عن خير الله طلفاح وكامل الدباغ والثقوب السوداء

ماجد الحيدر
majidalhydar@gmail.com

2019 / 7 / 12

طبق الأصل

من عادة الكبار في السن (وأنا لست منهم بالطبع!) أن يربطوا بين كل خبر يسمعونه أو حدث يتناقلونه وبين نكتة أو طرفة أو حدث حقيقي شهدوه في سالف أيامهم.
الزوبعة التي أثارها خبر نجاح العلماء أخيرا في تصوير (أو محاكاة رقمية لصورة) الثقوب السوداء أعادت الى ذاكرتي تلك الأيام من عام 1969 عندما انشغل العالم برمته بنزول أول انسان على سطح القمر. كنت طفلا مدمنا على متابعة التلفزيون ومحبا، شأن الكثيرين في ذلك الزمان، لبرنامجين بعينهما هما الأربعائي (العلم للجميع) للراحل الفذ وحامل لواء التثقيف العلمي كامل الدباغ ثم الثلاثائي (الرياضة في أسبوع) للمعلق والأكاديمي الرياضي المحبوب مؤيد البدري.
أما ظهيرة الجمعة فكانت مناسبة جيدة لإغلاق التلفزيون بعد البصق عليه! إلا إذا كان المرء من هواة النكتة السوداء أو شبك العشر على الرأس من شدة البلاء، فقد كان هذا الوقت من كل أسبوع الموعد المحدد كي يظهر فيه واحد من أغرب الشخصيات وأكثرها حقدا وجهلا وبخلا وتسلطا و.. و.. في تاريخ الهمجية البعثية التي رسمت ملامح "الزمن الجميل" الأغبر! أنه الحاج خير الله طلفاح، خال السيد النائب ثم القائد الضرورة صدام حسين، وبطل أكبر عدد من النكات المتداولة الساخرة من غبائه وبخله وخسته.
في ذلك الوقت كان أبسط خروج من قبل أية شخصية علمية أو إعلامية أو ثقافية، أو حتى رياضية، على وجهات نظر (خال الحكومة) الخرتيت خير طلفاح يقابل بعقوبة فورية من قبيل الإحالة على القضاء (كما جرى لطارق الخزاعي وحسب الله يحيى وجمعة اللامي وليث الأسدي الذين دخلوا قفص الاتهام بإشارة منه بعد تقديم مسرحية انهض ايها القرمطي هذا عصرك) أو ما حدث للأستاذ مؤيد البدري (عندما شكك بحقيقة نزالات المصارعة الاستعراضية التي قدم فيها النظام السيد عدنان القيسي باعتباره بطلا قوميا هزم عتاة أبطال الغرب والشرق) فكان نصيبه إيقاف برنامجه المحبوب ونقله الى أقصى الجنوب!
ولقد شاء سوء حظ الراحل كامل الدباغ أن صار (مع أخبار الحدث الكبير الذي غطاه بأكبر قدر من العلمية والموضوعية) مادة لحديث الحاج طلفاح في خطبة الجمعة المنقولة "نقلا حيا مباشرا" من أحد جوامع بغداد. كان خير الله ( الذي ذهب العراقيون الى تفسيرات شتى في معنى اسمه حمل بعضها تلميحات خادشة أو مجدفة ليس من المناسب ذكرها على اسماعكم الكريمة) يزبد ويربد وهو يلعن أمريكا والغرب الكافر وكامل الدباغ ويؤكد بشكل لا يقبل الشك أو الجدال (ومنو جايز من روحه حتى يجادل) :
- "هاي أفلام الكارتون التي يعرضها كامل الدباغ حتى يخدع الناس ويضللهم ما تمشي عدنا! الله جل جلاله يقول وجعلنا القمر نورا (كان يصرخ ويمط الكلمة الأخيرة بصوته الذي.. أجلكم الله) يعني القمر نور، نور، يعني ضوه.. أكو واحد يمشي على الضوة؟!"
ولا يحتاج الأمر فطنة لمعرفة المحنة التي وقع فيها الدباغ في تلك الأيام حتى انجلى الغبار واكتملت الدائرة المعروفة حتى الآن (التشكيك والشتم، ثم الإقرار على مضض، ثم.. نعم هذا مذكور في القرآن!)
لكن الأمر لا يحتاج فطنة أيضا لمعرفة عدد الطلفاحيين الحاليين الواقفين بالمرصاد لكل تطور علمي والمنتشرين في كل مدرسة وكلية وجامع ومقهى ودائرة وموقع وركن من بلادنا المعمورة! وأزيدكم من الشعر بيتاً: إن كثيرا من ذوي الخيال الواسع والمسكونين بنظرية المؤامرة ، وفيهم أصحاب شهادات "علمية" ما زالوا يشككون (أسوة بطلفاح) في واقعة الوصول الى القمر ويعدونها فبركة فوتوشوبية لا تعبر عليهم!
وأخيرا، لا أقول وأنا أنظر الى ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا الطلفاحي بإذن الله إلا أن أردد مع ذلك الظريف الخبيث الذي علق على صورة الثقب الأسود قائلاً "اشخابصينه بالثقوب السوداء؟ شنو هيّه نمّونة؟.. إحنه مو بس شايفين الثقوب السوداء.. إحنه عايشين بيها!"



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World