دلالة الاعتداء على رئيس مجلس الدولة

طلعت رضوان
talatradwan@yahoo.com

2019 / 2 / 11

دلالة الاعتداء على رئيس مجلس الدولة
طلعت رضوان
من بين المواقف المهمة فى حياة إحسان عبدالقدوس الصحفية والسياسية، موقفه الذى أثبت فيه إيمانه الفعلى بقيمة الديمقراطية، وذلك عندما تـمّ الاعتداء بالضرب على المستشارعبدالرازق السنهورى (رئيس مجلس الدولة) فقد شهدتْ مدينة القاهرة حدثــًــا غريبـًـا يوم 29مارس سنة 1954، حيث سارتْ مظاهرات فى أكثرأحياء وشوارع القاهرة..وكان المتظاهرون يهتفون بحياة جمال عبدالناصر..وحياة الجيش..وإذا كان هذا الهتاف (مقبولاوطبيعيـًـا نظرًا لما عـُـرف عن الناس العاديين من عاطفة نحوأى جديد) ولكن الغيرمألوف والغيرطبيعى..هوالهتاف (بسقوط الحرية) والهتاف (بسقوط الأحزاب) والهتاف (بسقوط الديمقراطية) وإذا كان المتظاهرون– كما نشرتْ الصحف وقتها– من العمال، فإنّ السؤال الذى تبادرإلى أذهان وعقول العقلاء هو: لماذا يهتف هؤلاء العمال بسقوط الحرية؟ فهل الحرية من الأشياء الكريهة التى تــُـسبب الضررللشعب (والعمال جزء من هذا الشعب) لذلك تبادرإلى عقول الأحرار، أنّ تلك المظاهرات (مُـدبـّـرة) وأنّ هؤلاء العمال تـمّ جمعهم وحشدهم بمعرفة (جهة ما) وتلقينهم الشعارات المُـعادية للحرية وللديمقراطية وللتعددية الحزبية، لذلك تساءل إحسان عبدالقدوس: فمن تكون هذه الجهة غيرمجلس قيادة (الثورة)؟
هذا السؤال عـُـرفتْ إجابته عندما توجــّـه المُـتظاهرون إلى مقرمجلس الدولة بالجيزة..وشملتْ الهتافات– بشكل خاص كلــّـما اقترب المُـتظاهرون من مبنى مجلس الدولة– المستشارعبدالرازق السنهورى، الذى كان هو فى ذلك الوقت رئيس مجلس الدولة..وبالتالى تأكــّـدتْ حقيقة أنّ تلك المظاهرات (مُـدبــّـرة) ثـمّ كان التأكيد القاطع الجازم، عندما اقتحم المُـتظاهرون مبنى المجلس..واقتحموا مكتب المستشارالسنهورى..وأنهالوا عليه بالضرب..وقالوا له: أنت خائن وأنت جاهل، فدخل أحد ضباط الشرطة مكتب السنهورى..ونصحه بالخروج إلى حديق المجلس، لمخاطبة المُـتظاهرين بهدف تهدئتهم ومعرفة سبب (ثورتهم) ضده وضد الحرية، فكانت نتيجة خروجه إلى حديقة المجلس، أنْ تكاثرعليه المتظاهرون وأوسعوه المزيد من الضرب والسب..وحينئذ أدرك السنهورى باشا أنه أخطأ عندما ترك مكتبه وذهب إلى الحديقة (كما نصحه ضابط الشرطة) فتأكــّـد أنّ المظاهرة ليست مظاهرة عادية..وقال بعد ذلك للصحفيين: وحينئذ أدركتُ أنّ الأمرلم يكن خروجى للمتظاهرين لتهدئتهم– كما زعم الضابط الذى نصحنى بالخروج إليهم، وإنما الأمر ((هو تدبيرمُـبيـّـت ومخطط بهدف الاعتداء علىّ وضربى))
وذكربعض شهود الواقعة أنّ المتظاهرين كادوا يفتكون بالمستشارالسنهورى، لولا أنّ الضربة التى كانت موجهة إلى رأسه (بآلة حادة) كانت من نصيب ساعى مكتب السنهورى، وأنّ ذلك الساعى كان يـُـحاول صد المتظاهرين وإبعادهم عن السنهورى باشا..وكان ختام المشهد وصول الصاغ صلاح سالم، وبمجرد وصوله تفرّق المتظاهرون، واصطحب السنهورى باشا الذى تخفى فى سجادة وخرج بها..وفى اليوم التالى زاره أحد وكلاء النيابة فى المستشفى، وفى هذا اللقاء وجـّـه تهمة خطة الاعتداء عليه بالضرب والسب إلى البكباشى جمال عبدالناصر..وطلب من زوجته عدم دخول عبدالناصرفى غرفته التى يـُـعالج فيها.
كان سبب الاعتداء على المستشارالسنهورى، أنه رفض قرارمجلس قيادة (الثورة) بحل مجلس الدولة، وفصل كثيرين من القضاة الغيرمُـرحـّـب بهم من ضباط يوليو1952خاصة القضاة الذين أبدوا اعتراضاتهم وتحفظاتهم على الكثيرمن القرارات والقوانين المُـخالفة للمبادىء الدستورية العامة، والمُـتعارف عليها عالميـًـا..واشتعل غضب القضاة عندما أصدرعبدالناصرقانونــًـا جديدًا بهدف (تنظيم عمل مجلس الدولة) وهوالقانون الذى احتجّ عليه القضاة وفى مقدمتهم رئيس مجلس الدولة، وأنّ هذا القانون باطل، ويـُـشكل اعتداءً سافرًا على السلطة القضائية، لأنّ أى تعديل لقانون مجلس الدولة، هومن اختصاص السلطة القضائية، وبالتالى فهو اعتداء صريح من السلطة التنفيذية على السلطة القضائية.
هذا الحادث الذى اعتبره كثيرون (صفحة سوداء) فى تاريخ ضباط يوليو، وهو ما كتبه إحسان عبدالقدوس، الذى تناول الموضوع فى حينه ولم ينتظرحتى يحين رحيل عبدالناصر، مغادرًا الدنيا والسلطة.
ولم تكن الكتابة عن تلك الواقعة كافية للتعبيرعن رفض إحسان لما حدث، وإنما قرّرالتعبيربشكل عملى (وهوالذهاب إلى بيت السنهورى باشا والتضامن معه، وفى أحاديثه الصحفية (بعد سنوات من الواقعة) قال إحسان وهويتذكرهذا اليوم: سمعتُ بالحادث البشع الذى وقع للمستشارالسنهورى، والاعتداء عليه، وهو واحد من أعلام القانون الدستورى والقانون المدنى، ليس فى مصر(وحدها) وإنما فى البلاد العربية، بمراعاة أنه هوالذى صاغ مواد القوانين ومواد الدساتيرلأكثرمن دولة عربية، كما أنه مفخرة الفقه المدنى والإدارى، الذى استحق عن جدارة لقب (أبوالقانون المدنى المصرى)
وأضاف الأستاذ إحسان: عندما سمعتُ الخبرقلتُ لنفسى: لعلــّـها إشاعة كاذبة ومُـغرضة، لأننى لم أصدق (والأدق لم أستوعب) حقيقة أنه تـمّ الاعتداء على هذا الرجل بالضرب، وأين؟ فى مكتبه، الذى هوأول حصن للحرية، سواء فى مصرأو فى أى دولة تحترم قيم الديمقراطية..وتاريخ السنهورى كان (من المُـفترض) أنْ يكون محل احترام وتقديرمن الضباط الذين حكموا مصر، خاصة لوعلم القارىء أنّ السنهورى باشا كافح كفاح الأبطال الحقيقيين، حتى انتصرعندما انتزع من سلطة الاحتلال، وسلطة النظام الفاسد (قبل يوليو 1952) الموافقة على إنشاء مجلس الدولة، ليكون حصن الأمان الحقيقى للمواطنين، حماية لهم من جبروت القرارات الإدارية الظالمة ضد المواطنين الشرفاء، بالرغم من عدم ارتكابهم أية جريمة يعاقب القانون عليها، لأنها تــُهم (ملفقة) لأسباب سياسية، أونتيجة خصومات شخصية، وترى سلطة الحكم الانحيازلطرف فى الخصومة ضد الطرف الآخر..كما أنّ العالم الحرلايكتفى باستصدارقانون خاص بإنشاء (مجلس الدولة) بل إنّ العالم الحريجاهد ويدخل فى معارك ضارية، لكى يحول هذا الشكل الدستورى (مجلس الدولة) واقع عملى يكبح جماح الحكومة، ويوقف طغيانها..وكنت أتصورأنّ الضباط الذين حكموا مصر(بعد طرد الملك فاروق) سوف يعملون على تكريم السنهورى باشا، وكان فى ذهنى أوفى تصورى أنّ حكومة الضباط يجب أن تقيم له تمثالا، بصفته الحارس الأمين لحرية المواطنين.
وتساءل بدهشة وألم وهويتذكرذالك اليوم: فكيف يتم ضرب الرجل وهذا تاريخه؟ فهل كان الضباط (جهلاء) ولايعرفون ذلك التاريخ..ولوافترضنا أنهم جهلاء بتاريخ الرجل، فما هى جريمته التى ارتكبها، وحتى لوكان (قد) ارتكب جريمة، فهل يكون العقاب بالتحريض على ضربه وسبه، من عمال مأجورين، أومن مخبرين فى ملابس مدنية؟ وهل هذا هوالتكريم الواجب؟ والمكافأة المستحقة لرجل أنشأ مجلس الدولة؟
وأضاف: وبالطبع ثرتُ بعنف احتجاجا على الاعتداء على السنهورى، فذهبت لزيارته فى بيته..وزياتى تلك لم تعجب خصومى، فأوقعوا بينى وبين كبارمجلس قيادة (الثورة) ولكننى لم أهتم بتلك الوقيعة، ولكن كل ما كنتُ أخشاه هوخوفى من أن يتحوّل رجال (الثورة) إلى أعداء للديمقراطية..والابتعاد عن خط الحريات العامة، وكان أخوف ما أخاف منه على (الثورة) وعلى قادتها، أنْ ينجح أعداء الحرية فى تزيين فكرة الديكتاتورية العسكرية، بكل اغراءاتها ومزاياها، وفى هذه الحالة تكون (الثورة) نكبة على الشعب وعلى الوطن..ولهذا سارعتُ بمهاجمة الديكتاتورية العسكرية فى مجلة روزا ليوسف فى مقال عنيف قلت فيه بالحرف: لماذا لاتستطيع هذه (الثورة) إذا شاءتْ أنْ تفرض على الشعب نوعـًـا من الديكتاتورية العسكرية؟ وهى تملك قوة الجيش وقوة البوليس؟ وتستطيع أنْ تفرض على الشعب ما تشاء؟ وذلك– فى رأيى (الكلام لإحسان) مستحيل، ألف مرة مستحيل. فهل تقوم ديكتاتورية عسكرية فى أى ناحية من العالم، إلاّمستندة على واحد من اثنين: إما رأسمالية ضخمة قوية، أودولة أجنبية. لقد كنتُ أريد فعلا أنْ أقطع الطريق على من تــُـسوّل له نفسه التفكيرفى إقامة ديكتاتورية عسكرية، كشكل للحكم فى مصر. وقلت فى نفس المقال: إنّ ضباط يوليوأعلنوا (فى الأيام الأولى) أنهم سيفتحون الأبواب المغلقة أمام الشعب، وبصفة خاصة (باب الحرية) على مصراعيه، ليختارالشعب طريقه بنفسه، دون وصاية عليه من أحد..وقلتُ ما أعتبره الآن واحدًا من ثلاثة ألغام، انفجرتْ تباعـًـا، بعد أنْ ألقوا بى فى قاع السجن الحربى..وأذكرأننى قلتُ بالحرف: لن أستطرد فى طرح الأسس التى يستند إليها نظام الديكتاتورية العسكرية، ويكفى أنْ أضرب مثلا بتاجرالعبيد، إنه لايستطيع أنْ يستمرفى تجارته إلاّ إذا وجد مشتريـًـا، وإلاّ إذا توفرله المال الكافى لإطعام العبيد.
فعل ضباط يوليو1952 ذلك مع المستشارالسنهورى، بالرغم من الخدمات العديدة التى قـدّمها للضباط (وارضاءً لعبدالناصربالذات) عندما أصدرالسنهورى فتوى بحرمان حزب الوفد من العمل السياسى..وبالرغم مما حدث عام1954من ضرب رئيس مجلس الدولة، فإنّ عبدالناصراستمرفى جبروته وطغيانه..وإصراره على الاعتداء على السلطة القضائية..وذلك بالمذبحة الشهيرة ضد قضاة مجلس الدولة عام1969، وذلك ضمن مخطط سيطرة السلطة التنفيذية على القضاء..وعلى البرلمان، أى مخطط عدم الاعتراف بقاعدة (فصل السلطات) كما هوالأمرفى الأنظمة الديمقراطية.
***



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World