حبّ وعصيان

مراد سليمان علو
muradallo@yahoo.com

2018 / 8 / 7

(حب وعصيان)
تقديم


الشاعر خضر الياس آلدخي هو زميل الزمن الجميل، والزمن الجميل في معتقدي يتمثل بتلك الأيام التي سبقت الثالث من آب 2014. عندما كنا نلتقي في قرى ومجمعات وقصبات شنكال تحت مظلة البيت الثقافي في سنونى والذي هو نفسه أحد مؤسسيه.
عندما طلب مني زميلي الشاعر أن اكتب تقديما لديوانه هذا كنت لا أزال في فترة نقاهة فقد خرجت من المستشفى للتوّ وكنت أشعر بكسل وخدر في جسمي وبحاجة إلى الراحة والاستجمام ورأيتها فرصة طيبة للعودة إلى العمل، ربما بوتيرة ابطأ من ذي قبل، وهكذا امتثلت لأمره فقد عرفته رجلا خلوقا وطيبا، ثم طلبت منه أن يرسل لي الديوان لأطلع عليه، وبعد مضي أكثر من شهر كانت هذه القراءة، وهي من زاوية محددة أردت الدخول منها إلى الديوان وارجو أن لا تكون ذريعة لنقد غير بنّاء أو انتقاص لما هو مدوّن بين دفتي هذا الكتاب من أناس غير متخصصين.
لست ناقدا أدبيا، ومع ذلك أرجو أن أكون قد وفيت الديوان حقه. ربما كنت قارئا جيدا وما لفت انتباهي في هذا الديوان عند قراءته هو موضوعه وبالتالي سأدون ملاحظاتي العاطفية لأنني شخصيا اكتب كثيرا في هذا المجال وأحبه، فلست مهتما بقوة أو ضعف القصائد من ناحية اللغة أو نوع الصور الشعرية فيها بقدر فكرتها وموضوعها الساخن.
(حبّ وعصيان) هو الديوان الثاني للشاعر خضر الياس، ومن العنونة يمكن التكهن بموضوع الديوان الرئيس ألا وهو الحبّ، البحث عن الحبّ، السعادة الكامنة في الحبّ، ورحلة البحث هذه كالعادة مليئة بالمعاناة، وتبدأ المعاناة من أول قصيدة، بل من أول بيت...
على سرير الألم
اعتادت وسادتي أن تحتضن دمعي...
وتستمر الذكريات الحزينة في أولى قصائد المجموعة (سفير الألم) إلى أن يفاجئنا الشاعر بحقيقة موجعة يذكرها بقوله:
منذ صباي والربيع..
بين فصولي لم يحل..
وذكرني هذا القول بكلمات الشاعر كامل الشناوي في قصيدته الخالدة (يوم بلا غد) والتي غناها فريد الأطرش حيث يقول فيها من جملة ما يقول:
...أنا عمر بلا شباب
وحياة بلا ربيع...
فالسعادة والفرح بعيدان في قصيدة (سفير الألم) بل في الديوان كله فها هو يتساءل
في قصيدة (عطفا يا ملكة حبي):
إلى متى
هذا الخسوف في قمري؟
إلى متى
استمرار الخريف في عمري؟
هنا نرى بأن الحزن وحده هو السجّان، والآهات والتأوهات والعذاب وقسوة الحبّ، ولكن كلها عطايا من الرحمن ولهذا فهو راض بها كما يقول ويعترف بذلك.
وتستمر المعاناة، وكما أن للحب أشكال وطرق مختلفة فكذلك يختلف معه شكل تعاسة المحب ودرجة تورطه وسهره على أمل إيجاد حل لمعضلته فنراه يؤكد على شكل آخر من المعاناة شكل شائع يعاني منه كل العشاق ألا وهو السهر وهذا ما يؤكده في قصيدة (العشق المحظور):
تنام عيون العالمين
بحلول المساء
وتظل عيوني ساهرة...
وليس له إلى أن يستمر بالسهر ليعاني أكثر ويكتب أكثر فمعاناة الشاعر مضاعفة عندما يعشق ويتجاوز كل الخطوط الحمراء والزرقاء والسوداء ربما ليس فعلا ولكن على الأقل كتابة وشعرا فهو يقول في نفس القصيدة:
سأتجاوز كل الخطوط الحمراء
تلبية لنداء قلبي الهائم بحبك..
نعم فلقد بلغ السيل الزبى ولن يهمه شيء بعد الآن سوى أن يتبع قلبه ويطيع هواه حتى لو كلفه ذلك حياته وسيتجاوز الخطوط الحمراء التي يقف عندها الناس والعشاق عادة.
وأنت تقرأ في هذا الديوان لا تتوقع فرحا أو سعادة بل رحلة شاقة مليئة بالحزن ويطغي عليها اللون الأسود دلالة على ذلك ونراه يعترف هو نفسه بذلك فيقول في قصيدة (الحزن):
صبغ السواد أبيات القصيدة
واجتاح الرثاء السطور
وطاف فيض الدموع السخية
على مفردات الغزل فيها
وجرف إلى وادي الحزن
كل الأوزان والبحور.
وأنا أقول صبغ السواد كل أبيات الديوان، واجتاح الحزن أيام العمر وتسحق مشاعر الفرح كل مساء.
مآخذي على هذا الديوان قد تكون شكلية على الأغلب فعدد القصائد فيها قليل، وكان يمكن تناول أكثر من موضوع وهذا لا يعتبر انتقاصا من قيمة الكتاب الأدبية، وكذلك أصرار الشاعر على الالتزام بالقافية وتكرارها أعطى ضعفا لبعض الأبيات وكان يمكن اجتنابها فقصيدة النثر أنواعها وأشكالها لا تحصى، ولكن كل هذا لا يهمني، فكما قلت (حبّ وعصيان) سفر في الحبّ يكشف ما قد يلاقيه العاشق وقد تكرر هذا الموضوع منذ اختراع الكتابة دون أن يمل منه القارئ ودون أن يتوب المحب وفي القصيدة التي أختار الشاعر أن تكون عنوانا للديوان نرى التمرد أيضا إضافة إلى كل شيء سلبي في روح حبيبته فنراه يصرح بعد أن عجز عن نيل مراده:
تمردتْ على حبي لها
وأعلنتْ على قلبي العصيان
:
:
وفي قمة عذابه يعلن بحرقة وألم:
سيدة العذاب..
لا تهمها مشاعري
وكأنها لا تحمل في جوفها
قلب إنسان..
وبهذا لا يمكن له إلا أن يدعها وشأنها. تذهب أنّى تشاء ومع من تشاء فقد غسل يده منها ومن حبها فلا يمكن للحب أن يغير مساره بالقوّة.
رغم طغيان الحزن والشعور بالوحدة وغدر الحبيب على قصائد الديوان إلا أننا نجد أيضا الغزل فيه ويتجلى ذلك في قصيدة (كتابات مسائية) المكونة من خمسة مقاطع معنونه. يقول في إحدى تلك المقاطع:
وعن شعرك الناعم كالحرير
سأكتب الذي
ما كتبه يوما جرير..
في رأي أشجع ما يصل إليه الشاعر العاشق هو أن يختار اسم حبيبته عنوانا لقصيدة أو يذكر اسم حبيبته في قصيدة حب فنراه قد صرح وجهر بالاسم في قصيدة (سهام) وقد رأيت وقرأت للعددين وهم يشيرون إلى حرف أو ربما حرفين من اسم الحبيبة أو عادة تشتهر بها أو ربما صفة وعندما يشار إلى الاسم صراحة فهذا منتهى الحب وقمة الشجاعة.
الولهان يبحث عن جرعة سعادة في أيام حياته المليئة بجور الحبّ فبقدوم طفل يولد الأمل وتشرق الشمس من جديد على صقيع الحياة ونرى ذلك في قصيدة (بسمة في أواخر حزيران) فلم يفت الأوان بعد للعودة إلى الحياة الطبيعية المليئة بالمسرة:
...طفل كشمعة أوقدت
في ظلمة ليل
أزال عن صدري هموم السنين...
وطبعا لا تكتمل دائرة الحب إلا بصديق صدوق يلجأ إليه العاشق أوقات المحنة وقد ذكر لنا الشاعر ذلك في قصيدة (ولي الحزن) وهو يتحدث عن صديقه فيها نراه يتحدث ـ كما هو حال العاشقين ـ عن حبيبته وعن نفسه.
وهل اكتملت الدائرة؟




دائرة الحبّ، طبعا لا فبدون خانصور لا يمكن أن نبدأ ولا يمكن أن ننهي الحكاية فالقصيدة الأخيرة هي لخانصور وعنوانها (على مشارف خانصور) وجميل هو العنوان ويذكرني ببيادر سيباى.
مبارك لك ولنا ديوانك الجديد شاعرنا العاشق وإلى المزيد من الإنجازات الأدبية الراقية.
مراد سليمان علو
أوسنابروك
صيف 2018



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World