ما مصير القطب الديمقراطي السوري المعارض

منذر خدام
mounzer.khaddam@gmail.com

2018 / 4 / 27


طالعتنا وسائل الاعلام في اليومين الماضيين، وكذلك مواقع التواصل الاجتماعي بخبر استقالة بعض من رموز وقادة الائتلاف السوري المعارض، منهم جورج صبرة وسهير الأتاسي وخالد خوجة، وقد يكون آخرون على الطريق، وكان التبرير الوحيد الذي أعلن عنه كسبب للاستقالة هو انحراف الائتلاف عن خطه السياسي(كذا). ومن المعلوم أن خط الائتلاف السياسي منذ تشكيله كان قائما على التشدد تجاه النظام، فهو لا يقبل أقل من اسقاطه بكل أركانه ورموزه بل ومحاكمتهم، وهو لم يتخل عن هذا الخط حتى اليوم. ومن أجل تحقيق هدفه المركزي هذا فقد استثمر سياسيا وعسكريا في قوى اسلامية متطرفة وارهابية، وكذلك في إمكانية التدخل العسكري الخارجي. لم يبن سياسته يوما على معطيات الواقع بل على الرغبات، وما دامت رغباته لم تتغير فسياسته بقيت كذلك دون تغيير. لا زالت مطالبة هادي البحرة لمجلس الأمن في احدى جلساته غير الرسمية التي عقدت في الشهر الماضي بضرورة التدخل العسكري لإسقاط النظام السوري حاضرة في الذاكرة، علما أن هادي البحرة يعد من معتدلي الائتلاف.
إن تصنيف أعضاء الائتلاف إلى معتدلين ومتطرفين غير صائب، وما يظهر بين الفينة والأخرى في صفوفهم من تمايزات في المواقف السياسية تجاه بعض القضايا المرتبطة بالأزمة السورية لا يمكن تفسيرها من داخل الائتلاف، بل في طبيعة العلاقات السياسية بين الدول الوصائية عليه، فهو في النشأة أو في المسار كان مجرد أداة بيدها. ومن المعلوم ان العلاقات بين الدول الوصائية على الائتلاف، تجاه القضية السورية، قد تغيرت كثيرا في الفترة الأخيرة، من جهة نتيجة للتغيرات الميدانية الحاسمة لصالح الجيش السوري، وبالتالي لصالح النظام وحلفائه، ومن جهة اخرى نتيجة تفجر الأزمات بينها هي ذاتها، مما ازاح الأزمة السورية من دائرة اهتمامها الرئيسة، مما أدى إلى فقدان الائتلاف دوره الوظيفي إلى حد كبير. من الطبيعي والحالة هذه ان تجري انسحابات كثيرة منه، بل لن يكون مفاجئا لنا الاعلان عن حله نهائيا.
على المقلب الآخر فإن قوى المعارضة التي تعرف نفسها عادة بقوى وطنية وديمقراطية، وهو تعريف مجازي إلى حد كبير، لكنها مع ذلك وقفت ضد عسكرة الحراك الشعبي منذ البداية، وضد التدخلات العسكرية في سورية، وكان هدفها المركزي الرئيس هو اجراء تغيير جذري وشامل للنظام الاستبدادي القائم إلى نظام ديمقراطي، وحافظت على قدر كبير من استقلالية قرارها السياسي، تشكل أغلبية المعارضة السورية السياسية. ومع أنه جرت محاولات كثيرة لتوحيدها من قبل مختلف أطرافها في تكتل او تيار سياسي واحد لكن في كل مرة كانت النتيجة الفشل. وان أي تحليل موضوعي رصين لأسباب الفشل لا بد ان يجد ان السبب الرئيس يكمن فيما أسميناه في احدى مقالاتنا بـ "النخب الماركة "،التي تتقدم صفوف هذه القوى، وليس في طرحها السياسي الذي يكاد يكون متطابقا لديها. فهي لا تختلف على ضرورة التغيير الجذري والشامل للنظام إلى نظام ديمقراطي، ولا تختلف على ضرورة ان يكون المدخل إلى ذلك عن طريق اعداد دستور جديد، مع كل القوانين المكملة له، ولا تختلف على ان يكون التغيير سلميا من خلال صناديق الاقتراع...، لكنها تختلف بقوة حول موقع نخبها الماركة ودورها في أي تحالف محتمل. لقد عملنا في السابق كهيئة تنسيق وطنية – حركة التغيير الديمقراطي على إنشاء قطب معارض ديمقراطي، ولا زلنا نعمل، وقد حققنا بعض النجاح، لكن في النهاية لم يكتمل هذا انجاح في تشكيل القطب الديمقراطي المنشود، بل كان الفشل هو النتيجة الحاسمة. لقد نجحنا في التوافق على تفاهمات سياسية كثيرة منها مع جبهة التغيير والتحرير، ومع تيار الغد، ومع تيار التغيير السلمي، ومع بعض القوى الحزبية الكردية، ومع بعض الأحزاب المرخصة، لكن ما إن نطالب بالتنفيذ حتى تظهر المشكلات ذات الطابع الشخصي في الغالب الأعم. في الأسبوع الماضي اطلعت على مقالة للسيد هثم مناع لفت نظري دعوته في نهايتها إلى تشكيل قطب ديمقراطي معارض، فما كان مني إلا أن نقلتها فورا إلى مكتبنا السياسي الذي تعامل معها بجدية، وبناء على تكليفه أرسلت إلى السيد نبراس دلول القيادي في تيار قمح وفي المؤتمر الوطني الديمقراطي السوري الذي يترأسه السيد هيثم مناع اعلمه استعداد هيئة التنسيق الوطنية – حرجة التغيير الديمقراطي للتفاعل ايجابياً مع هذه الدعوة، ولا زلت انتظر الجواب. وفي الوقت ذاته بدأنا بإجراء اتصالات مع تيار الغد، ومع جبهة التغيير والتحرير، وقوى معارضة أخرى للبحث في امكانية إنشاء هكذا قطب. بالنسبة لنا أية قوة تطالب بالتغيير الجذري والشامل للنظام الاستبدادي القائم إلى نظام ديمقراطي حقيقي، يتيح فرصة حقيقة لتبادل السلطة عن طريق انتخابات حرة نزيهة مراقبة دوليا نعده حليفا موضوعيا، ويمكن ان يكون حليفا فعليا لتكوين قطب ديمقراطي معارض. ويتحدد قرب أو بعد هذا الحليف الموضوعي منا بحسب كونه يرى أن أفضل شكل للنظام السياسي في سورية هو النظام الديمقراطي العلماني اللامركزي، ويقف بقوة ومبدئية ضد التدخلات الخارجية في الشأن السوري التي لا تتوافق مع مصالح سورية وشعبها، وبوحدة سورية أرضا وشعبا، وبسيادة الدولة على كامل أراضيها.
إن تشكيل قطب معارض ديمقراطي سوري في الوقت الراهن له اهمية خاصة، خصوصا بعد فشل مسار جنيف التفاوضي، سواء نتيجة تطرف هيئة المفاوضات، وخضوعها لتأثيرات خارجية عديدة، ورهانها على قوى التطرف والارهاب، او بسبب النظام الذي يزداد تعنتا بعد التغيرات الميدانية الحاسمة التي جرت لصالحه في الفترة الأخيرة. وإذا كانت التغيرات الدولية والاقليمية قد تجاوزت الحاجة إلى القوى المعارضة المتطرفة، فهي استنفذت وظيفتها، لكنها سوف تظل بحاجة إلى حامل سوري محلي لتأثيراتها السياسية التدخلية في سورية، ولذلك ليس مستبعدا ان نشاهد ولادة تشكيلات معارضة جديدة مناسبة للمرحلة. لكن حاجة سورية وشعبها ، و الحاجة للمساهمة في الحل السياسي للأزمة السورية، وكذلك حاجة اعمار سورية لاحقاً، تولد طلبا قويا على القوى الوطنية الديمقراطية غير المرتبطة بأجندات خارجية، وهي تشكل أغلبية القوى السياسية المعارضة، فهل تلبي هذه القوى طلب سورية وشعبها وتكون على قد المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقها.



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World