-متلازمة-شارلي إيبدو: نقد أم شخصنة؟

محمود الصباغ
Sabbagh276@gmail.com

2019 / 1 / 11


ما الذي دهى العالم ؟
علامَ كل هذا؟
لن يجيبك أحد ،في الغرب، ممن يتم تعريف الواحد منهم على أنه "خبير استراتيجي في شؤون الشرق الأوسط"(وهي التسمية الأكاديمية البديلة المقبولة للمستشرق) عما يمكن أن يحدث غداً في منطقتنا.
وعدم الإجابة لا تنمّ عن"جهل" أو "سطحية" تشبه من يقول لك هل تتوقع أن ينفجر الكون بعد 10 دقائق من الآن؟ بل يعزى الأمر ،على الأغلب،إلى أحد الخصائص الجوهرية التي تميز الثقافة الغربية في السرد الاستشراقي وهي عدم القدرة على التنبؤ بمواقف وسلوك الناس الذين يعيشون فيه(أي الشرق)، فلطالما كان التنبؤ أحد سمات التفكير العقلاني و المنطقي ومحفزاً لاستشراف رؤى مستقبلية وهو ما لا ينطبق على عقلية الشرق كما تراه السردية الاستشراقية. يستشهد البعض على ذلك بما ذكره سعيد نفسه عند تقديمه ، النسخة العربية من كتابه "الثقافة والإمبريالية"، قائلاً بأنه جرى توظيف كتابه "الاستشراق" على نحو مخالف لمقاصده ولما أراد له في البلاد العربية؛ وهو يتسائل "إن الأمر في نظري ليقع على مشارف اللغز أو السرّ؛ لماذا ساعد "الاستشراق" في باكستان والهند وأفريقيا واليابان وأميركا اللاتينية وأوروبا والولايات المتحدة، على إطلاق العديد من مقاربات الإنشاء الجديدة وأساليب التحليل الجديدة، وإعادات تأويل للتاريخ والثقافة، فيما ظلّ تأثيره في العالم العربي محدودًا؟"
وهكذا ..تقودنا سخرية أسبوعية "شارلي إيبدو "الفرنسية و تهكمها على الإسلام و المسلمين إلى العديد من الملاحظات الأولية لفهم الآليات التي تشكل السياقات الحالية التي ينتجها الغرب الأوروبي عن الإسلام و المسلمين، ولعل "الانفجار المفاجئ" للصراعات الإثنية والدينية في العالم بعد نهاية الحرب الباردة يمثل تغييرا كبيرا في العلاقات السياسية فيما يتعلق بالصور النمطية بوصفها جزء من الوسائل التي نتبعها في بناء وتصنيف أفكارنا على صعيد السلوك السياسي.
تنطلق "شارلي إيبدو"في تهكمها من رؤية نقدية "ليس بالصرورة محقّة" لكنها تفسر الآليات المعرفية التي يتم من خلالها إنتاج "المؤمن" في مجتمعاتنا باعتبارها بنى قبلية أبوية متخلفة مجتمعيا يحكمها قانون العشيرة ويساهم النظام التعليمي التربوي و مؤسسة المسجد في تكريس هذه البنى و لا يجد الدكتاتور غضاضة من الاستفدة بل و الترويج لها و دفعها في وجه الغرب كسلاح فعال ,فضلاً عن المثقف السلطوي الذي هو أداة أخرى فعالة في عملية إعادة إنتاج التدين من خلال الجماعة المؤمنة ( أي الجماعة التي تنتمي إلى دين معين) والتي تقوم بدور وظيفي على الصعيد الاجتماعي( إن كانت أغلبية لسوف تحكم وتنتج معرفة مهيمنة على الجماعات الأخرى وسترى هذه الجماعة ان النظام الديني الذي تنتسب إليه هو المنظومة المناسبة لتنظيم الكون ، وهذا يقودنا الى الاستنتاج ان الحقيقة الدينية تقع خارج الزمان و المكان، بمعنى انها صالحة لكل عصر و زمان و قابلة للتطبيق في أي مكان، حسب وجهة نظر هذه الجماعة ، وهذا ما يجعلها تبحث دوما عن مسوغات مطابقتها مع العلم،بل يصل الأمر بالبعض إلى حد تمثل العلم دينيا ،وإن كانت أقلية فسوف يومل لها مهام القيام بأدوار ووظائف تستنكف عنها الأغلبية ولن يختلف الأمر مثيرا في المجتمعات المستعمَرة، ولطالما نتحدث عن "شارلي إيبدو" فلا بأس من التذكير بالرؤية"الديغولية" للجزائر ( في الواقعة عُمل بها قبل ديغول لكنه كان هو من أدخلها ضمن الآيديولوجية العمبقة للجمهورية الخامسة).
تتمحور هذه الرؤية حول ثلاث نقاط باعتبارها من مكونات الشخصية القومية الفرنسية و أنه يمكن من خلالها "فرنَسة" الجزائر من خلالها هي: اللغة والتنصير والسياسة؛ أي ربط فرنسا بالجزائر سياسيا لقد قامت فرنسا أثناء تختلالها للجزائر بتحويل المساجد إلى كنائس أو مراكز سياسية ،فاكتمال الفرنسة يتم عبر تنصير السكان المحليين وتقوية نفوذ االأقليات التي تنتمي إلى أديان مغايرة لدين الأغلبية( اليهود مثلاً) ولفرنسا خبرة في هذا المجال سواء في المغرب العربي أم في المشرق .واتبعو نفس الاسلوب بالمشرق العربي (المدارس الفرنسية ومراكز التبشير) ..استتبع ذلك رد فعل من حركات المقاومة اعتمدت على الإسلام كعنصر من مكونات الهوية العربية الي واجهوا فيها الفرنسة متل حركة بن باديس.
تستمد "شارلي إيبدو" أسلوبها ورؤيتها النقدية تلك من إرث عميق من القراءات الغربية القروسطية للإسلام و المسلمين وكتابهم التي مالت /أو تميل في غالبيتها إلى أن تكون مجادلة (بمعنى المناظرات) بسبب نشوئها في ظل المناخ الجيوسياسي السائد آنذاك ،الأنر الذي ساهم في تكريس الصورة التي كونها الغرب-تاريخيا - عن المسلمين , و ليس أدل من ذلك تلك التسميات التي تحمل طابع الاحتقار للمسلمين، وفي الحقيقة لم تنشأ مخاوف الغرب من المسلمين فجأة و لم تفقس في صحراء خالية، بل هي تحكمها الصرورة التاريخية و الجوار الجغرافي. بيد أن هذا لايكفي لتفسير لما يزعمه المسلمون من "خوف" و"بغض" أوروبا لهم و لدينهم، الذي هو في الحقيقة خوف وجودي بالإضافة إلى كونه خوف مادي .وتعود جذور هذا المأزق الوجودي إلى ما قبل ظهور النبي محمد ،فقبل مولده بخمس مائة سنة تقريبا وجد المسيحيون أنفسهم في منافسة شديد مع اليهود حول المستقبل الديني للعالم الإغريقي/الروماني. حيث لم تعد آنذاك النظم الدينية الوثنية القديمة كافية لتلبية الاحتياجات الروحية للشعوب والطبقات المختلفة؛ فالحركات الدينية الجديدة التي ظهرت في حينها وجدت نفسها في منافسة على القلب الديني للإمبراطورية. وكان المتنافسان الأنجح هما اليهودية الربانية والمسيحية، التي انتهت بانتصار المسيحية لتصبح الدين الرسمي "المفضل" للامبراطورية الرومانية .و استتبع ذلك حظر معظم الديانات الأخرى، مع السماح ببقاء اليهودية رسميا لسببين قانوني و ديني على حد سواء. ‏و مع ظهور الدين المنتصر بوصفه ديناً رسمياً ،رأى بعض المفكرين في انتصار المسيحية دليلا على صوابها.كما تم فهم الموقف العام بطريقة ميكانيكية بأن الرب قد تصرف في التاريخ كي يثبت حقيقة المسيحية، ليس فقط بالنسبة للنظام الوثني للامبراطورية القديمة, ولكن أيضا فيما يتعلق بسلفها أي اليهودية .
وعندما انتشر الإسلام و بدأ يحقق انتصاراته التاريخية المعروفة على الإمبراطورية الرومانية المسيحية في القرن السابع الميلادي،التي أدت في نهاية المطاف إلى الاستيلاء على أراضيها وعلى الأماكن المقدسة وهدد القسطنطينية نفسها، فقد بدأ مذهب الإثبات التاريخي الإلهي المعين كهنوتيا هذا بالتداعي و الانهيار ,الأمر الذي أربك معتنقيه بشدة.
في الواقع، نفس منطق التفكير هذا طبقه المسلمون وظيفيا بظهور عقيدة الجهاد.فقد ألهمت حروب الفتح الإسلامي وانتصاره الصاعق و السريع على الرومان و على الفرس العديد للقول بصدق الإسلام و صوابية حملاته الجارية.ولاحقا ،ووفقا لهذا المنطق الفكري السائد ، تم تقسيم العالم إلى دارين : " دار الإسلام " حيث الإسلام هو نظام حكم سياسي ديني، و "دار الحرب و الجهاد" حيث لم يصبح الإسلام فيه النظام الديني المهيمن بعد .
كان رد الفعل في العالم المسيحي على النجاح الباهر للإسلام هو الدين و الوحي على حد سواء .و تشير الأخبار القروسطية إلى المسلمين بالصفة الإثنية أكثر من الصفة الدينية -ليس كمسلمين بل سارسان،مورو،إسماعيليين ،محمديين،ترك،تتار، أو ببساطة كفار - من أجل التخفيف من المسؤولية المؤلمة التي تقول بأن أبناء الرب قد هزموا من قبل ديانة أخرى .فضلا عن تباور مفهوم مسيحي يقول بأن الإسلام لم يكن الدين الصحيح و أن محمدا لم يكن نبيا حقيقيا،و أن القرآن ليس وحيا حقيقيا.و كان التصور العام بين العلماء في العصور الوسطى المسيحية بأن القرآن هو عبارة عن مجموعة من الوثائق البشرية تم تأليفها من قبل محمد نفسه , جمع بعد وفاته و تم إعلانه ليكون بمثابة كلام الله. قد يكون هذا الرأي متأثرا بالكاتب العربي المسيحي الكندي صاحب "الرسالة ".الذي يؤرخ بأوائل القرن العاشر أو قبل ذلك , والذي عرف الكثير من المصاعب خلال الفترة الإسلامية المبكرة في جمع نص شرعي للقرآن . .
وقد تأثرت رؤية مسيحيي القرون الوسطى للقرآن لاحقا أيضا بالحاجة إلى وجود ترتيب وتدقيق لوجهات النظر المسيحية في تلك الفترة عن القرآن أيضا من خلال اشتراط خطة منظمة دقيقة للأعمال المدونة كشرط إزاء " التنظيم العشوائي الظاهري للقرآن". ومال الأوروبيون"المؤمنون منهم خاصة" منذ تلك الفترة و حتى العصر الحالي لرؤية القرآن من خلال رؤى كانوا قد شكلوها عبر قراءاتهم الشخصية لنصوصهم المقدسة. وهكذا -على سبيل المثال-فإن التركيز القرآني على الجنة المادية تتعارض مع مفهوم المسيحية عن الآخرة الروحية , و على الرغم من أنهم قد لاحظوا التشابهات الكثيرة بين القرآن و الكتاب المقدس المسيحي, فقد وجدوا فيها على أنها غريبة و شاذة من الناحية اللاهوتية و النظرية التصورية و الأدبية.و بطبيعة الحال, فالجدل القرآني الموجه ضد المسيحيين "و اليهود" و تقليله من شأن الكاب المقدس الرسمي للمسيحية و اليهودية قد تتطلب ردودا جدلية صيغت على هيئة مناظرات وغيرها من الملاحظات: مثل "التناقضات الداخلية البادية للعيان" في القرآن إلى جانب اختلافه مع الافتراضات العلمية و الأخلاقية التي شكلت أساس الحياة الأوروبية في القرون الوسطى، إضافة إلى إدانة مسبقة للقرآن من قبل الباحثين المسيحيين القروسطيين .
لقد ابدى معظم الأوروبيين في القرون الوسطى اهتماما وفضولا للتعرف على ما هو اجنبي و معادي و نذير مهدد تمثل في القرآن، ونتج عن ذلك نظرة عدائية في عصر التنوير.
لم يكن لدى اليهود الكثير مما يقولوه عن الإسلام أو القرآن كالمسيحين.و نظرا لافتقارهم إلى الاستقلال السياسي الذاتي لعدة قرون قبل ظهور الإسلام، لم تشكل الفتوحات الإسلامية تهديدا وجوديا لهم مثلما هو حال المسيحيين .بل يدر بنا هنا تأمل حقيقة تعكس نفسها ,تبين أن الاستجابات المسيحية للفتح عند اليهود ظهرت كردود إيجابية ربما لأنهم نظروا إلى الإسلام عموما و انتصاراته العسكرية على المسيحين بصورة خاصة بوصفها تصحيحا إلهيا موجه للهيمنة المسيحية الجائرة بحقهم ومن هنا لم تكن المساهمات اليهودية ، بأي حال، مجانية أو حيادية، وإن كان ييتوجب فهم ذلك بسبب وضعهم الحساس ،الامر الذي جعل الكتابات اليهودية الناقدة للإسلام ، تميل لأن تكون أكثر حذرا وتحفظا من كتابات المسيحيين.
يعتقد إدوارد سعيد أنه بمكننا مناقشة خطاب الغرب كمؤسسة ابتداءً من أواخر القرن الثامن عشر ؛ بحيث يمكن تحليل هذا الخطاب في تعامله مع الشرق-التعامل معه من خلال صياغة حالات عنه أي مقولات/ووجهات نظر أصيلة ووصفه وتدريسه وتاليا حكمه ؛ و بإيجاز، بوصفه نمطا غربيا للهيمنة و إعادة التركيب و السيطرة على الشرق...هذا الخطاب اندمج و تماهى في سياسات و آليات الإمبريالية الأوروبية.و أعمال العديد من السياسيين والكتاب والمؤرخين وعلماء الكتاب( المقدس ) , وغيرهم كثيرون ممن ارتبطوا بالدوائر و المؤسسات الاستعمارية...و تتجلى الصورة النمطية في تمثيل الشرق في الغرب على أنه "الآخر" الأقل شأنا عن طريق مجموعة متنوعة من المؤسسات التي تمتلك وسائل لإنتاج تمثيلات ثقافة الشرق .فالشرق كمكان و سكان تم تمثيلهم على حد سواء كمنزلة أدنى، فالشرق أنثوي ، لاعقلاني وضعيف، بالمقارنة مع الغرب والغربيين، المتفوقون و الأقوياء و الذكوريون و العقلانيون. وفي الواقع يمكن القول أن المكون الرئيسي في الثقافة الأوروبية هو بالضبط ما جعل تلك الثقافة مهيمنة داخل و خارج أوروبا : فكرة الهوية الأوروبية بوصفها هوية متفوقة بالمقارنة مع جميع الشعوب و الثقافات غير الأوروبية.



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World