البرامج التلفزيونية مابين سخف الفكرة والرسالة والهدف

صفاء الصالحي
Safi2061975@gmail.com

2018 / 9 / 26

قبل ان تحين الساعة التاسعة مساءً من كل يوم أربعاء إلا وان اجد نفسي وباقي أفراد الاسرة مجتمعين منتظرين امام شاشة التلفزيون لمتابعة برنامج “العلم للجميع” الذي كان يقدمه المرحوم كامل الدباغ وعلى رغم صغر سني الا أني كنت اتابع بشغف واهتمام هذا البرنامج المتميز لما يمتلك المقدم من قدرة على تبسيط العلوم وإيصال المعلومة للمتلقي بطريقة جذابة ومحببة وناجحة في اثارة اهتمام المشاهدين بمختلف الشرائح وعلى مدى ثلاث عقود مابين 1960 -1990 استمرت مسيرة البرنامج بنجاح، ولم يغب عن ذاكرتي يوماً برنامج “دنيا العلوم “الذي قدمه فاروق عبد الحافظ الذي كان يقوم ببعض التجارب البسيطة ويهتم بهوايات الأطفال ويحفزهم على تنمية مهاراتهم في التطوير والاختراع بهدفه خلق جيل متطور وكان يستقبل مشاركات من الاطفال ويوجه النصائح لتطوير هذه الأفكار وتحسينها.وكان التلفزيون العراقي زاخر بالبرامج التي تحمل الطابع الترفيهي والتعليمي وبمضامين هادفة تحمل رسالة سامية للمجتمع وإلافراد ومن ابرز تلك البرامج (مدينة القواعد،ونافذة على العالم ،وعدسة الفن واستراحة الظهيرة ،و برنامج الرياضة في أسبوع الذي قدمه مؤيد البدري من اشهر البرامج الرياضية العربية).وعلى الرغم من الكثير من العيوب والنواقص من قلة ساعات البث والإرسال واقتصارها على تبني رأي ومصدر واحد لا يعكس الا وجهة النظر الحكومية التي تسيطر على مقاليد الاعلام فقد كانت تلك البرامج متنفس من الإرهاصات السياسية ووسيلة من وسائل الترفيه والتعليم نعم قد اختفت تلك البرامج مع مقدميها من شاشات التلفزيون ولكن لن تختفي من ذاكرتنا. ومع ظهور وسائل الاتصال الحديثة بما تمتلكه من أدوات وبدأت في رسم المعالم الكبرى للتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر في مجال الاعلام والاتصال على حد سواء وقد تداخلت كثير من العوامل التقنية والاقتصادية والسياسية بصورة غير مسبوقة جاعلة من الاعلام الجديد قضية شائكة جداً،ولكن لايزال التلفزيون يعد من وسائل الاتصال الجماهيرية المؤثرة والفاعلة نظرا لما يتمتع به من خصائص ومميزات يتفوق بها عن غيره من وسائل الاتصال الجماهيرية الأخرى،إذ يجمع الصورة مع الصوت فهو بذلك يخاطب اهم الحواس المتصلة بما يجري في نفس الانسان من مشاعر وافكار عن طريق حاسة السمع والبصر،وكذلك مخاطبته كافة المستويات الثقافية والتعليمية فهو عامل جذب لكل الطبقات والشرائح في المجتمع، حتى فرض نفسه ليكون في مقدمة ضروريات المنزل واحتلاله الركن الأكثر جاذبية في غرف المنزل،وان التقدم العلمي والتكنلوجي السريع الذي اجتاح العالم أعطى للتلفزيون الفضائي الدور الابرز ليكون من المؤسسات الاجتماعية في القرية العالمية. وبناءً على تلك الخصائص والمميزات قد حظي التلفزيون باهتمام الباحثين والمفكرين واصحاب القرار واستخدامهم لكل ما يملكون من قدرات ومقومات الوصول والنفاذ للجميع،فتنوعت برامج التلفزيون تنوع اللامتناهي في مضامينها وأهدافها التي تصدّر عن تصورات وأفكار ومبادئ تعمل على إحداث تغير مقصود في المجتمع المستهدف سواءً في عملية البناء والهدم أو ترسيخ المفاهيم والقيم او زعزعتها.وكنتيجة لعولمة الاعلام ازدهر الاتجاه التجاري في صناعة التلفزيون واشتدت المنافسة لتحقيق الأرباح، وهذا الوضع التنافسي أدى إلى اختراق قيم المجتمعات، والتضحية بأخلاقيات الإعلام، وانتهاك معاييره والتجاهل التام للمسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام فكانت النتيجة خلق حالة عدم توازن ما بين البرامج التي تحمل رسالة وهدف والبرامج الهابطة التي تعتمد فقط على الجذب والإثارة لتسطيح الفكر والحياة وتغليب ثقافة الصورة على ثقافة الفكرة والكلمة،وخلق الوعي المشوه والمبسـط ، وهدرالوقت وإضاعته ،وإضعاف مشاركة الشباب المثمرة في النشاطات المختلفة،فباتت الفضائيات الغنائية والمسلسلات المدبلجة وبرامج الواقع الفاضحة واستنساخ البرامج الأجنبية ظاهرة من ظواهر التلفزيون اليوم . والحقيقة ان جمهور المواد الهابطة يمكن ان يبحث في ظروف معينة عن مضامين جادة غير ان ضعف الانتاج وعدم تفكير الدول التي تمتلك قنوات فضائية رسمية بإنتاج وتعزيز قنواتها ببرامج هادفة وجذابة،وعدم وتبني ابداعات وابتكارات الشباب العربي الذي لا يزال يملك الكثير من الطاقات الإبداعية قد تكون دافعاً للمشاهد العربي العزوف عن القنوات الرسمية فمن الواجب على هذه القنوات انتاج برامج نوعية وكمية بمضامين توفر الترفيه والتسلية وثرية بأفكار تحمل رسالة اصلاحية تؤهل المشاهد العربي ان يكون إنسانً منتجاً وفعالاً وعنصر أساسي في عجلة التطور في بلده،بدلاً ان يكون أسير للبرامج المتطرفة و الهابطة التي لا تنتج الا جيل خوار بين التميع والتطرّف ويتوجب على صناع القرار الاعلامي ووزارات الاعلام وكليات الاعلام والعاملين في المؤسسات الإعلامية في الوطن العربي تكثيف الجهود في البحث عن الظواهر المتجددة في الاعلام والتي تفرز صداها السلبي او الإيجابي على المجتمع



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World