قراءة في -وثيقة الوضع الصحي في العراق-

عامر هشام الصفّار
aalsafar@hotmail.co.uk

2019 / 7 / 11

أصدر وزير الصحة العراقي الدكتور علاء العلوان في بداية شهر تموز الحالي وثيقة مهمة كما أرادها أن تكون، وجعل لها عنوانا مهما هو "الوضع الصحي في العراق.. التحديات وأولويات العمل".. حيث جاءت الوثيقة بما يقرب من عشرة آلاف كلمة، وقسّمت الى ما يشبه الفصول مع مقدمة موجزة، وخارطة طريق نحو التغطية الصحية الشامل، وتحديد للتوجهات الأستراتيجية لأصلاح النظام الصحي في العراق.. وأذا كانت الوثيقة قد أستعملت تعبير أصلاح فهو الأشارة الى أن النظام الحالي قد أصابه الخراب وأصبح غير فعال ولا يأتي بالنتائج المرجوة، مما يعطي الأنطباع عن درجة التدهور المريع في تقديم الخدمات الصحية للمواطنين.
ولعل في المقدمة لهذه الوثيقة ما يشير الى الأسباب حيث جاء فيها " أن أسباب هذا التدهور تعود الى عوامل عدة منها أن الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003 لم تمنح الصحة أولوية ستراتيجية ولم تلبي تخصيصات الموازنة أحتياجات السكان وتطلعاتهم.". ومن المعروف أن عدد سكان العراق قد بلغ عام 2018 ما يقرب من 38 مليونا حيث يعيش الغالبية العظمى منهم في المدن، مع وجود ما يقرب من الثلث من عدد السكان في الأرياف.
الفقر والجهل والمرض:
واذا كان الفقر قد أزداد في ضراوته في العراق حتى بلغت معدلاته ما يقرب من 22.5% من السكان من الذين هم من الفقراء أو على هامش الفقر، فأن الجهل يعد طامة كبرى أيضا في موضوعة أنهيار النظام الصحي، فكلما أزداد الجهل بين مجموعة بشرية كلما زادت نسبة الأمراض بينهم. وهنا تشير الوثيقة الى أن نسبة الأمية في العراق في عام 2007 (وليس في عام 2019) هي 23%، وهو المعدل المخيف بكل المقاييس، أضافة الى التدهور المريع والحاصل في البنية التحتية للقطاع التعليمي عامة.
وفي خطوطه العريضة للواقع الصحي العراقي تشير وثيقة وزير الصحة العراقي الدكتور علاء العلوان الى أن أمراض القلب والأوعية الدموية والسرطانات والسكري وامراض الرئتين المزمنة أنما تشكّل السبب الرئيس للوفيات في العراق وبمعدل يقرب من 55% من معدل الوفيات الكلي. وان نسبة وفيات مبكرة تحصل عند 20% من أبناء الشعب مما يؤثر على الحالة الأقتصادية والأجتماعية للوطن ككل.
وتشير الوثيقة أيضا الى أن 30% من العراقيين أنما يعانون من أرتفاع ضغط الدم وأكثر من 14% أنما يعانون من مرض السكر، في حين يعاني ما يقرب من ثلث أبناء الشعب من السمنة. أما بالنسبة للتدخين فأن ما يقرب من 40% من الناس هم من المدخنين بكل ما تحمله هذه العادة الضارة من سلبيات على صحة الأنسان وعلى أحتمالية أصابته بأمراض السرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية.
الأمراض النفسية:
أما بالنسبة للحالات النفسية فأن البيانتا المتوفرة وكما تشير الوثيقة أنما تقول بأن نحو 17% من السكان من فئة عمر فوق ال 15 عاما أنما يعانون من الأضطرابات النفسية. كما تشير الوثيقة بشكل صريح الى أن العراق قد أخفق في الوصول الى أهداف الألفية للتنمية في عام 2015 فيما يتعلق بصحة الأمهات والأطفال ووفياتهم وذلك بسبب تدني مستوى خدمات الرعاية الصحية الأولية.
وتستمر وثيقة وزير الصحة الدكتور العلوان بتفصيل التحديات البيئية في العراق فتشير الى الحاجة الماسة للنهوض بواقع قطاع الماء والصرف الصحي أضافة الى ضرورة الحد من التلوث البيئي حيث يتم يوميا تصريف نحو 5 ملايين متر مكعب من مياه الصرف الصحي والمجاري الى الأنهار دون أن يخضع معظمها للمعالجة، هذا أضافة الى أن هناك حقيقة معروفة في العراق حيث يفتقر خمسة ملايين مواطن (14%) من السكان الى خدمات الماء الصالح للشرب.
التمويل الصحي.. من يدفع المبالغ اللازمة؟
وتفصّل الوثيقة المهمة هذه في مشاكل تمويل النظام الصحي في العراق فتشير الى تغيرات جرت في التمويل هذا خلال العقود الماضية منتقلا من نومذج الدولة المرفهة التي يقدم فيهل القطاع العام الرعاية الصحية المجانية الى تأسيس نظام للتويل الذاتي وجباية رسوم مقابل طيف واسع من الخدمات الصحية. وتستنتج الوثيقة في هذا المجال " أن عدم أعتماد الصحة والبيئة أولويات أساسية في برامج الحكومات المتعاقبة أسهم الى حد كبير في التدهور الذي آل أليه الوضع الصحي في العراق". بل ان أستثمار الحكومة في الصحة والبيئة لا يتماشى والتحديات الهائلة ومتطلبات الأصلاح في النظام الصحي وأنتشاله من كبوته، اضافة الى أن حصة الصحة من الموازنة الحكومية الحالية لا تتفق وأحتياجات المواطنين، حيث يعد مستوى أنفاق العراق على الصحة وشؤونها من أقل المستويات في العالم قاطبة.
وحول موضوعة القوى العالمة الصحية تشير الوثيقة الى أن هناك نقصا في أعداد العاملين في الصحة من الأطباء والملاكات التمريضية أضافة الى سوء توزيع هذه الملاكات وعدم كفاية التدريب فضلا عن ظروف عمل غير ملائمة طاردة للكفاءات.
البنية التحتية الصحية:
كما تناقش الوثيقة الوزارية ببعض التفصيل البنية التحتية للصحة في العراق وتقديم الخدمات الصحية للنازحين، كما تناقش الخدمات الصحية الوقائية وخاصة تلك التي تتصدى للعبأ المرضي الرئيس في العراق وهو الأمراض المعدية والأمراض غير الأنتقالية المزمنة والمخاطر السلوكية والبيئية، وتعطي الوثيقة مثلا موضوعة اللقاحات حيث لا يحصل ثلث أطفال العراق على اللقاحات الأساسية.
وتفصّل وثيقة العلوان هذه في الصحة الأنجابية ورعاية الأم والطفل حيث تشير البيانات المتوفرة الى أن نحو ثلث الأمهات في سن الأنجاب في العراق لم تتوافر لهن رعاية صحية كافية في أثناء فترة الحمل. كما تفصّل في الأستعداد للطواريء والأستجابة لمتطلبات اللوائح الصحية الدولية وخدمات نقل الدم، والسلامة الغذائية ونظام المعلومات الصحية والأدوية والتقنيات الطبية حيث تشير الوثيقة الى أن 12% فقط من الأدوية الأساسية توفرت بشكل كامل خلال العام الماضي 2018 في حين غاب نصف أدوية هذه القائمة نهائيا طيلة العام من المستشفيات والمراكز الصحية. أما الوضع الدوائي في القطاع الخاص فتصفه الوثيقة أنه خطير وغير منضبط ويبعث على القلق الشديد.
خارطة الطريق نحو التغطية الصحية الشاملة:
وفي تحديدها لخارطة طريق نحو التغطية الصحية الشاملة والتوجهات الأستراتيجية لأصلاح النظام الصحي تشير الوثيقة الى ضرورة حصول جميع المواطنين على رعاية صحية اساسية عالية الجودة ودون أن تكون هناك أعباء مالية. كما تفصّل في ضرورة مراجعة آليات التمويل الصحي وتوسيع رقعة التمويل للصحة واعتماد نهج جديد في هذا المجال في الأعداد لميزانية الحكومة لعام 2020. وهنا تقترح الوثيقة أعداد مشروع لوضع خطة التأمين الصحي لمناقشتها مع مجلس النواب كما تدعو الى زيادة الضرائب المفروضة على المنتجات الضارة وخاصة التبغ والكحوليات.
كما تشير خارطة الطريق الى ضرورة التصدي للفجوات الموجودة في القوى العاملة الصحية وخاصة سوء التوزيع، ووضع خطة عمل واضحة للموارد البشرية. كما تشير الى أهمية القضاء على الأزمة الدوائية وتقترح توصيات بشأن ذلك، اضافة الى نوسيع خدمات المستشفيات وتحديثها واعادة تنظيم القطاع الصيدلاني وتحديث سياسات وأنظمة توريد وخزن وتوزيع الأدوية.



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World