عَزاء أبيقور [2]: عن الموت ومواجهة فنائنا الخاص

إبراهيم جركس
outlandish2020@yahoo.com

2019 / 8 / 13


إذا كان لشوبنهور طريق واحد للعلاج...
فلأبيقور عدّة طرق وأساليب...

الجلسة الثانية:
((الموت لاشيء بالمسبة إلينا، إذ يفقد الشيء الذي ينحلّ القدرة على الإحساس، والشيء الفاقد للإحساس هو لاشيء عندنا)) [أبيقور، الحكم الأساسية، 2]

بمعنى: أن الموت لايعني شيئاً بالنسبة لنا، إذ أنّ أي شيء ينحلّ بدون إحساس، وأنّ أي شيء يفتقر للإحساس لايعني شيئاً لنا. أي أنّ أي شيء ينحلّ ويتفتّت إلى ذرات لا يمتلك إحساس، وبذلك لا يمتّ لنا بأي صلة.

_تعوّد غبلا اعتبار الموت لاشيء بالنسبة إلينا، إذ يكمن كل خير وشر في الإحساس، والموت هو الفقدان الكُلّي للإحساس. فالموت لاتَمُتّ إلينا بصلة، وتجعلنا معرفتنا بذلك نقدّر مباهج هذه الحياة القصيرة حقّ قدرها، فلا نضيف إليها زمناً لامحدوداً بقدر ما نجرّدها من الرغبة في الخلود. وفعلاً لايمكن لأي شيء في هذه الحياة أن يُحدِثَ الرغب في النفس التي أدركت حقّ الإدراك أنّ الموت لايبعث على الخوف. وعلى ذلك فمن السخف مايزعمه بعضهم من أنّ ما يجعلنا نخشى الموت ليس كونه يبتلينا عند حدوثهـ بل كوننا نتعذّب في انتظار حدوثه. إذ لا مبرّر للقلق الناتج عن توقّعنا لحدوث شيء ما إن كان حضور هذا الشيء لايتسبّب لنا في أي إزعاج. وهكذا فإنّ الموت، وهو من المصائب ما يجعلنا نرتعش أكثر خوفاً، لاشيء بالمسبة إلينا، إذ عندما نكون فالموت لايكون، وعندما يكون الموت فنحن لانكون. وعلى هذا فالموت لايعني الأحياء ولا الأموات، لأنّه لايمُتّ بصلة إلى الأحياء، ولأنّ الأموات لم يعودوا بعد موجودين.
ينفر الجمهور تارةً من الموت ويرى فيه أشدّ المصائب، ويرغب فيه طوراً من أجل وضع حَدٍ لنكبات الحياة. أمّا الحكيم، فهو لايزدري الحياة ولايخشى الموت، لأنّ الحياة لاتثقل كاهله ولأنّه لايعتبر الوجود شرّاً. [أبيقور، راسلة إلى مينسي، 125-126]

_لاحظ أنّه إذا أزال المرء من البشرية كل المَلَكات التي منحتها إيّاها الطبيعة، لايبقى شيء. [شيشرون، دفاعاً عن أبيقور]

_دعونا نتخيّل رجلاً يعيش مستمتعاً باستمرار بالعديد من الملذّات الحسية، الجسدية منها والعقلية، والذي لايزعجه وجود الألم أو احتمال وجوده. ما هي الحالة الممكنة من الوجود التي سنصفها كحالة أفضل أو أكثر قابليةً للوصف؟ الإنسان في حالة معينة يجب أن يمتلك بدءاً ذي بدء قوّة العقل كافية أمام أي خوفٍ من الموت أو الألم. هو لن يخاف الموت لأنّه يعرف أنّ الموت ما هو إلا فقدانٌ تام للوعي، ولن يخاف من الألم لأنّه يعلم أنّه بينما هو على قيد الحياة، فالألم الطويل سيكون خفيفاً بشكلٍ عام، والألم الشديد قصير عموماً. بمعنى آخر، سيعلم أيضاً أنّ شدّة الألم تتصاعد بقصر مدّته، وأنّ الألم المستمر يمكن احتماله لأنّه أقل شدّة بشكلٍ عام. هذا الشخص ليس عنده خوف من أي قوى ماورائية، دعه لا ينسى ملذات الماضي، بل دعه يستمتع بها من جديد يتذكّرها باستمرار، وسيكون نصيبه أنّه لن يعترف بمزيد من التحسّن. [شيشرون، دفاعاً عن أبيقور]

_يُدخل الخوف من الموت الفوضى لتعكّر هدوء الحياة وصفوها ويفقدها معناها، وإنّه لأمرٌ محزن أن نحني رؤوسنا للألم ونحمله على كاهلنا باستسلام وضعف. هذا الضعف قد سبب للكثير من البشر خيانة أهاليهم وأصدقائهم، حتى أنّ بعضهم خان وطنه، وسقط الكثيرون منهم في فخّ التدمير الذاتي. من جهةٍ أخرى، فإنّ الروح القوية والنبيلة خالية تماماً من القلق والأحزان، وتُنير ظلمة الموت، لأنّ الموتى هم وحدهم ستكون حالهم كما كانت قبل ولادتهم. ومن الحكمة أن نتذكّر أنّ الآلام الشديدة تنتهي بالوفاة، وأنّ الآلام الخفيفة ستطول فترة أطول ثمّ تعقبها فترة من الراحة. بينما الآلام المتوسطة تاشدة تكمن في قدرتنا على السيطرة عليها. إذا كانت الآلام محمولة عندها سيكون بإمكاننا احتمالها، وإذا كانت غير محمولة، فيمكننا أن نختار مغادرة مسرح الحياة بهدوء عندما لا تعود المسرحية تمتّعنا. [شيشرون: دفاعاً عن أبيقور]

_الموت لايمثّل شيئاً لنا، ولا يقلقنا على الإطلاق،
حيث إنّ من المعروف عن مادّة الروح أنّها فانية،
وكما أنّنا لم نشعر بالقلق قبل مولدنا على ماجرى في الزمن الغابر،
عندما تدفّق القرطاجيون من كل جانب ليقاتلوا أجدادنا،
وعندما زُلزِلَت الأرض كلها بجلبة الحرب المروّعة،
وأصيب بالهَلَع كل شيء تظلّله السماء العالية،
وصار مصير كل البشر في البر والبحر معلّقاً:
لأيّ حكمٍ من الحكمين سيؤول مصيرهم،
وهذا أيضاً عندما سينتهي وجودنا، عندما يحدث الانفصال بين
الجسد والروح اللذين باتحادها تنصهر أجزاؤنا في كيان واحد،
كُنْ واثقاً إذن أنّ أي شيء على الإطلاق لن يستطيع أن يحدث لنا،
لأننّا لن نكون حينها في الوجود، ولن يستطيع أي شيء أن يجعلنا نشعر،
حتى لو امتزجت الأرض بالبحر والبحر بالسماء.
والآن هَبْ أنه بعد انفصال مادة العقل وقدرات الروح
عن جسدنا لايزال بإمكانها الإحساس.
على أي حال، فإنّ ذلك لايمثّل شيئاً بالنسبة لنا، نحن الذين يلزم
لوجودنا في الحياة اقتران الجسد والروح وانصهارهما في كيانٍ واحد.
وحتى لو استطاع الزمن أن يجمع ذراتنا بعد الموت
وأن يعيدها مرةً أخرى إلى هيئتها نفسها الحالية،
وحتى لو أعاد إلينا نور الحياة مرةً أخرى،
فإنّ ذلك الأمر أيضاً لايعنينا على الإطلاق حتى لو حدث بالفعل،
مادامت أنّ قدرتنا على التذكّر تكون قد دُمّرت تماماً من قبل.
وحتى في وقتنا الحاضر، فإنّه لايعنينا في شيء معرفة
ماذا كُنّا من قبل، ولاتمُسّنا الآن أي معاناة بشأن هذا الأمر،
لأنّه عندما ينظر المرء للخلف إلى كل ما مضى على مدى غير محدود من الزمن،
ويرى كم أنّ حركة الذرات متنوّعة، عندئذٍ يمكنه أن يدرك بسهولة:
أنّ تلك الذرات نفسها التي نتكوّن منها الآن
قد وُضِعَت من قبل بالترتيب نفسه الذي هي عليه الآن.
لكنّ العقل لايستطيع استدعاء تلك الفترة من الزمن للذاكرة،
لأنّ الحياة قد توقفت في تلك الفترة البينية التي فيها كانت كل
تحرّكات ذراتنا تتجوّل هنا وهناك وابتعدت بعيداً عن مداركنا.
لأنّه لو تصادف وقُدّر لإنسان أن يشقى ويتألّم في المستقبل،
لكان عليه هو نفسه الوجود أيضاً في ذلك الوقت الذي سينزل به البَلاء،
لكن حيث إنّ الموت يمنع حدوث هذا الأمر،
ويحول دون وجود الإنسان الذي قد تتجمّع لديه تلك النكبات،
فعلينا أن ندرك أنه لايوجد مايجب خشيته بعد الموت،
فالإنسان غير الموجود أصلاً لايمكنه أن يشقى،
فليس هناك أي فرق بين أن يكون الإنسان قد وُلِدَ في وقتٍ سابق أم لم يولَد تماماً،
ما دام الموت الخالد سيقضي على حياته الفانية.
وعلى ذلك عندما ترى إنساناً مستاءً من قدره،
إذ إنّه بعد الموت إمّا أنّه سيتحلّل مع جسده المستلقي في القبر،
وإمّا يهلك فوق مشاعل المحرقة أو بفُكوك الحيوانات الضارية،
كُنْ واثقاً من أنّه لايقول الحق، وأنّ خوفاً ما يقطن في أعماق قلبه،
على الرغم من أنّه هو نفسه ينكر اعتقاده بأنه سيكون قادراً على الشعور بأي إحساس عقب الموت،
لأنّه حسب اعتقادي ليؤمن بما يتظاهر الإيمان به،
فهو لايريد أن يقتلع نفسه من الحياة وأن ينسحب منها تماماً،
فهو من دون أن يشعر يريد أن يحعل جزءاً منه على قيد الحياة،
لأنّ مثل هذا الإنسان عندما يتخيّل أثناء حياته أن جسده
بعد موته ستنهشه الطيور والحيوانات المفترسة،
تأخذه الشفقة بنفسه، لأنّه لايفرّق بين ذاته حياً وبين ذاته ميّتاً،
كما أنّه لايفصل ذاته بالقدر الكافي عن جثمانه المُسَجّى على الأرض،
ويتخيّل أنّ ذلك الجثمان لايزال هو ذاته، وأنّ تلك الذات أثناء وقوفها إلى جوار الجسد تحاول أن تثبته جزءاً من مشاعرها... ومن هنا يسخط لأنه وُلِدَ بشراً فانياً، ولايرى أنه عندما يموت بحق لن توجد له نفس أخرى يمكنها البقاء حية لتندب موت النفس الأولى التي ماتت، ولتتألم _وهي واقفة_ على أنّ النفس المسجّاة ستُنهَش أو تُحرَق...
إذ لو أنّ نهش الجسد بفكوك الوحوش وأسنانها بعد الموت يٌعَدّ شراً،
فإنني لا أرى كيف أنّه ليس بالأمر القاسي على المرء أن يوضَعَ فوق المحرقة لتلتهمه ألسنة اللهب، عندما يُسجّى الجسد فوق سطح لوح رخامي شديد البرودة،
أو أن يُدفَنَ ويُسحَقَ تحت وطأة الثرى المتراكم.
"لن يستقبلك بعد الآن منزلك السعيد، ولن تستقبلك بعد الآن أفضل الزوجات،
ولن يُهَروِلَ نحوك أطفالك الأعِزّاء ليحظوا بقبلاتك فيغمرون قلبك بسعادة دفينة.
ولن تتمكّن بعد الآن من العيش في حياة رغدة، ومن حماية أهلك.
يا لَكَ من مسكين، هكذا يقولون، يومٌ واحدٌ غدّار سلبك ببؤس كل نعم الحياة الكثيرة".
لكنهم لايضيفون إلى ما سبق: "لن تستولي عليك بعد الآن أي رغبة في أي من تلك النعم".
لو أنّهم يتدبّرون ذلك بعقولهم جيداً ويعملون وفقاً لهذا القول،
لَحَرّروا أنفسهم ن اضطرابٍ عظيم وخوفٍ يصيبان العقل.
"أجل حيث إنك ترقد في سبات الموت، فإنّم ستظلّ هكذا أبد الدهر،
ولهذا ستبقى معافى من كل الآلام المبرّحة،
ولكننا ونحن واقفون إلى جوارك وقد تحوّلتَ إلى رماد فوق المحرقة المرعبة،
فإنّنا نبكيك بلا توقف، ولن تتمكّن الأيام من أن تخرج من قلوبنا ذلك الحزن المقيم".
وعلى هذا ينبغي علينا أن نسأل المتحدّثالسؤال التالي:
لو أنّ مسألة الموت تُختَزَل في النوم والسكينة، فلماذا كل هذه المرارة العظيمة،
ولماذا يذبل المرء شيئاً فشيئاً بحزنٍ لاينتهي؟
إنّ هذا الأمر أيضاً يفعله الناس كثيراً عندما يضّجعون على الموائد
ويمسكون الأقداح بأيديهم ويضعون الأكاليل على جباههم،
فإنّهم يقولون من أعماق قلوبهم: "كم هي قصيرةٌ تلك المُتَع الممنوحة للبشر البؤساء،
فهي سرعان ماتزول ولا يتمكّن أمرؤ من استعادتها بعد ذلك... وكأنّ مصيبتهم الرئيسية بعد الموت هي:
أنّ الظمأ الجاف يحرق هؤلاء البؤساء، أو أنّ رغبةٌ ما في شيءٍ ما آخر تتملّكهم.
والحق أنّ المرء لايتحسّر على فقدان نفسه أو حياته عندما يسكن العقل والجسد على حدٍ سواء أثناء النوم،
فبالنسبة إلينا لو أنّ مثل هذا النوم كان أبدياً، فإنّه لن تتملّكنا أيّ رغبة من الرغبات.
على أي حال، فإنّ ذرات الروح المنتشرة في كل أنحاء الجسد لاتبتعد كثيراً عن الحواس أثناء النوم،
وعندما ينهض الإنسان من نومه فجأةً فإنّه يستجمع كل قواه.
وعلى هذا فإنّ علينا أن نعتقد أنّ الموت أقل بكثير من النوم في أن يشغل بالنا إن كان هناك ماهو أقلّ من ذلك الذي لانعدّه شيئاً على الإطلاق، وذلك لأنّ انفصال أعظم ذرات المادة يحدث عقب الموت، ولايستيقظ المرء أو ينهض، بمجرد أن يداهمه التوقف البارد للحياة.
فضلاً عن ذلك، هَبْ أنّ طبيعة الكون أصدرت فجأةً صوتاً وقامت بنفسها بتوبيخ أحدنا على النحو التالي: ماذا أصابك أيها البشر الفاني إلى الحد الذي معه تستسلم لمثل هذه الأحزان المريرة؟ لماذا تَئِنّ وتذرف الدمع عند ذكر الموت؟... فلو أنّك كنت راضياً على حياتك السابقة التي عشتها إلى الآن، ولو أنّ كل النعم التي اجتمعت لديك لم تتسرّب منك _وكأنّها كالماء في وعاءٍ به ثقوب_ فتفقدها وأنت ساخطٌ، لفضّلت إذن أيها الأحمق أن تنسحب كضيف قد شبع من الحياة، وتحصل بعقلك الراجح على راحةٍ بلا منغّصات؟
لكن لو أنّ كلّ ما استمتعت به قد وَلّى وزال،
ولو أنّك اعتبرت أنّ حياتك بغيضة، فلماذا تسعى إلى إطالة أمدها، كي تمضي ماهو آتٍ أيضاً على نحوٍ بغيض وينتهي كل شيء وأنت ساخط،
ولماذا لاتضع، كما هو حَرِيٌ بك، حَدّاً لحياتك وللشقاء؟
هل تتوقع مني أن أبتكر أو أكتشف من أجلك شيئاً جديداً عساه أن يبهجك،
أقولها لك: لايوجد أي شيء، فكل شيء يسير على المنوال نفسه.
فلو أنّ جسدك لم يكن قد ذبل بالفعل بمرور السنين ولم تَهرَم أطرافك وتتراخى، فإنّ كل شيء سيظل يسير على المنوال نفسه، حتى لو قُدّر لك أن تتقدّم في العمر لتعيش كل الأجيال، بل وأكثر من ذلك، لو قُدّر لك ألا تموت على الإطلاق"،
بماذا نجيب نحن سوى أنّ الطبيعة توجّه إلينا اتهاماً صائباً، وتقدّم في دعواها قضية عادلة؟
لكن لو أنّ هذا الرجل الذي تخاطيه الطبيعة كان حقاً شيخاً طاعناً في السن، وكان هذا البائس يشكو وينتحب أكثر ممّا ينبغي على دُنُوّ أجله، فهل سيكون للطبيعة الحق في أن تصرخ في وجهه وتؤنّبه بصوتٍ أكثر حِدّةً:
"أغُرب بعيداً بدموعك أيها الوغد، وأوقف نحيبك! إنك تشعر بالوهن الآن بعد أن استمتعت بكل متع الحياة، لكن لأنك تتطلّع دائماً إلى ما ليس لديك، وتزدري مافي يدك الآن، فإنّ عمرك قد انقضى غير تام وغير محمود، ووقف الموت بجوار رأسك دون أن تشعر، قبل أن تتمكّن من الانسجاب وأن مُتخَمٌ ومُشبَعٌ من وليمة الحياة. هيا الآن واصرِف عنك كل ماهو غير مناسبٍ لعمرك، وبعقلٍ راجحٍ اذعَن على الفور لسنوات العمر، لاخيار لديك".
وهي في اعتقادي محقة في قولها ومحقة في لومها وتوبيخها له، لأنّ القديم دائماً مايمضي صاغراً بعد أن يقهره الجديد، فينبغي لكل شيء أن يقوم على أنقاض شيء آخر، ولايوجد مَنْ يقع في الجحيم أو في تارتاروس الأسود، فهناك احتياج للمادة التي منها قد تنشأ الأجيال القادمة، وكل الأجيال، على أي حال، ستلحق بك بعد أن تنتهي حياتها، لذا فإنّ تلك الأجيال ليست بأقل منك، فهناك مَنْ هَلَكَ منها من قبل، وأخرى ستهلك من بعد... وهكذا فإنّ الشيء لايتوقف عن النشوء من الآخَر، ولايملك إنسان الحياة ملكية مطلقة، فهي مُلكٌ للجميع ويحقّ لهم استخدامها.
انظر للوراء أيضاً وشاهد كَمْ من عصرٍ من عصور الدهرالأولي قدمَرّ قبل مولدنا، وكم أنّ ذلك لايمثّل شيئاً لنا البَتّة. وبذلك فإنّ الطبيعة تعرض لنا _كالمرآة_ الزمن المقبل عقب موتنا مباشرةً.
هل هناك ما يبدو مخيفاً في ذلك؟ هل ثمّة شيءٌ يبدو محزناً؟ أليس الموت أكثر أماناً من الموت؟.
[لوكريتيوس، في طبيعة الأشياء، 830-975]

_فيما يتعلّق بالموت، يجب أن نضع في حسباننا أننا نعي حقيقة أننا أحياء فقط لأننا تختبر الحياة من وجهة نظرنا الشخصية، من خلال عينينا، وأذنينا، وحواسنا. عندما نموت، ستختفي هذه الحواس وتندثر مع أجسادنا، ومعها ستندثر قدرتنا على اختبار أي شيء والشعور به. ولهذا السبب، لا ينبغي أن نخاف من الموت، لأنك ما أن تموت، ستختفي أحساسيك ومشاعرك، وبذلك ينتهي وعيك أيضاً. حتى إذا كان المكوّنات التي تشكّل أجسادنا ووعينا بقيت موجودة بشكلٍ ما، فبهذه الحال أي شيء سيبقى منك لن يختبر أي شيء من الأحاسيس، وبذلك لن يمتلك القدرة على الشعور بأي نوع من الألم. علاوة على ذلك، لا تسمح لنفسك أن تنتابك أيّة مشاعر بالندم أو الأسى حيال حقيقة أنّ وعيك لم يستمرّ إلى الأبد. فأنت لستَ قلقاً الآن عن حالتك التي كنت فيها قبل أن تولد إلى هذا العالم، وبنفس الشكل لا لستَ بحاجة لأن تقلق حيال الأبدية التي ستمرّ بعد موتك. كل الأمور التي ستحصل بعد موتك ستكون ببساطة مجرّد مرآة لكل الأمور التي حصلت قبل ولادتك _ولاينبغي أن يسبب لك الخوف من الموت عجزاً في قضاء حياتك اليوم إلى أقصى إمكاناتها. ناهيك عن أنّ الموت لايعنينا في شيء. ولا يهمّنا في شيء. فالموت جزءٌ حيويٌ من طبيعتنا ككائنات بشرية، لكنّ الطبيعة قد ضمّمتنا وكيّفتنا لكي نحيا، كما أنّ غاياتنا وأهدافنا الطبيعية تتمحور حول عيش حياة مليئة بالسعادة قدر الإمكان. علينا أن نسعى بكل قوتنا نحو حياة ملؤها الصحة والسعادة والشعور بالامتلاء، فنهاية هذه الحياة ستكون ذات أهمية بالغة بالمسبة إلينا. ما أحاول أن أشير إليه هنا هو أنّ الموت هو نهاية وعينا، ولن ندخل حالة أخرى من الوجود المغاير بعد الموت، وليس علينا أن نقلق بشأن ذلك، وبهذا المعنى، طبعاً، الموت لايعني لنا شيئاً على الإطلاق.
أغلقت الجلسة....
عزيزي القارئ إذا أعجبتك هذه المحاولة أرجو ترك أثرٍ منك في التعليقات لأعلم أنّك تفاعلت مع مقالي هذا وأبذك جهداً أكبر في تحسين وتطوير وقراءة المزيد من المراجع...
دمتم بخير
للتواصل على البريد الإلكتروني: berojarkass2016@hotmail.con



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World