رسالة إلى الفنان الأيزيدي

مراد سليمان علو
muradallo@yahoo.com

2019 / 2 / 15

1
والفنان في بئر سذاجتنا هو الذي يغنّي لك ويطربك ويجعلك تدبك وترقص بألحان مخلوطة من: كرم مسلة هندي وبهار أفريقي وهال موصللي ودارسين شامي وسماق كردي، واللغة غير مهمة ولو زعل "عيدوى كتي" ونام بدون عشاء.
في مفهومنا الأكثر ضحالة من غزارة بولنا: الرسم ليس فنّا وصديقي مروان الرسام ليس فنانا.
في عرف آذاننا الصماء العزف ليس فنا والخالد "خلف قاسكى" بطنبورته وعزفه السحري ليس فنانا. و"حماد" الناشئ ليس فنانا ناشئا أو مشروع فنان عزفه على الناي ليس فنا ودندنته على طنبورته ليس فنا وعزفه على الأورغ ليس فنا.
توسلت بمنظمة "يزدا" ان نحضن العزيز "حماد" ونضع خطواته في الطريق الصحيح ليكون فنانا في المستقبل ونفتخر به ولكن عواء توسلاتي ذهبت أدراج الرياح.
توسلت بوالده صديقي الفنان "إسماعيل قيراني" ـ لا حظ أنه فنان لأنه يغني في الحفلات ـ أن يبحث عن مدرسة ملائمة أو معهد موسيقي ملائم لحماد أو حتى يهاجر من أجله ولكنه زجه في مسابقات محلية وجعله يعزف في فرق شعبية وفي حفلات زواج من أجل حفنة من الدنانير ويوما ما سيقال لحماد فنان وسيغني أيضا ولكن كما الآخرين في حفلات الزواج والبرامج التلفزيونية الساذجة.
لك الله يا حماد ويا أمثال حماد.
في فولكلورنا الأيزيدي الغني جدا والفقير جدا النحت ليس فنا والنقش على الخشب ليس فنا.
منذ تأسيس الدولة العراقية ومخاتيرنا ورؤساء عشائرنا يوصون من يجيد النقش على الخشب ونحت الحجر أن يمدوهم بالهدايا المتمثلة بأطقم الشاي والقهوة والدلال وغيرها من التحف ليقدموها هدية لرؤساء الدوائر التي يزورونها لترويج معاملاتهم الورقية المريبة ولإدارات المتاحف ليقبضوا ثمنها مضاعفا وتتداول هذه التحف كفن وكصناعة فولكلورية ولكن يقيد العمل الفني باسم مجهول. ونتيجة الإهمال يكاد هذا الفن يندثر إذا لم يكن قد اندثر فعلا.
وفي مفهومنا القاصر التمثيل ليس فنا وطلبتنا يعزفون عن الدخول إلى معاهد التمثيل والفن والمسرح والخط والرسم والنحت والموسيقى بل يتبرعون بالذهاب إلى الحفلات مجانا لتدريب حناجرهم على الصراخ وليدخلوا لاحقا إلى جوقة الفنانين الذين لا يجيدون غير الصراخ.

2
إيقاع القرى الطينية في شنكال أغنية ودمعة سبية في الوطن وفي المهجر.
الجندي الأيزيدي الغارق في الطين لا يعرف على من يطلق الرصاص أولا.
أغاني الدبكات الأيزيدية ليست دموع الفقراء ولكنها حصوات فنانين يرموننا بها ولا يمكن ان يكونوا إلا عميان لا يجيدون التصويب عكس المثل الدارج.
أصوات تشبه الضرب على تنكة فارغة في ظهيرة يوم قائظ.
إيقاع أغانينا رجفة ضلوع يتامى ونظرات باردة لأرامل فقدن القدرة على الرقص.
آه، يا أفيائنا وشوقنا وأصواتا في ذكريات الزهور البرية وغنج الصبايا.

3
الناس يصنعون لفنانيهم التماثيل ونحن نجعل من فنانينا تماثيل.
نمنعهم من التحرك والتقدم.
ولا اقصد متعهدي الحفلات والغناء الشاذ فيه الذي يشبه شرب بول البعير لمعالجة الإسهال.
الفنان هو من يغني ولكن مهما غنى ومهما كبر ونفخنا فيه لن يتخطى عتبة الدار لأنه ببساطة ووضوح وبدون لف ودوران ليس فنانا بل مطرب شعبي ومؤدي صغير.
نملك فنونا ولم نهيئ فنانا ولم نخلق فنانا ولم نشجع فنانا ولم نمسك بيد فنان، فقط نصفق لمن يغني بصوت أعلى نصفق لمن يكون سوق حفلاته رائجا ويجيد التهريج ويخلط جميع أنواع التوابل في طبخته فنتقيأها قبل أن نتناولها.

4
لا نرغب في خلق المزيد من اساطير الغناء الشعبي والفلكلوري
يكفينا (عيدوي كتي وخدر فقير وقبال) والعشرات من أمثالهم أمواتا وأحياء.
نريدك أن تعزف على نايك وينساب حزننا من فتحاته ويصبح اللحن فيضانا وطوفانا يجوب كل مدن العالم فنحتفي بك ونقول عنك فناننا العظيم ما أكبرك!
ولا نريدك أن تغني في الحفلات فقط بأغاني مبتذلة وبجميع اللغات وترقص قبل الراقصين.
نريدك أن تدندن على طنبورتك وعودك ونريدك ان تلعب على البيانو وتقدم للعالم رقصة الشقائق في أعيادنا لا أن تنغمس في التدخين والشراب والقمار والجنس وتنخرط في حفلات رخيصة من اجل أشياء رخيصة تدني بها سعرك ونفسك وشخصيتك ومكانتك وذاتك فيقال عنك ولك بالرخيص.
نريدك أن تخلص لألوانك وتثقف للوحاتك وتنهل من لالشك وفرمانك وشنكالك وولاتك لوحات ورسوم ترفعك وترفعنا للمجد وللذرى.
نريد تنحت على الحجر وتنقش على الخشب وتصنع من الصلصال أيزيديا دينه الحبّ ويوزع على العالمين الحبّ ولا يؤمن بغير الحبّ.

5
قصيرة هي أعمارنا.
ومدهش هو الخيال.
ورحبة هي الأماكن.
فلنملأها باللوحات والتماثيل والرسوم والألحان والقصائد ونجعل الآخرين يصفقون لنا ويحتفون بنا بدلا عن ركضنا خلفهم.
لنحيي قرانا الميتة
ولنسمع ثانية خرير السواقي العذبة
ولندع الحجول تغني والشقائق تتمايل.

6
رسالتي إليك أيها الفنان
لا لترد على الرسالة
بل لتنهض بهدوء وتشرع في العمل
وتزداد قامتك كل يوم قامة حتى تكبر وتضع شنكال وجبلها وقراها وبعشيقة وبحزانى وولات شيخ وكل الأحبة الذين نثرتهم الفرمانات كحبات هيل في الخارج تضعهم في قلبك وننام على فرح دقاته ورقصه.
ومن لا يسمعني لن انتظره لأحكي له قصة الأميرة والجان.

7
احسب نفسك ماءً قادرا على التسلل في كلّ مكان، هكذا نريدك ماءً لكل مكان.
احسب نفسك هواءً جميعنا نحتاجه، هكذا نريدك هواءً في كل مكان.
ولا نرغب فيك نكتة سمجة يسخر منها الناس بدلا من الضحك.
منذ آلاف السنوات ونحن نبكي وقد حان أوان الضحك والفرح والابتسامة فكن جزء من الفرحة.
علينا أن نخرج من شرقيتنا ولو مرة وإن خرجنا منها مرّة لتكن إلى الأبد.
لنرفض تسول العاطفة مرة ولنشغل عقولنا مرة وإلى الأبد
لنرفض وبشدة أن تكون الأغاني الشعبية الهابطة المخلوطة بلغات غريبة أن تكون مرآة لمجتمعنا.
مجتمعنا الأيزيدي متذوق لدندنة الطنبور والنقر على الدفوف ومناجاة النايات السومرية وهذا الهرج والظاهرة السلبية بعيدة عنا فابعدوها أكثر ولتذهب دون رجعة.
مسك الختام همسة:
أن كنت فنانا
أن كنت مبدعا
وفي بداية مشوارك فلا تتوقع أن تمد الأيادي لانتشالك ورفعك.
انهض لوحدك وأخلص لموهبتك لوحدك وكافح لوحدك وتسلق الذرى لوحدك إن تطلب الأمر وستصل لوحدك وستنال المجد لوحدك.



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World