اهله المخلصين له والمتفانين من اجله لا يفرق بينهم انتساب آخر غير الإنتساب للوطن وما يريد له اهله من حرية وعدالة ومساواة تنتشر بين ربوعه وتعم اراضيه. والإنتساب للوطن يعني تحقيق عنصر المواطنة كانتماء اساسي لا يوازيه اي انتماء آخر مهما كان نوعه. واستناداً الى هذه القناعة فإن وطننا العراق ، الذي يمر في منعطف تاريخي لم يسبق له مثيل، حققته ثورة الشباب العارمة التي اندلعت منذ الأول من تشرين الأول من العام الماضي والمستمرة بزخم يزداد يوماً بعد يوم حتى يومنا هذا، لابد لنا ان نتطلع بإعجاب وحب وتقدير الى المرأة العراقية التي ساهمت بتأجيج هذه الثورة وقادت بعض مفاصلها وعملت ولا زالت تعمل على استمرارها بكل قوة وبأس ، ونساهم معها باحتفالها الأممي في يومها في الثامن من آذار وكلنا ثقة وامل بانها ستساهم بقيادة مجتمعنا القادم الذي لا حياة سعيدة له بدونها.
الثامن من آذار ، عيد المرأة العالمي ، يعيدنا في كل عام إلى مطالعة دور المرأة في تاريخ البشرية منذ نشأته الأولى وحتى يومنا هذا . المرأة التي كتبت فصولاً كثيرة من التاريخ الإنساني والتي ظلت تسجل الصفحات تلو الصفحات في هذا التاريخ الذي لا يستقيم له سبيل دون المرأة . المرأة المساهمة في صنع التاريخ وصنع يومها ايضاً في الثامن من آذار من كل عام مناسبة ليست لإستعادة أمجاد المرأة والإحتفال بها فقط ، بل ولمعالجة ما تتعرض له المرأة من غمط الحقوق والتنكر لمكانتها في المجتمع ، خاصة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية ، والمحاولات التي تجري لإبعادها عن التأثير في التطور الذي تنشده الشعوب والذي اثبت التاريخ بكل مفاصله بأن مثل هذا التطور لم ولن يتم بمعزل عن المرأة ومساهماتها في مختلف مناحي الحياة .
لا نريد الغوص في أعماق التاريخ القديم والعودة إلى مجتمعات الأمومة التي قامت عليها البشرية الأولى ، والدور القيادي الذي لعبته المرأة في جميع الحضارات البشرية المعروفة كالسومرية والبابلية والفرعونية والصينية والهندية، حتى بلغت مرحلة الألوهية عند الكثير من الشعوب ، بل نرغب التطرق إلى بعض مفاصل تراثنا العربي ألإسلامي لندرس دور المرأة في إنجاز هذا التراث وفي صيرورته ، وما هو الموقف الذي يتخذه منها بعض من جعلوا انفسهم وكلاء على الدين ألإسلامي وهم لا يفقهون منه إلا ذلك القدر الذي يتعلق بمصالحهم الذاتية الأنانية وتصوراتهم الحيوانية الطفولية .
فإذا ما إنطلقنا من التراث العربي بشكل عام فسوف نجد المواقف الكثيرة والأزمنة المختلفة التي لعبت فيها المرأة الدور القيادي في المجتمع بحيث أصبح لها مركزاً إجتماعياً مرموقاً سواءً في مجالات الأدب أو السياسة او الدين . وما الخنساء أو زنوبيا ملكة تدمر او رابعة العدوية إلا أمثلة قليلة على ذلك الكم الهائل من النساء اللواتي وضعن أناملهن على مسيرة هذا التاريخ .
ظل موضوع موقف الإسلام من المرأة مطروحاً للنقاش الذي لم يصل المشاركون فيه إلى نتيجة ترضي أطراف هذا النقاش الذي يزداد توتراً بمرور الزمن . فلا يستكين أنصار المرأة والمدافعون عن حقوقها في المجالات كافة والداعون إلى مساواتها التامة بالرجل من حيث الحقوق والواجبات ، هذه المساواة التي تنطلق من النظرة الإنسانية والبايولوجية لكل من الجنسين ، لا يستكين هؤلاء لطروحات بعض دعاة الفقه الإسلامي ومنتحلي صفة العِلم الذين ينددون بالمرأة باعتبارها تختلف عن الرجل من حيث كمال العقل والدين الذي وضعوه كصفة من صفات الرجال ونقص في تكوين النساء . هذه الإطروحات التي لا تنسجم مع التفكير العلمي ولا مع الواقع العملي الذي اثبتت فيه المرأة جدارتها في العمل والقيادة والتخطيط والتوجيه ، بحيث انها بزّت الرجل في كثير من المواقف والمواقع العلمية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية. إلا ان هذا التفوق الذي نالته المرأة في كثير من المجتمعات التي أتاحت لها سبل ذلك ، ليس مجال حديثنا اليوم ولا نريد الخوض فيه لسببين . السبب الأول يتعلق بتحجر بعض العقول التي لا تريد ان تنظر إلى هذه الحقائق العلمية ولا تعترف بها لأنها لا تفقه شيئاً من ذلك . والسبب الثاني هو تعامي هذه العقول عن حقائق يعترفون هم فيها في باطن أفكارهم إلا أنهم لا يسمحون لأنفسهم بالمجاهرة بها ، إذ أن مثل هذه المجاهرة ستنسف ما يروجونه من مفاهيم ضد المرأة التي جعلوا منها مجرد سلعة تباع وتشترى لحساب الرجل ، حتى وإن كان هذا الرجل يعيش التخلف بكل وجوهه وأشكاله.
إن ما نريد مناقشته اليوم هو ذلك الموقف المتنكر للمرأة والذي يمارسه بعض فقهاء السلاطين جاعلين منه واحداً من الأسس الدينية ، وما هذه الأسس من وجهة نظرنا إلا أسس دين هؤلاء الفقهاء الجهلة بامور دينهم قبل دنياهم. إنهم يستندون في زعمهم حول إكساء المرأة من الصفات ، التي تتخيلها عقولهم المريضة فقط ، على ما يسمونه التراث الذي توارثوه عبر تعاليم الدين الذي يعتقدون فيه، دون ان يتفكروا ولو قليلاً بمدى صحة هذا التراث المنقول عبر قرون عديدة من الزمن.ومن هذا التراث ما يسمونه بالأحاديث النبوية التي رسموا فيها صورة معينة عن المرأة من خلال ما زعموا كونه حديثاً نبوياً ينص على :
لا افلح قوم ولوا امورهم إمرأة
من خصائص الأحاديث النبوية الصحيحة هي ان لا تكون أحاديث آحاد ، أي انها لا تكون منقولة عن شخص واحد وليس لها ما يسندها في القرآن والسنة . فأين موقع هذا الحديث المزعوم ؟
يجيب الكاتب الإسلامي محمد عماره في كتاب التحرير الإسلامي ، من منشورات دار الشروق ، على هذا السؤال فيقول : " إنه لا يوجد في القرآن كله أو الأحاديث الصحيحة سوى هذا الحديث وحده فلا شبيه له يقويه . ولم يروه غير واحد ، وأحاديث الآحاد دلالتها ظنية بالإجماع " .
وعلى هذا الأساس فإن هذا الحديث الذي يريد به فقهاء الظلال تعطيل دور المرأة ما هو إلا حديث موضوع لا سند له ، يوظفه أعداء المرأة لنيل ما في نفوسهم من غايات دنيوية لا علاقة لها بالدين، كما ان راويه الوحيد المدعو أبو بكره لم يُعرَف عنه بأنه من حفظة الحديث أو من رواته المشهورين . وتذكر بعض المصادر أن رواية هذا الحديث هي واحدة من الخدع المستعملة في الحروب ، حيث جاء ذِكر هذا الحديث لأول مرة في واقعة الجمل والذي أدى إلى إنفضاض بعض أنصار عائشة عنها مما أدى إلى خسارتها الحرب . ( إنظر مثلاً كتاب : مفاهيم خاطئة تؤخر المسلمين ، تأليف د. أحمد شوقي الفنجري ، مكتبة مدبولي ، الطبعة الثانية ، 2007 ، ص.272)
كما جاء في المصدر أعلاه وفيما يتعلق بهذا الحديث على الصفحة 273 ما يلي: " وآخر القول فقد حسم فضيلة شيخ الأزهر الدكتور محمد سعيد طنطاوي هذه القضية بفتواه العصرية الرشيدة التي صدرت يوم 18.03.2005 . فعندما أعلنت مصر رسمياً ان منصب رئيس الجمهورية سيكون بالإنتخاب العام بين أي مرشحين ، فقد أعلنت بعض النساء ممن لديهن الكفاءة والأهلية رغبتهن في الترشيح إذا وافق الأزهر على ذلك وكان لا يتعارض مع الدين . فجاءت فتوى فضيلة شيخ الأزهر الرجل الشجاع العالم المستنير وحسم فضيلته الخلاف مع جميع المعارضين لولاية المرأة لأي منصب في الدولة إبتداءً من حقها في عضوية مجلس الأمة والقضاء والوزارة إلى رئاسة الجمهورية ".
إن هذه الصفات الهمجية المتخلفة التي تطلق على النساء على انهن ناقصات عقل ودين لا تحتاج إلى كثير من العلم والمعرفة لنقضها وإثبات بدائية القائلين بها من فقهاء السلاطين واشباههم . وهم بذلك يناقضون ما يعتقدون به في تعاليم دينهم الذي ينسب الخلق ، بما في ذلك خلق الإنسان الى الله المُنزه عن كل خطأ. فكيف يكون المخلوق من قبل الله ناقص عقل والقرآن الذي يؤمنون به كمصدر اساسي لدينهم يقول في الآية الرابعة من سورة التين : " لقد خلقنا ألإنسان في أحسن تقويم " . فكيف يجعل فقهاء السلاطين من خلق الله هذا الذي يصفه القرآن بأنه جاء على أحسن تقويم بأنه ناقص ..؟ هنالك ثلاثة إحتمالات لهذا التصرف اللاديني واللااخلاقي في نفس الوقت. فإما ان فقهاء السلاطين هؤلاء لا يفهمون القرآن ، اساس ديبنهم ، ولكنهم يحاججون به رغم عدم فهمهم له ، وهذه هي إحدى الكوارث التي حلت بالمجتمعات الإسلامية التي اصبح فيها الجهلاء بالدين والدنيا قادة لهذه المجتمعات ، وها هي النتائج التي نراها اليوم بسبب هذه القيادات الجاهلة ، تخلف يولد تخلف على مر التاريخ لهذه الأمة التي لا زالت تفتخر باغتصابها ارض الغير " أخذنا إمرة الأرض إغتصابا ". أو أن فقهاء السلاطين هؤلاء يعرفون فعلاً ما ينص عليه القرآن من كمال خلق الإنسان ، إلا أنهم يضعون أنفسهم فوق هذه النصوص التي تعرقل بعض تسلطهم على مجتمعاتهم فيقومون بلي عنق النص ليستجيب لأطماعهم وشهواتهم ، وليضربوا بكل التعاليم الدينية أمام البسطاء من الناس عرض الحائط ، فيجاهدون انفسهم لإستمرارية هذا الوضع الذي يجعلهم رعاة قطيع من الهمج وليس من البشر المالك لعقله وارادته . أما ألإحتمال الثالث فهو انهم لا يعتبرون النساء من ضمن المخلوقات البشرية التي خلقها الله في أحسن تقويم .اي يعتبرونها صنف من الجن مثلاً ، كما قال بعض اغبياءهم عن الكورد ، خاصة كورد العراق ، فهم من نوع خاص من الجن .
أما أن المراة ناقصة دين وما يبررون به هذيانهم هذا بحيض المرأة الذي يمنعها عن ممارسة بعض الطقوس الدينية وقت الحيض ، فذلك أمر لا يقود إلى الإشمئزاز من هذا الطرح وحسب ، بل وإلى الـتأمل فيما يفقهه هؤلاء من الدين عموماً ومن الطقوس الدينية المفروضة على الملتزمين بالتعاليم الدينية بشكل خاص .
تطبيق الفرائض الدينية له سياقاته الخاصة بكل فريضة من هذه الفرائض وهناك من الأمور التي يجب مراعاتها في حالة تطبيق او عدم تطبيق هذه الفرائض . فإذا كان حيض المراة يؤدي إلى وصفها بنقص الدين ، فلماذا وضع الله خالقها على احسن تقويم هذه الحالة فيها...وهل أن عملاً إلهياً يمكن ان يكون ناقصاً يؤدي إلى تعطيل فرائض إلهية بحيث نطلق عليها صفة النقص التي تعني لغوياً فَقدَ جزء من الكل. وإن كان الأمر كذلك فلماذا وُضعت قاعدة التعويض في الصوم أو الصلاة . وهل ينطبق ذلك على المرأة فقط التي لا تستطيع أن تمارس بعض الفراائض الدينية اثناء الحيض فيجعلها ذلك ناقصة الدين ، أم ان ذلك ينطبق على الرجال والنساء أيضاً الذين لا يصلون الصلاة كاملة اثناء السفر مثلاً أو لا يصومون في الوقت المحدد ،إلا أنهم يعوضون ذلك في المستقبل..؟ وهل أن المرضى الذين لا يستطيعون ممارسة الفرائض الدينية كاملة أو على وجهها الصحيح أو بشكل رمزي هم ناقصو دين..؟ إن هذا الحديث يتنافى مع المنطق ومع التوظيف البسيط للعقل في معالجة الأمور العقائدية. إن هذه التعاليم الدينية تشمل النساء والرجال على حد سواء ، كما بينت ذلك الكثير من الآيات القرآنية التي لم تذكر الرجل المؤمن إلا وذكرت إلى جانبه المرأة المؤمنة ، ولم تُشر هذه الآيات إلى نقص في إيمان هذه المرأة ، ويمكن الرجوع إلى ألآيات 71 من سورة التوبة ، و 12 من سورة النور، و 35 من سورة الأحزاب للتأكد من ذلك .
ويستند هؤلاء الفقهاء في احيان كثيرة ايضاً على بعض نصوص دينهم التي تنتقص من المرأة من خلال نصوص جواز ضربها او حتى فهمهم المنقوص لمسألة الميراث الذي لا يخلو من معاملة المرأة معاملة ليست في صالحها في بعض الأحيان ، وغير ذلك من النصوص التي لا يعون موقعها التاريخي ومسبباتها الإجتماعية آنذاك. ولو وعوا ذلك حق الوعي لما تصرفوا مثل هذه التصرفات المشينة تجاه المرأة.
المراة اثبتت عملياً وتاريخياً بانها ساهمت في بناء المجتمعات على إختلاف أنواعها ومواقعها . وإن ما يُدبَر اليوم في العلن والخفاء ، من قِبَل مَن يضعون أنفسهم في موضع الوكلاء على الدين ، لغمط وتشويه وإنكار دورها هذا ، لا ينبغي له ان يمر دون ان تتحرك المرأة نفسها لتفعيل المجتمع بكامله ليقف ضد هذه المحاولات التي يقودها فقهاء السلاطين ، هؤلاء اللاهثين وراء السلطة والجاه لا وراء العدل والمساواة والمبادئ التي يعلنون التزامهم بها وما هم إلا لصوص تخلوا عن ابسط هذه القيم الأخلاقية والدينية التي يزعمون الإلتزام بها.
وها هي المرأة العراقية التي تخوض سوح النضال الوطني في العراق مؤججة ، جنباً الى جنب مع الرجل ، ثورة وطنية عارمة اقتلعت كثيراً من مساند احزاب الإسلام السياسي ومن يدعمها من الأحزاب والعصابات القومية الشوفينية والطائفية المقيتة التي تمارس اللصوصية والسقوط الأخلاقي وخراب الوطن وابتزاز المليشيات المنفلتة منذ ان جاء بها احتلال وطننا بعد سقوط دكتاتورية البعثفاشية المجرمة وحتى يومنا هذا. المرأة العراقية ، الثورة في المجتمع العراقي السائر نحو إزاحة حكم اللصوص ورواد الجريمة من تجار الدين وآكلي لحوم البشر، ونحو بناء الدولة العراقية المدنية الديمقراطية ، دولة المواطنة التي لا يمكنها الإستمرار في الحياة دون مساهمة المجتمع العراقي كله بكل اطيافه واجناسه وقومياته ودياناته في التأسيس لكيان هذه الدولة التي يتحقق فيها شعار الدين لله والوطن للجميع ، ؤرغم انف تجار الدين ورواد اللصوصية اعداء الإنسانية .
المرأة العراقية تنفض اليوم غبار القيمومة عنها وتخرج إلى المجتمع بروح الثقة العالية والمقدرة الكافية والعزم الثوري وبكل ما تملكه من مؤهلات تتبوأ من خلالها المواقع القيادية في العراق الجديد الذي لا يستطيع أن يستغني عن نصف مكوناته نزولاً عند رغبة بعض العقول الجاهلة المتخلفة . وليكن هذا الثامن من آذار وكل يوم آخر قادم منطلقاً لمسيرة المرأة نحو غد أفضل ومستقبل زاهر . ولتلعب المرأة العراقية المثقفة على وجه الخصوص دوراً مضاعفاً في عملية التنوير التي لم تصل إلى الكثير من النساء العراقيات اللواتي لا زلن يجهلن أهمية دورهن في المجتمع.
ليكن شعار ثورة الشباب العراقي برجاله ونساءه هو إعلاء دور مفهوم المواطنة العراقية في بناء دولتنا الحديثة ، وتعبئة الجماهير التي لم يزل الكثير منها متعلقاً بخرافات تجار الدين وسارقي اموال الفقراء وممارسي السقوط الأخلاقي بكل انواعه.
الدكتور صادق إطيمش



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World