غزالة صديقي قاسو كلي وغزلان خدر فقير

مراد سليمان علو
muradallo@yahoo.com

2019 / 2 / 22

1
"غزال، غزال..
هاى، هاى"..
ويتعالى الصوت ليعانق البروق، ثم يسافر وحده..
يبحث عن "غزالة" شاردة في سفوح جبل شنكال، وفي كهوفه.
يبحث صوت خدر فقير بحرص شديد عن "غزالته" في بساتين التين الديمية، وفي ظل أشجار البلوط..
ومع آخر رشفة راجفة من عرق بعشيقة في قعر الكأس يفقد الفقير خدر صوته، وتجف ينابيع السكينية، وتموت الأسماك ولا يجد "غزالته".
تقاعد صاحب "غزال" في قبره، وسلمّ طنبورته لأقرب راعي وجده في وادي باب شلو.
https://www.youtube.com/watch?v=dWA76NvpbdE
أول مهرجان فني وثقافي ـ إن صح التعبير ـ أقيم في شنكال أطلق عليه اسم صاحب "غزالى".
أنا لم احضر المهرجان لأنهم لم يدعونني ربما بسبب عدم انتمائي لأحزابهم وقيل إن الدعوة وجهت لتحسين خدر الأبن البكر لخدر فقير وعبثا يحاول الطيران مثله ولكنه لم يحضر المهرجان الذي أقيم في رحاب مزار شرفدين خوفا من مسؤوليه الحزبيين.
الأيزيدي إن لم راعيا..
ليس عليه أن صيادا..

2
رأيت "غزالة" وقد التحقت بجيش الأمزونيات في فلم محاربات الأمازون بسينما السندباد مقابل حديقة الشهداء الموصلية..
أنا أراها في الأفلام..
وهي تراني في الأحلام..
متى أصبحت محاربة؟
يجيبني مسؤول في الأمم المتحدة:
هذا لم يعد سرّا خافيا، فلو بحثت جيدا في زوايا كهف "حصارى" سترى آثار أحلام صديقك خيري لا تزال مرسومة على جدرانها..
وآخر حديث دار بينكما مسجل في أرشيفنا، وسنعوضكم بكمشات من الملبّس والحامض حلو حينما تكمل المحاربة مهمتها وتعود على جناح فرمان قادم.
قد ينتهي مهرجان الأمراء في بيت الأمارة بباعدرا كردستان العراق أعرجا وكسيحا كما مهرجان الفقير خدر ويلفظ عن أمير يرانا في الأفلام وفي الأحلام فقط، دون أن يزور حدائق الشهداء الأيزيدية وحدائق الأرامل وحدائق الأيتام وحدائق الناجيات وحدائق الفقراء وحدائق المرضى وغابات النازحين.


3
وهل هناك فرمان قادم؟
الأمم المتحدة لا تكذب..
اذهب سيرا على الأقدام من نيويورك إلى بغداد..
أرتاح في مقهى أم كلثوم
أفتح كتاب ألف ليلة وليلة وأتوسل بالسندباد أن يبحث عن "غزالة" في رحلته القادمة فعاشقها سيتلف من البكاء عليها.
وما أن أخرج من الجايخانة باتجاه عربانة أبو العنبة حتى تناديني شهرزاد قائلة:
ربمّا الملك شهريار قطع رأس "غزالة" كما الأخريات ولكن لا تقلق فأنا هنا لأنتقم لهن جميعا، أرجوك فقط أقنع روّاد شارع المتنبي بقراءة قصصي ثانية..
اطمئني يا شهرزاد، أنهم ملتهين ب "الشسمة" الآن ونسوا الجني الأزرق ومصباحه السحري.. فللاحتلال وللسقوط كوابيسها كما تعلمين.
وليست "غزالة" وحدها من تدفع الثمن.

4
لا بد انني سكران..
شكرا لبعشيقة ولبحزانى على العرق المشبع بالذكريات والأسماء والألوان والقرى والوجوه والأصدقاء والشهداء والقصائد و "الغزلان".
بغداد لا تعترف بشنكال ابنة لها..
هه، و(باغ ـ داد) لا تعرف أنما شنكال جدتها بالتبني فهي أكبر منها ألف مرة واسألوا نوح كيف ثقبنا سفينته على الجبل، فقط لأنه أراد أن يمر من جنبنا دون أن يأكل من خبزنا وتيننا ويشرب من ماء السكينية التي تشبه الخمرة..
ومنذ نوح ومغامرته الفاشلة حرموا أكل وشرب أهل شنكال الأيزيديين..
وأربيل لا تعترف بشنكال أختا لها..
وتقول أن لبن أربيل ليس كلبن شنكال..
هه، قولوا لأربيل من يتكلم الكرمانجية الفصحى أربيل أم شنكال؟
من يلبس الأبيض أربيل أم شنكال؟
وخدلياس يزور مَن؟
وأين يسكن شرفدين؟
وطاوسيملك ينظر إلى من؟
عزاءي لأربيل بزعل قلعتها منها..
عزاءي لبغداد بزعل دجلة منها..
وعزاءي لسيباى بموت شجرة التوت الوحيدة في حوشي..
لا أجيد الكلام حين اسكر..
اضحك أو ابكي أو اكتب الشعر..
ولكنني لا اجيد الكلام.
ادعوا أحد أمراءنا الاثنا عشر ليتحدث لنا قليلا وإياكم أن تكشفوا قوارير العرق أمامه فبينهم وبين العرق ثأر قديم.

5
في عام من أواخر أعوام الحصار أصيبت أمي بذبحة صدرية حزنا على إلغاء مهرجان الربيع في الموصل..
وفي العناية المركزة لأمراض القلب سألني الطبيب عن معنى أسمها فقلت: صغيرة "الغزال"..
آه، رشا..
نعم، خفشي تعني رشا..
آه يا قلبي، يا ترى أين ذهبت كلّ "غزلاننا"؟
سلامات يا موصل ..
سلامات ثيراننا المجنحة
متى ستطلقين سراح "غزلاننا" من معسكر الغزلاني يا موصل..

6
لو يعلم نوح ما حلّ "بغزالة" لما سمح لها بدخول السفينة ولسرح بها أبنه في الجبل، وربما أطعمناه بعد الطوفان الخبر الساج والدهن الحرّ..
نوح أيزيدي أصيل ولهذا عرج على شنكال وعبأ كيسه بتتن كرسي قبل ان نتلو عليه وصية الشمس التي تقول: لا أنبياء للأيزيدية..
أعطانا "غزلاننا" وركب سفينته وقفل راجعا ولا يزال يتنقل من ميناء إلى آخر ومن بحر إلى محيط ولم يترجل بعد، ولم تنتهي رحلته بعد.
تقول نادية:
كان يجب أن تعطى نوبل السلام لنوح أيضا..
هربت "الغزلان" ثانية وأختلط نوحنا بنوح نوح .



7
لا أثق بهؤلاء ولا بالأمم المتحدة ولا بالشهداء ولم أعد اثق بالشعر أيضا فأسأل صديقي قاسو كلي عمّا حدث فيجيبني ضاحكا:
"غزال، غزال..
هاى، هاى"..
ويعلم أكثر من غيره بعصبيتي التي تنتهي بوضع أغلى الأشياء في أقرب مراحيض فينهض من جنب "غزالته" بعد أن يقبلها أربعين مرة ويقول:
خدر فقير لم يسلمّ طنبورته لأحد يوما، فلا أثر للرعاة في باب شلو يا صديقي..
و"غزالة" لن ترجع من الأمازون ثانية فقد كذبوا عليك في الأمم المتحدة. رأيتها في آب وقت الفرمان وهي تقسم أن تأخذ بثأر الأيزيديات بيدها وشهرزاد كانت تغمغم من خوفها لتؤلف حكايات جديدة بأثواب أيزيدية بيضاء هذه المرة فهي قلقة مما سيجري لها في الليلة الألف بعد تسكت عن الكلام المباح..
أما الأمراء فهم سكارى كالعادة وليسوا بسكارى..
لا بد للأمراء أيضا "غزلانهم"..
وقبل أن يذهب صديقي قاسو أردت أن أخبره بسر خطير ولكن..
مسك الختام:
صديقي قاسو كلي لم يتزوج "غزالته" استشهد وهو يضحك ويغني..غزال..غزال.




http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World