تأثير واحة تافيلالت على محيطها الجبلي بجنوب شرق المغرب

لحسن ايت الفقيه
aitelfakih_lahcen@yahoo.com

2017 / 6 / 5

لئن كان تحديد المجال على أساس طابعه الوظيفي، أي: الوظيفة التي تضفيها الموارد على المجال، هو الوجه، إذ نقول، مثلا: إن هذا مجال زراعي، وضمنه المجال الواحي، وذاك مجال رعوي، وما يتصل به من سهوب وبراري، وهناك مجال قاحل المسمى الصحراوي لدى العرب. وفي وقتنا الحاضر برزت مصطلحات مجالية، كنحو المحيط المنجمي، والوسط القروي، والمجال المعمر، والمجال القابل للتعمير،... فإن للثقافة طابعا يغشى المجال.فالإنسان لا يستقر مطمئنا في المجال حتى يسمه بسماته، ويغلفه بطابعه، ويلبسه لباسا ثقافيا، إن صح هذا التعبير. والمجال، بما هو حيوي، كالإنسان الباحث بشكل دؤوب عن شرعية وجوده، التي تتجاوز أحيانا ما يتوافر من رخاء ووظيفة، للغوص في عالم الغيب. وغنه من الصعب تفسير بقاء الإنسان في المجال الواحي، رغم تدهور الموارد، أو على الأقل قلتها، إذ لم يتأسس على الثقافة. فالثقافة تغشى المجال كما تغشاه العوامل الجغرافية الأخرى، كأن تكون سمتها تضاريسية كنحو المنطقة الكارستية، أو البيومناخية، كمثل الواحة والتصحر والسهوب.
وتعد تافيلالت بجنوب شرق المغرب نطاقا واحيا، لا يكاد يركن إلى الجغرافيا وموارد المجال، إذ يميل دواما ليشكل منهلا ثقافيا ذا سلطة على نطاق واسع. ولم يكن واضعو التقطيع الإداري المغربي عشية استقلال المغرب مجانبين الصواب حينما أحدثوا إقليم تافيلالت، ومثلوه كارتوغرافيا أن يمتد شمالا إلى جبال الأطلس المتوسط، ويغشى شرقا حوض گير، ويغطي جزءا كبيرا من جبال الأطلس الصغير، ويمثل وقتها ربع مساحة المغرب. إذ الإقليم، إقليم تافيلالت معناه المجال الجغرافي المتأثر ثقافيا بتافيلالت. ولما ولد الإقليم شاءت الصدف أن يسند تدبيره للقائد عدي وبيهي، وهو شخصية ثقافية، تؤمن بالمجال بما هو بساط ثقافي.
وبعيدا عن الإدارة والكارتوغرافيا، نسجل أن الأشكال الرمزية رهينة تركن إلى الوظيفة، وأن المركز يؤثر على المحيط. ولما كانت حاضرة سجلماسة، قبل انهيارها ليظهر اسم تافيلالت، هي المركز، فإن كل جنبات الطريق التجارية سجلماسة فاس، بجنوب الأطلس المتوسط، وإلى سهل مالي نطاقا ثقافيا واحدا. ولما نتحدث عن الواحة، نُصيبها – الواحة- تستنسخ أشكالها وأنماطها بالجبال وفي أعالي ملوية، في غياب النخل والرمل، أي: إننا هنا أمام الواحة الباردة، كما يسميها بعضهم. لماذا الواحة الباردة؟ للانتشار النمط المعماري (القصر)، وإن تجرد من العرصات والساحة الداخلية، لكيلا تكون مخزنا للثلوج طيلة أيام السنة.
تمتد الواحة الباردة إلى أعالى حوض ملوية، وأعالى حوض گير وزيز ودادس وواد العبيد (أسيف ملول). والواحة الباردة نسخة طبق الأصل لواحة تافيلالت. وحسبنا أننا نجد بالقصر الجبلي (بما هو سكن متجمع متراص) نمطا ثقافيا يضاهي القصر الصحراوي. فالواحة وسط أنشاته الثقافة على حد تعبير اليونسكو، وثائق اليونسكو. ولما تنهار الثقافة تنهار الواحة. والثقافة كما أظهرها تايلور كل مركي يشمل على المعرفة والأخلاق والفنون، والعرف، والعدات التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضوا في المجتمع.
أين يتجلى تأثير تافيلالت على محيطها؟
1- يتجلى تأثير تافيلالت في الواحات الباردة في بعض الأشكال المعمارية:
نبرزها في العناصر التالية:
أ‌- شموخ الأبراج:
كلنا يعلم أن القصر تحويطة مسورة، تحتوي على دور وخلايا وظيفية. وللتحصين أحدثت ضمن السور الخارجي أبراج تتخللها لغاية المراقبة، وهي مسطيلة أو مربعة في الغالب. وجل أبراج تافيلالت مزينة برمز النخل، وهو رمز معدل عن رمز الشمس. وتتخلل بعض الأبراج معينات تدل على الخصوبة، غن هي إلا رمز المرأة لدى الأمازيغ في بلاد المغارب.
ب‌- الشريط المبستن
جل القصور بتافيلالت وبالواحات الباردة محاطة بشريط مبستن، تعمره شتى المغروسات من أشجار الفاكهة ومزارع الخضر. يسمى بالأمازيغية (إير – إيزان)، وهو اسم مركب من كلمتين: (إير) وتعني الشريط، و(إزان) أي: المغروس. تعربت الكلمة المركبة، وأصبحت تنطق الريصاني أي: (إير- إزاني)، بإضافة ياء النسب، وإبدال الزاي صادا.
ج- المعمار الأمني
المتجول في قصور تافيلالت يلفى بقايا خنادق تحيط بالقصور. ولئن تفسر أنها حُفر، كان السكان، استخرجوا منها تراب البناء، ولن تكون، في الواقع، إلا كذلك، فإن لهذه الخنادق وظيفة أمنية. ذلك أنها ممددة إلى منهل ماء قناة أو ساقية تغذي المزرعة. ويضطر سكان القصر، في عصور لم يستقر فيها الأمن في المغرب، لتطويق كل بناية بواسطة أخدود يُملأ ماء مع غروب الشمس، لمنع العدو من التسلل عبره إلى القصر، والخنادق وسائل اضطرارية لدى كل القصور. وفي الصباح تفرغ هذه الخنادق بواسطة قناة تصريف المياه تمتد، طوبوغرافيا، لتسلك المنحدر، نحو الواد أو بساط الزرع. وإذا ما أريد توظيف الماء في تخريب بناية القصر الترابية، فإن العدو لن يتمكن من ذلك، لأن الخندق حاجز أمني منيع.
ويشكل الخندق المحيط بالقصر واحدا من الوسائل الدفاعية، بتوظيف الماء والطوبوغرافيا، والتي لا تزال آثارها واضحة بقرى لمعاضيد ومزگيدة، وهي نفسها الموظفة في القرى الجبلية المبنية ببساط المزارع الجبلية كنحو تاشيشات، وأيت حمو والحاج وأيت بني يحيى بجماعة امزيزل الترابية.
د – عرصات الفرجة
العرصة فضاء داخلي بالقرية الزراعية، توظف في الغالب في الفُرجة. ذلك أن قصور تافيلالت، لاتفتأ تحتضن حلقات الفرجة، كلما ترددت عليها إحدى الفرق الفنية المتجولة التي دأبت على الاسترزاق كل نهاية موسم زراعي، وتبحث عن نوال مقابل آدائها الفني. وتوظف العرصة في تسويق المنتوجات المحلية الموسمية، أو الدينية. وطالما تستقبل العرصة تاجرا متجولا، يدعى محليا «العطار»، أو حرفي من أبناء اليهود لامتهانهم الحرف. وتشبه عرصة الفرجة (الفوروم) في المدينة الرمانية. وتنبغي الإشارة، إلى أن هذه العرصات تختفي في معمار القرى التي تعلو عن 1600 متر على سطح البحر، لأن الثلوج تملأها أمدا طويلا في الفصل البارد.
هـ - المقرنصات
تكاد مقرنصات سجلماسة القديمة تزين واجهات القصور بالواحات الساخنة والباردة. ولا تفتأ رموز الخصوبة الأمازيغية تتخلل الأبراج كنحو رمز الشمس، ورمز المرأة (المُعين)، ورمز الحمل. وتحمل البروج، فضلا عن الوظيفة الدفاعية رموز الشموخ والتحدي. وتختلف تافيلالت عن أبراج سوس الأدنى من حيث الرمز، لا من حيث الوطيفة. وباختصار، يعد معمار الواحة الباردة نسخة طبق الأصل لمعمار تافيلالت.
2- يتجلى تأثير تافيلالت على جبالها في نهل الشرعية
لئن غزت تافيلالت محيطها الجبلي برموزها، فكان الأسود في زي النساء رمز الانحدار من الصحراء، إن لم يقدر تعبيرا عن الانتماء للشيعة، فإن تافيلالت تعد، أيضا، مصدر الشرعية. فالوثائق والعقود لا تحمل صدقها، وسلامتها، ما لم توثق لدى فقهاء تافيلالت. وإلى حدود 1790 كان الفقيه عبد الله محمد العربي بن محمد الهاشمي يصدق الوثائق، وثائق الملكية والاتفاقيات.
ومنذ القرن السادس عشر الميلادي، نشأ التبرك بالجثث المغلفة ثقافيا في جل المقابر الجبلية، إذ يتوجب استقدام شخصية من تافيلالت زاهدة ناسكة، للتبرك بها في الحياة، ولتدشين بها بساط الدفن في الممات. ومنذ وقتها طفق سكان الجبال يتخلون تدريجيا عن التبرك بالماء والشجر، في رحاب القبور، ويؤسسون للدفن بالأضرحة المجلوب أصحابها من تافيلالت لزهدهم وورعهم. وتكاد القباب تغطي مجالات الدفن الجبلية.
ويعرف عن قبيلة أيت يزدك أنها لا تميل إلى ممارسة الإمامة، على الطريقة الإسلامية، لأن الفعل من نوعه يجرد أفرادها من الشجاعة واللباس العصبي. وبمعنى آخر، فإكراه الدفاع الذاتي، عن المجال الوظيفي، وحراسة الطريق التجارية سجلماسة فاس، يوم ازدهارها، حمل القبيلة على الانقطاع للقتال، وكان مفيدا التخلي عن مسؤولية إعمال كل وظيفة ذات ارتباط بما وراء الطبيعة. هنالك اهتدت القبيلة إلى الاتصال بأسر مؤهلة لتقوم بهذا الدور العقائدي، فأنشأت عقدة تعود إلى سنة 1755 مفادها الاتفاق مع عشيرة آل حامد بواحة مدغرة ترمي تمتيعها بأئمة ينقطعون للممارسة الدينية، وتجهيز الجنائز. وبمقتضى هذا العقد انتشر أفراد عشيرة آل حاميد بجزء من جبال الأطلس الكبير الشرقي وأعالي ملوية، حيث تمتد الواحة الباردة.
لذلك لم يخل التقطيع الجهوي، الذي حمله دستور2011، وتجسد بعيد الانتخابات الجماعية ليوم الجمعة 04 من شهر أكتوبر من سنة 2015، من استحضار تافيلالت الثقافية في الخريطة، أي: إن التقطيع اعتمد على الجغرافية الثقافية.



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World