الدولة السمسارة

جعفر المظفر
jafaralmudhafar@yahoo.com

2019 / 7 / 11

إلى جانب إقرارهم بإستمرار حالات التردي على الصعيد السياسي وإنتشار وتصاعد ظاهرة الفساد وإستمرار التراجع على صعيد النشاط الخدمي فإن بعض الذين يزورون العراق يعودون منشدين وحتى منبهرين بواقع التقدم النسبي على صعيد الإستقرار الأمني والإنفتاح الإجتماعي وحرية التعبير, حتى تراهم وكأنهم يراهنون على أن يكون ذلك الترف المفاجئ غير المتوقع دليل أكيد على إمكانات أن يكون العراق قد إمتلك قدرة التشافي والتعافي بالشكل الذي يجعله قادرا على إعادة بناء بناه الإنتاجية المتهدمة والإنطلاق من جديد نحو حياة واعدة.
إن ثمة حالة إنبهار كاذبة قد تكون مدعاة لمزيد من الإحباط حينما يكتشف هؤلاء ان تفاؤلهم جاء بسب مراهنتهم على وجود مظاهر نشاطات فقاعية ولا صلة لها بالنشاطات المنهجية الدالة على وجود نوايا لإعادة إنتاج دولة.
لا يمكن الإذعان للمظاهر التي تعبر عن وجود بعض اشكال الترف المجتمعي الذي بدأنا نشهده على صعيد العديد من المظاهر الحياتية وإنما يجب أن تنصب المراهنة على قدرة النظام نفسه على بناء بنية تحتية سياسية إقتصادية وثقافية وأمنية بإمكانها أن ترتفع بالبلد إلى المستوى السيادي والوطني ولو بالحد الأدنى.
إن غياب هذه القدرة تبدو واضحة وذات صلة بالطبيعة البنيوية لقوى النظام نفسه, في أفكارها المتخلفة وعلاقات التبعية التي تربطها بدول المحيط الإقليمي والعالمي, بما يجعلها عاجزة عن بناء دولة مستقلة بسيادة غير مثلومة, الأمر الذي يجعل الترف المجتمعي حالة مؤقتة, وحتى يجعلها معرضة للتلاشي بوجود دولة ذات إقتصاد ريعي ومكبل من داخله وخارجه بكل القيود التي تمنعها من مغادرة تمظهرها كدولة موظفين وبإقتصاد ونشاط سياسي غير قادر على خلق بنية تحتية صناعية وزراعية واعدة.
ان الإنتعاش الإستهلاكي الظرفي قد يعبر في حقيقته عن ورم اكثر مما يعبر عن كونه نموا طبيعيا مستندا إلى بنى تحتية متماسكة من شأنها أن تدعمه وتضمن إستمراره.
لا أريد أن اتحدث هنا عن الفساد الإداري والمالي الضارب اطنابه سواء على صعيد القيادات السياسية وحتى المجتمعية, إذ أن قوى النظام نفسه تعترف بذلك وتعجز عن إنكاره, وهناك تأكيد أيضا ان الدولة الريعية الإستهلاكية الموظفية لا يمكن لها أن تحقق اي نشاط غير أن تأكل نفسها بنفسها.
وإن ما نراه هو أن طبيعة النشاط السياسي وقواه ما زالتا عاجزتين عن مغادرة ميدان الصراع على بناء السلطة إلى ميدان التسابق والتنافس على بناء الدولة القادرة على إعادة تشكيل الوطن العراقي بالسياقات التي تكفل إستمراره وتوفر عوامل نهضته.
ومع كل مشاهد الترف التي نشاهده فإن طبيعة الكيان العراقي الحالي ليس بمقدوره حتى حماية هذه المشاهد نفسها, فكيف إذا ما جرى الحديث عن قدرة هذا الكيان على تجاوز محنة صراعاته السلطوية ومغادرتها إلى حيث ميدان بناء الدولة ذاتها.
إن إفتقاد النظام ولو لقدرات تنفيس حقيقية سيؤدي اما إلى التفسخ والتلاشي وأما إلى الإنفجار.
وفي إعتقادي ان لا شيء سوف يطيل عمر النظام الحالي سوى الحاجة إلى إستمراره كأرض حرام بين معسكرين متقاتلين متنابزين هما المعسكر الأمريكي والمعسكر الإيراني, إذ لا سبيل هناك لإمكانية الظن بأن هذا النظام قد أفلح في بناء عوامل قوة ذاتية من إنتاجه وإنما هي الحاجة الدولية والإقليمية لإستمراره كأرض حرام, أو حتى كأرض لإستراحة الجيوش المتحاربة أو سوق لغسيل الأموال والسياسات.
وفي ظني أن النظام الحالي لم يعد يملك فرصة للبقاء أو التقدم من خارج مساحة دوره كسمسار سياسي إقليمي ودولي



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World