السم اللذيذ بالمجمل تحت المجهر

صفاء الصالحي
Safi2061975@gmail.com

2018 / 8 / 19

بليلة من ليالي كازينوهات بغداد الجميلة مستمتع بضوء القمر الوضاء تبحر عيناي في صفاء السماء بحثا عن أشد النجوم سطوعاً منغمساً بجمال المنظر المريح والمبهج لنفسي فأفزعني صوتا من زميلي (عمرنا نرگيلة تفاحتين ) لا خليها بالفراولة تطفل عليه زميلي الاخر فصاح الثالث لا خليها كوكتيل أحسن فيما يبدو انهم سيتبادلون خرطوم النركيلة.
فكانت تلك هي بداية تجاذبات نقاشاتنا عن اصل النركيلة وتاريخها وقد تضاربات الاّراء بين اصلها عربي ام فارسي ام هندي غير ان ارجح الروايات ترجح اصلها الهندي المشتق من ثمرة النارجيل " جوز الهند الثمرة المقدسة عند الديانة الهندوسية والتي تقدم مع الحليب في المعابد للشفاء من الأمراض ومهدئة للحالات النفسية واعتلال المزاج،وكان الهنود القدامى يستخدمونها من إحداث ثقبين في ثمار جوز الهند أحدهما لدخول الدخان والآخر لخروجة من خلال أنابيب تثبت في هذه الفتحات لتدخين نبات "القنب الهندي"مخفف الاحزان كما يسميه الهندوسين وقد انتقلت إلى شبة الجزيرة العربية وبلاد فارس من خلال خطوط التجارة المفتوحة مع الهند وانتقلت الى أوربا والعالم عن طريق العثمانين ،ونظرًا لأرتفاع سعر جوزة الهند وصعوبة الحصول عليه دفع الناس لاستبدالها بالمعدن أو الزجاج وصول لشكلها الحالي مع اختلاف في تسمياتها فقد سموها في بلاد الخليج العربي وشمال افريقيا بالشيشه وتعني بالفارسية الزجاجة وتطلق عليها في لبنان وسوريا وفلسطين أركيلة أو معسل وفي العراق تسمى النركيلة وقد تختلف النركيلة في أسمائها وأشكالها وأسعارها ولكن لا تختلف في مكوناتها الاساسية المتكونة من الرأس الفخاري الذي يحمل التنباك او المعسل،والصحن المعدني الذي يلتقط الرماد المتطاير من الفحم والملقط لتدوير الفحم،والأنبوب الذي يوصل الرأس بوعاء الماء الزجاجي الذي يعد من اهم الأجزاء الذي يحدد قيمتها والمصنوع من الزجاج الفاخر والثمين وغالبا ما يكون مزين بنقوش يدوية ،والخرطوم ( القمجي ) الذي يدخل طرفه بالأنبوب وتنتهي بالمبسم سلوى المدخنين الذي يتم من خلاله استنشاق الدخان.
ويتكون السم اللذيذ " المعسل " من تبغ يتم تخميره ومعالجته بالعسل الاسود(الدبس) او الجلسرين بالاضافة الى كميات كبيرة من الأصباغ والألوان والنكهات المطيبة بالاضافة الى ما تقوم به الشركات المصنعة من التكتيكات الإبداعية فيى الانتاج والتسويق لاصطياد المستهلكين،وقد تجري عملية الخلط دون رقابة صحية مستخدمين فواكه فاسدة ومتعفنة وسكر وعسل منتهي الصلاحية والتغاضي عن الفطريات التي تنمو في هكذا بيئة خصبة.وللمعسل انواع كثيرة أشهرها التفاحتين والفراولة والبرتقال والنعناع والجكليت والكاكا والعلكة او فواكه مخلوطة مع بعضها وتختلف اسعارها بحسب النوع والجهة المصنعة ومن ابرز شركات الانتاج في الوطن العربي الشركة العالمية لإنتاج الدخان المعسل المصرية والشركة السعودية الاردنية لتجارة وصناعة الأدخنة في الاْردن وشركة الفاخر لتجارة التبغ الإماراتية.وأضحت النركيلة المحور الذي يجمع الضيوف في السهرات والجلسات العامة والكوفي الشوبات والمقاهي الشعبية .
(علاء الصالحي) صاحب مقهى شعبي كان يُعارض فكرة تقديم النركيلة في المقهى يقول بعد ان اضحت النركيلة البضاعة الأكثر رواجا في المقاهي وعزوف الشباب عن المقاهي التي لاتقدم النركيلة ولأنني بالشاي والقهوة لا استطيع ان أسدد حتى نفقات الأيجار تلك هي العوامل التي دفعتني لتقديم النركلية بالمقهى.
وعن انتشار هذه الظاهرة في وسط الشباب والمراهقين تصف (ساجدة محمد عزيز) باحثة اجتماعية انتشار هذه الظاهرة في صفوف المراهقين ( التقليد ثم التعويد) ان احساس المراهق بالبلوغ والرجولة واندفاعه لتجربة كل ماهو جدي يدفعه لتقليد الكبار، او لأعتقادة ان ذلك قد يكون حلاً لبعض الضغوط النفسية او الاجتماعية فيقع في فخ الادمان والتعويد.
عضو جمعية الخطاطين العراقين وعضو اتحاد الشعراء العراقين (علي حسين علوان ) يقول حتى حقبة الستينات والسبعينات من القرن الماضي كانت المقاهي ملتقى للأدباء والشعراء والمثقفين والنخب وأصحاب الراي،وكان الحديث المتداول فيها جميلا ومفيدا للجميع لكن المقاهي اليوم بعد تسيد النركيلة والإنترنت أصبحت لشريحة الشباب بصورة كبيرة وتكاد تخلو من المثقفين والاُدباء وحتى مقهى الشابندر بالمتنبي الذي يقصده المثقف العراقي لا تستمتع في جلساته لكثافة الدخان الملوث المتصاعد من التدخين وخاصتا في ايام الجمعة.
وعلى الرغم من أن الأبحاث عن الأضرار الناجمة لتدخين النركيلة لا تزال في بدايتها نسبيا الا انها لا تختلف حول الأضرار الناجمة من تدخين القاتل المتدرج "المعسل" وان النكهات الجذابة التي تفوح روائحها المنبعثة من المقاهي تخفي ورائها مخاطر مرعبة وقد ذكرت دراسة اجريت في مركز أبحاث مكافحة التبغ في بريطانية إلى أن الأشخاص الذين يدخنون الشيشة أو التبغ يعانوا من ارتفاع نسبة أول أكسيد الكربون الناتج من احتراق المعسل بالفحم وأن دورة واحدة من تدخين الشيشة تسفر عن مستويات أول أكسيد الكربون لا تقل عن أربع أو خمس مرات أعلى من الكمية التي تنتج عن تدخين سيجارة واحدة وقد يؤدي ارتفاع نسبة أول أكسيد الكربون بالدم وامتزاجه بهيموغلوبين بتقليص من قدرة الدم على حمل الاوكسجين والاضرار بأمداده الى انسجة الجسم وبذلك يزيد من خطر الاصابة بامراض القلب والاوعية الدموية ويزيد من خطر الإصابة بالسكتة الدماغية ويضر باللياقة البدنية.وقد ذكر الدكتور وليد عبد المجيد الهيتي في بحثه ان حرق الجلسرين المضاف للمعسل لجعله شديد الرطوبة عن طريق الفحم يؤدي الى تكوين مادة (الاكرولين) وهي مادة سرطانية قد تسبب حدوث سرطان المثانة.كما ذكرت دراسة سابقة اجريت في الجامعة الامريكية في بيروت وجود كميات كبيرة من القطران، والنيكوتين والمعادن الثقيلة في دخان التبغ المنبعث من الشيشة وان وجودهما بكميات كافية يعزز من الإصابة بامراض السرطان.وبينت دراسة سويدية جديدة اجريت على 262 شخص واظهرت النتائج ان خطر تسوس الاسنان وامراض اللثة لدى مدخني الشيشة اعلى بخمس مرات بالمقارنة مع غير المدخنين،وان تعاطي التدخين بالنركيلة يعد ببيئة خصبة لانتقال الأمراض المعدية وخصوصا تدخينها بالأماكن العامة وتبادلها بين شخص وآخر يزيد بشكل كبير فرص الإصابة بالامراض الجلدية المنتقلة بالتلامس وكذلك السل والكبد الوبائي لانتقال اللعاب أو أفرازات فم المدخن المريض إلى الشيشة.وتحتفل منظمة الصحة العالمية وشركاؤها باليوم العالمي للامتناع عن تعاطي التبغ في 31 أيار من كل عام ،وتسلط الضوء في هذه المناسبة على المخاطر الصحية المرتبطة بتعاطي التبغ ودعم السياسات الفعالة لخفض استهلاكه وذكرت المنظمة على موقها الرسمي ان وباء التبغ يتسبب في مقتل ما يقارب 6 ملايين شخص كل عام ، وأكثر من 600 الف منهم من غير المدخنين الذين يلقون حتفهم جراء استنشاق دخان التبغ غير المباشر، وسوف يحصد الوباء ارواح ما يزيد على 8 ملايين شخص سنوياً بحلول عام 2030 مالم نتخذ إجراءات التصدي له وسوف يقع اكثر من 80%من هذه الوفيات التي يمكن توقيها بين أشخاص يعيشون في بلدان منخفضة الدخل. ان اعداد المتعاطين والمتعاطيات للنركيلة اصبح بتزايد كبير وينذر بالخطر في ظل غياب وضعف التوعية من الجهات المختصة للتحذير من مخاطر هذه الظاهرة ولابد من اتخاذ إجراءات وتدابير من شأنها الحد من انتشار هذه الظاهرة بهذا الشكل ومن جملة تلك التدابير زيادة الضرائب على التبغ،حظر الإعلان عن التبغ ومنتجاته وتشجيع الإعلانات التي تحذر من مخاطره وخصوص الإعلانات المتلفزة والمصورة،وضرورة سن قوانين منع تعاطيها في الأماكن العامة والمغلقة أسوة بالسجائر،وتشجيع المؤسسات الصحية والمنظمات الغير الحكومية بتكثيف برامج التوعية عن مخاطره وتكريم البارزين في مكافة التدخين،ويبق العامل الأهم الاهتمام بشريحة الشباب لأنهم عماد المستقبل وامل الامم واستثمار طاقاتهم بالشكل الصحيح ووفق رؤى ستراتيجية تنمي قدراتهم وتشغل أوقات فراغهم بما يعود عليهم وعلى المجتمع وعلى وطنهم بالنفع والفائدة ممكن ان تكون تلك التدابير تساهم في تقليل استهلاكه ولايكتفي الموضوع بمقال اوتحقيق صحفي لإنقاذ شبابنا من هذا السم اللذيذ.



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World