القراءة الماركسية لثورة أكتوبر الإشتراكية

فؤاد النمري
fuadnimri01@yahoo.com

2019 / 11 / 23

لا يُقرأ التاريخ بغير القراءة الماركسية . كثيرون هم من يرفضون هذه القاعدة الذهبية لكن أحداً منهم لم ينجح بقراءة مغايرة .
أشير بداية إلى هذه القاعدة الذهبية لأقول لدهشة الجميع أن أحداً حتى اليوم لم يقرأ ثورة أكتوبر الإشتراكية . عقد قبل عامين ندوة دولية للحديث عن ثورة أكتوبر البلشفية شارك فيها ثلة من الذين يرتدون أردية ماركسية فاقعة اللون لم يقرأ أحد منهم ثورة أكتوبر قراءة ماركسية لأن مثل هذه القراءة ستعرّي يتمهم لأبيهم المحرف خروشتشوف الذي خطب خطابه السري في العام 56 ليقول أن الدولة السوفياتية بناها ستالين عبر أساليب إرهابية ودموية . تلك هي قراءتهم لثورة أكتوبرالتي انتهت وكأنها لم تكن، بل وإن عدداً من هؤلاء يشاركون كتبة الصحافة البورجوازية في اعتبار ثورة أكتوبر علامة سوداء في تاريخ البشرية – أنا لا أريد أن أتوقف عند ذلك الخطاب الذي فرضه العسكر على خروشتشوف ليقرأه وكأنه من أعمال المؤتمر العشرين للحزب وليتبين فيما بعد أن الحزب لم يكن يعلم بالخطاب واستنكر الخطاب مما جعل خروشتشوف نفسه يفتتح المؤتمر الحادي والعشرين للحزب فيقول .. "استطاع حزبنا بقيادة ستالين لفترة طويلة أن يتغلب على سائر الأعداء ويبني لنا دولة اشتراكية عظمى نعتز بها" .

جملة القوانين والقواعد التي اعتمرت بها الماركسية أكدت نهاية النظام الرأسمالي بثورة اشتراكية دائمة (Permanent) تقوم بها البروليتاريا في مركز النظام الرأسمالي وتستمر حتى انتصارها في كل أصقاع الأرض . هذه قاعدة علمية ماركسية لا يمكن كسرها . زعماء الأممية الثانية، كاوتسكي وبليخانوف ومارتوف رأوا أن لينين قد كسر القاعد وقام بثورة اشتراكية في روسيا المتخلفة . أولئك الزعماء لم يقرأوا التاريخ القراءة الماركسية التي قرأها لينين
(1) تناسى كاوتسكي وبليخانوف القرار الثوري الخطير الذي اتخذته الأممية الثانية في مؤتمرها العام المنعقد في شتوتغارت في العام 1907 والذي يقول أنه يتوجب على العمال في حال انفجار حرب استعمارية حول تقسيم الأسواق بين الدول الرأسمالية في غرب أوروبا أن يهبوا لانتزاع السلطة واستعادة السلام لحياة الشعوب .
(2) استمرت الحرب العالمية الأولى خمس سنوات مما استنفذ كل قوى الدول المشاركة في الحرب مما سمح للبلاشفة بأن يقوموا بثورة اشتراكية تسنى لهم حمايتها بالتعاضد مع الفلاحين حتى انتصار الثورة الحاسم على 19 جيشاً تعود لأربعة عشر دولة رأسمالية في العام 21 .
(3) في المؤتمر العام للأممية الثانية المنعقد في بازل 1912 إتخذ المؤتمر قرارا هاما بخصوص روسيا يقول نظراً لهشاشة الطبقة البورجوازية في روسيا ينبغي على الإشتراكيين في روسيا أن يقوموا بالثورة البورجوازية ورعايتها حتى الإكتمال .
(4) في سبتمبر ايلول 1917 وجه البلاشفة إنذاراً للحكومة البورجوازية يحذرها من أي تأخير في إعلان الإنسحاب من الحرب سيكون مدعاة لإسقاط الحكومة . أعلن البلاشفة أن انتفاضتهم في 25 أكتوبر (7 نوفمبر) 1917 إنما كانت تهدف لاستكمال الثورة البورجوازية في شباط 17 والتي قصرت البورجوازية في تحقيق أي هدف من أهدافها الثلاث، الإنسحاب من الحرب واصلاح الأراضي وانتخاب جمعية تشريعية . وكان أول مرسومين وقعهما رئيس الحكومة البلشفية فلاديمير لينين هما مرسوم السلام ومرسوم الأرض تحقيقاً لأهداف الثورة البورجوازية وفي الشهر التالي عقدت إنتخابات الجمعية التشريعية وبذلك تم تحقيق كامل أهداف الثورة البورجوازية .
(5) صبيحة الإنتفاضة البلشفية دعا لينين جميع الأحزاب في روسيا للإشتراك في حكومته مما يؤكد أن انتفاضة أكتوبر لم تكن ثورة اشتراكية بل لاستكمال الثورة البورجوازية، إلا أن جميع الأحزاب رفضت الإشتراك في حكومة البلاشفة وما كان منها سوى أن تآلفت في جبهة معادية أعلنت حرب إبادة على البلاشفة في مارس آذار 1918 .
(6) هبت جماهير العمال والفلاحين تدافع عن البلاشفة وخلال الحرب الأهلية مارس آذار 1918 – مارس آذار 19 تم سحق مختلف عناصر البورجوازية الدينامية (الكبيرة) وحلفائها من القوى الرجعية وفلول القيصرية .
(7) .فقط في 6 مارس آذار 1919 أعلن لينين الثورة الإشتراكية العالمية الكفيلة بالإطاحة بالنظام الرأسمالي الإمبريالي العالمي وكان ذلك في الخطاب التأسيسي للأممية الثالثة بحضور مندوبين عن 32 حزباً اشتراكياً وشيوعياً من أوروبا وآسيا وأميركا .

أمام مثل هذه الحقائق التاريخية مجتمعة يغدو الحديث عن ثورة أكتوبر وكأنها جاءت من خارج التاريخ حديث الغواية والبطلان، وكان لينين قد أكد في خطابه أمام الجمعية التأسيسية للأممية الشيوعية في مارس آذار 1919 بأن .. " نضال العمال الروس قد أقنع عمال العالم بأن مصائر الثورة العالمية تتقرر هنا في روسيا " .
the Russian workers struggle has already convinced working people everywhere that the destiny of the world revolution is being decided here, in Russia.
لم يخطئ لينين فيما أكده قبل قرن كامل . فقد حقق العمال الروس انتصاراً ساحقاً على جيوش التدخل 1919 – 21 وضمت تسعة عشر جيشاً تعود لأربع عشرة دولة هي جميع الدول الرأسمالية الإمبريالية في العالم – منها ثلاثة جيوش أرسلها وزير الحربية ونستون تشيرتشل "ليخنق البلشفية في مهدها" مما انتهى إلى طرده من الحكومة البريطانية .
في 6 ابريل نيسان شهد ونستون تشيرتشل لستالين بالقول .." أنتم المردة ونحن لسنا مثلكم" وهو ما يعني أنهم أقزام بمواجهة البلاشفة .
الجهود الحربية التي بذلها الإتحاد السوفياتي في تحطيم النازية تعدت كل حدود الخيال . فالدول الغربية الثلاث لم تحارب النازية سوى فرنسا التي استسلمت بعد مواجهة امتدت لخمسة أسابيع فقط في يونيو 1940 وعادت الدول الغربية الثلاث لمواجهة النازية في 6 يونيو 1944 بعد أن هدد الجنرال ايزنهاور بالاستقالة من قيادة الجبهة الغربية والإشتراك في خيانة الحلفاء السوفييت – كما كتب في كتابه للرئيس روزفلت . تم إنزال النورماندي بعد أن تأكدت هزيمة ألمانيا على يد السوفييت وحدهم إثر معركة كورسك الشهيرة وهي أكبر معركة دبابات عبر الحروب إذ تمكنت خمسة آلاف دبابة سوفياتية من قصم العمود الفقري للعسكرية الألمانية . إنزال النورماندي لم يكن في مستوى الحرب الدائرة على الجبهة الشرقية وهو ما زاد في أعباء الجيوش السوفياتي التي اضطرت لفتح أكبر معركة في تاريخ الحروب لفك أسر جيوش النورماندي في 12 يناير 45 بعد أن تهددتها الإبادة التامة في 5 يناير 45 من قبل 20 فرقة نازية تحاصرها .
الدول الغربية الثلاث لم تحارب طيلة سنوات الحرب سوى جيوش موسوليني التي ضمت 30 فرقة رديئة التجهيز على شواطئ المتوسط .
في مؤتمر بوتسدام، يوليو 45، وبخ ستالين ونستون تشيرتشل بالقول .. "أنا أعلم أنك لم تأتِ إلى هنا إلا لتأخذ حصة من غنائم الحرب، أما أنا فما أتيت إلا لأدافع عن حقوق شعب ألمانيا الديموقراطية " وهو ما يستبطن الإشارة إلى أن بريطانيا لم تساهم في الحرب على ألمانيا – ما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق هو أن ستالين في طريه إلى برلين أصدر أمره للمارشال السوفياتي جوكوف الحاكم العسكري لبرلين عدم تنظيم استقبال لوصوله بالعكس من وصول كل من تشيرتشل وترومان حيث نظم لكل منهما استقبالاً عسكريا كونهما فاتحين بينما هما لم يشاركا بفتح برلين .
طمس حقائق الحرب العالمية الثانية والإحتفاء بذكرى إنزال النورماندي بالمقابل رغم تفاهة دوره في الحرب له هدف واحد وحيد وهو إنكار أهمية ثورة أكتوبر التي تفرض نفسها على كل صفحات التاريخ التالية، وعليه فهي ليست بحاجة لأن يستذكرها الصغار الهوامش .

(يتبع)



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World