الحرية الدينية و حقوق الأقليات

إيمان بوقردغة
marieagnesadil@gmail.com

2019 / 7 / 11

تعد مفاهيم و مضامين الحريات العامة مفاهيم معقدة إذ عقدت أنشوطتها في الفكر الإنساني فصارت محورا للسجالات الفلسفية و القانونية و السياسية المستفيضة و لعل الحرية الدينية هي من أكثر الحريات العامة التي شغلت فكر السياسيين و الفلاسفة و الحقوقيين و حتى الرأي العام فأعلنت أغلب الدساتير التي حُرّرت بعد الحرب العالمية الثانية أن الحرية الدينية هي من أهم حقوق الإنسان الأساسية .
و الحق في الحرية الدينية يحظى بالتأييد في المقام الأول على المستوى الدولي وهو ما تجسّده النصوص القانونية العالمية على غرار ميثاق الأمم المتحدة و الغرض منه هو" تعزيز وتشجيع احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع دون تمييز على أساس العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين"
و من ناحية ثانية فقد حمت اتفاقية السلام المبرمة إثر الحرب العالمية الأولى الحرية الدينية فدعت إلى حماية الأقليات الدينية. و التكريس التشريعي لحماية هذا الحق يؤسّس له أيضا ميثاق عصبة الأمم المتحدة الذي نص على مسؤولية قوى الوصاية في ضمان الحرية الدينية في الأقاليم التي تديرها لتتوّج هذه التشريعات الدولية بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 الذي ينص في مادته18على أن:
"لكل شخص حق في حرية الفكر والوجدان والدين. ويشمل هذا الحق حريته في تغيير دينه أو معتقده، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة وأمام الملأ أو على حدة."
فالحرية الدينية إذن هي حق أساسي معترف به في الصكوك القانونية العالمية .
لكن على الرغم من التصريحات العديدة من جانب الأمم المتحدة من جهة والتصريحات الفردية للدول من جهة أخرى بشأن أهمية الحرية الدينية، فإن الأقليات الدينية مازالت تلعق مرارة الظلم و القهر و الإقصاء رغم أن حقها في الإيمان بدينها الساكن وجدانها من ناحية وفي ممارسة شعائرها من ناحية أخرى هو, على حد تعبير , المقرر الخاص للجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات, Arcot Krishnaswami "على الأرجح أغلى حقوق الإنسان" وهو في "قمة الحريات" إلى الحد الذي يمس به المحيط الأكثر حميمية " من الروح.
و الحرية الدينية تتجاوز مفهوم التسامح الديني الذي قد يوجد في بعض الدول غير أنه لا يؤثر كثيرا .
لأنه يظل محدودا في مجال عمله ففي القانون و الممارسة، غالبا ما تتسامح الأغلبية الدينية مع وجود الأقليات الدينية في البلدان التي اعتمدت القانون الأصولي الديني كقانون دولة و لكنها في الغالب تكون مقيّدة تقييدات متعددة الأشكال شخصية و اجتماعية و ثقافية و إدارية خفية.
لهذه الأسباب هناك حاجة إلى تجاوز مجرد التسامح الديني نحو الحرية الدينية التي تعزز حكم القانون الضامن لمعيار مشترك لجميع المواطنين لتعزيز قيم المواطنة على أساس المساواة بين جميع أفراد المجتمع و منع التمييز المباشر و غير المباشر(الخفي) تجاه الأقليات.
كما تضمن الحرية الدينية التعددية في المجتمع وهي مكوّن أساسي من مكونات الديمقراطية.
وحرية الأفراد والمجتمعات في ممارسة دينهم هي حجر الزاوية للسلام العالمي الذي يتوطد على جميع المستويات حين تبنى جذور الرابطة الإنسانية على أساس الحرية وانفتاح الضمير الإنساني على قيمة حق الإختلاف العالمية.
أما قمع الحرية الدينية أو انتهاكها أو تقييدها فتنجر عنه الضائقات و المحن النفسية و المادية التي حاقت بملايين من مواطني المجتمع الدولي.
فالإعتراف الفعلي بالحق في الحرية الدينية و ضمانه و إشاعة الأمن بين الأفراد و السلام في المجتمع الإنساني يعزز من تماسك الدول و يثري التعاون بينها في جو من الثقة المتبادلة.
و طبقا لذلك فإن فهما صحيحا لدور الدين في المجال العام بات ضرورة في مواجهة الأصولية التي تعتبر أن قانونا دينيا معينا هو قانون دولة و ينطبق على جميع المواطنين على اختلاف أديانهم و لا دينيتهم في بعض الأحيان.
و فضلا على ذلك فإن دور العمل المدني في مجال حماية الأقليات الدينية أمسى لازما فنذكر على سبيل الذكر لا الحصر منظمة Open Doors وهي منظمة مسيحية أنشئت عندما شدّ المبشّر الهولندي Anne van der Bijl, أوBrother Andrew الرحال إلى أوروبا الشرقية لسماع قلوب أنهكتها اضطهادات قاسية بسبب قناعاتهالدينية.
و مازال عملها الخيري دؤوبا إلى حد اليوم فنلفيها في المنصات و الإئتلافات مثل المنبر الأوروبي للتعصب الديني في بروكسل تعمل على بسط معاناة المسيحيين في مختلف أصقاع العالم ليصيخ إليها أصحاب القرار و عامة الناس .
و من نافلة القول فإن دراسة موضوعية للأديان لها فضل عظيم في خدمة القضايا الإجتماعية و السياسية و الإقتصادية ففهم أعمق لروح النصوص الدينية هو مفتاح الإحاطة بهذه القضايا المفصلية و حلحلة ما أشكل منها.
و على النقيض من ذلك فإن سوء فهم وظيفة الدين كنعمة وجدانية تفيض أمانا و سلاما في القلوب لتنشر الأمن و السلم العالميين يغذي الصراعات بين الأفراد و النزاعات بين الدول .
و تأسيسا على ذلك فإن استعمال الدين في المجال السياسي يضمر سوء نية إذ يمسي وسيلة ماكيافلية للوصول إلى سدة السلطة أو للحفاظ عليها فيستخدم الدين حتى كعلامة حرب و على سبيل المثال نلمع إلى تقريرعن أفغانستان نشره مكتب دعم اللجوءالأوروبي يظهر إساءة استخدام طالبان للدين لأغراض التجنيد.
و مدعاة للأسف أن استعمال الدين في السياسة يرتبط بالتمييز والاضطهاد ضد الأقليات الدينية الأخرى،مما يغذي الصراعات الدولية و حتى الحروب الدينية الشعواء.



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World