أفلاطون الفيلسوف الأمثل

داود روفائيل خشبة
dkhashaba@yahoo.com

2017 / 4 / 21

أفلاطون الفيلسوف الأمثل
داود روفائيل خشبة

فى مقال "ما جدوى الفلسفة؟" وعدت بتقديم مقالين عن سقراط وأفلاطون، وقد وفيت بالجزء الأول من وعدى فى 13 أبريل 2017 بتقديم مقال موجز عن سقراط، وللوفاء بالجزء الثانى أستأذن القارئ فى أن أستعين على وهن سنواتى التسعين وضعف بصرى المعوِّق بأن أقدّم أجزاء من الفصل الثالث lن كتابى "دعوة للفلسفة" فى صيغة معدّلة ومختصرة.


1
لم يعطنا أفلاطون بيانا عن مسيرته الفلسفية كالذى أعطانا إيّاه عن مسيرة سقراط فى الـ فايدون. بعض المصادر تخبرنا بأنه بدأ يداوم صحبة سقراط حين كان فى العشرين، لكنى أجده من الصعب أن نصدّق أنه لم يتواصل مع سقراط ولم يستمع إليه وهو صبى. ونسمع أيضا أنه فى باكورة حياته أظهر موهبة فى الشعر والدراما، إلى جانب تطلّعه للعمل السياسى، الذى كان مؤهّلا له بطبيعته وبنشأته. لكن عقلا كعقل أفلاطون، يجد نفسه فى غمرة يونان القرن الخامس قبل الميلاد، ما كان يمكن إلا أن يتشرّب كل تيارات الفكر التى كانت آنذاك تتلاقى وتتشابك فى المجال الثقافى.
كان هيراكليتوس قد أعلن أن كل الأشياء فى العالم الذى يحيط بنا، كل ما يمكننا أن نرى أو نلمس أو نسمع أو نُحسّ على أى نحو، هو فى تغيّر دائم. أشخاصنا ذاتها، من حيث نحن جزء من العالم، لا تبقى على حالها أبدا عبر أى امتداد زمنى. لكن إذا كان الشىء فى تغيّر دائم فكيف يمكن أن نُثبت عنه أى شىء؟ كيف يمكن أن يكون موضوعا لمعرفة؟ ومن الناحية الأخرى كان پارمنيديس يقرّر أن ما هو حقيقى يجب أن يكون واحدا، كُلّا، وغير متغيّر، وأن ما هو حقيقى وما هو معقول هما ذات الشىء.
حين أخذ أفلاطون يصاحب سقراط، كان لسقراط عليه تأثير مزدوج. فى المكان الأول تأثر أفلاطون تأثّرا عميقا بإخلاص سقراط التامّ لحياة الفضيلة بجناحيها، النزاهة الخُلقية والفكرية. وفى المكان الثانى، وجد أفلاطون فى اقتناع سقراط بأن الحكمة الوحيدة المتاحة للإنسان هى فهم عقله هو ذاته، فى ذلك الاقتناع وجد أفلاطون الجواب للغز المعرفة. — فى عالم الأفكار، هناك نجد الحقيقة التى نفاها هيراكليتوس من العالم المحيط بنا؛ فى عالم الأفكار، هناك نجد الكينونة الحقّة والحياة الحقّة.
لم يكن سقراط معنيّا بالعالم الخارجى؛ كان العالم الداخلى للإنسان يستغرقه تماما. من الناحية الأخرى، كان أفلاطون مشغولا كثيرا بالعالم الفيزيقى، ولو أن انشغاله ذلك كان على نحو سلبى؛ إنه لم يسمح لنفسه أبدا بأن ينسى أو يغتفر خداع وزيف العالم. فنقرأ فى محاورة فايدون:
"ألم نقل منذ حين إن الروح حين تستخدم آلية الجسد فى أىّ بحث، سواء عن طريق البصر أو السمع أو أى حاسّة أخرى (لأن استخدام الجسد يعنى استخدام الحواسّ) فإن الروح يجرّها الجسد إلى عالم التحوّل، وتضلّ طريقها وتصبح مضطربة دائخة، كأنما سكرت بملامستها لأشياء من هذا القبيل؟"
"بالتأكيد."
"لكنها حين تبحث بذاتها، تمضى إلى عالم ما هو نقى ودائم وباقٍ ولامتغيّر؛ ولكونها من طبيعة مماثلة، فإنها حين تستقلّ وتتحرر من التداخلات، ترتبط بذاك دائما ولا تعود تهيم، بل تبقى، فى عالم المطلق ذاك، ثابتة غير متغيّرة، إذ تلامس كائنات من طبيعة مماثلة. وهذه الحال للروح هى ما ندعوه الحكمة."
أخذ أفلاطون عن سقراط تمييزه الجذرى بين عالم المعقولات وعالم المحسوسات. عالم المعقولات هو عالمنا الداخلى، الذاتى؛ وعالم المحسوسات هو العالم الخارجى، الموضوعى. عالم المعقولات هو موطن العقل الفاعل: هذه هى بصيرة أفلاطون العظيمة ، هبة أفلاطون العظيمة لنا. كل ما عدا ذلك عالم من ظلال تتهاوى إلى العدم بلا انقطاع. المعقولات وحدها حقيقية، وحدها لها معنى وقيمة فى ذاتها وتعير المحسوسات معناها وقيمتها. الإنسان، كعقل فعّال، لا يدرك المعقولات فحسب؛ إنه يكوّنها، يُبدعها، وعندئذ، وعندئذ فقط، يشارك فى الحقيقة.

2
تحتلّ الجمهورية فى عالم الفلسفة عن جدارة المكانة التى تحتلّها سيمفونية بيتهوفن التاسعة فى عالم الموسيقى، وجزؤها الأوسط من منتصف الباب الخامس حتى نهاية الباب السابع هو قلب كل فكر فلسفى. فى الباب الخامس، بعد أن يقدّم أفلاطون مقولته الشهيرة بأنه لن تكون هناك نهاية لمتاعب الدنيا حتى يحكم الفلاسفة (473 جـ-د)، يشرع فى محاولة لبيان ما نعنى بالفيلسوف، وإذ يفعل هذا فإنه يعطينا فى نحو سبعين صفحة زُبدة ولُبّ كل الفلسفة.
الفيلسوف يتملّكه عشقه لما هو حقّ. أن نرى ما هو حقّ يعنى أن نرى ما هو حقيقى فى ذاته. إن الأشياء المتعدّدة المتغيّرة التى تحيط بنا مشبَعة باللاحقيقة. صِدقها هو بالضرورة نسبى وحقيقتها عارضة. أىّ معرفة تتّصل بمثل هذه الأشياء لا يمكن أن تكون ذلك الفهم الأعلى الذى يطلبه الفيلسوف، بل تكون بالضرورة مجرّد معرفة ظلال. فى عالم المعقولية الخالصة وليس فى سواها نكون فى تواصل مع الحقائق اللامتحوّلة، اللامتغيّرة.
لكن أفلاطون لم يكن ليستريح إلى تعدّد المفاهيم بأكثر مما كان يستطيع أن يستريح إلى تعدّدية وتحوّل عالم المحسوس. كان عليه أن يصعد سُلّم المفاهيم إلى مفهوم أعلى.
قى فقرة قصيرة فى الباب السادس (490 أ)، فى كلمات مسحورة، خصبة بمقدار ما هى سديمية، يرسم أفلاطون طريق الارتفاء الفلسفى. من عدم الرضى بتحوّل ونسبية المتعدّد – التحوّل والزيف والنقص الذى ينطوى عليه كل وجود فعلى محدود – ينطلق الفيلسوف بحثا عن الحقيقى، الأزلى. يجد ضالته فى ‘الأفكار الخالصة’، المفاهيم الجوهرية التى تضفى على ‘الموجودات المتعدّدة’ ما لها من حقيقة ومن قيمة. المَلَكة التى بها يدرك تلك المفاهيم هى ذاك الشىء فيه، فى كل فرديّته المركّبة، الذى يعلو فوق التغيّر ويسمو على القيود. الفعل الذى به يدرك المفاهيم الجوهرية هو أحقّ وأكمل حقيقة يعيها وعيا مباشرا. فى فاعلية الفكر يبلغ كمالا يهيّئ له معياره لكمال الحقيقة. هكذا، إذ هو يصبح حقيقيا فى ذاته – إذ يصبح واحدا مع الكينونة الحقيقية – عندذاك يعرف الـ حقيقة. هذه المعرفة، هذا الاتّحاد مع الحقيقة، يشكّل كل حياته وكل فكره. هذا هو نبع وشرط كل فهم وكل نشاط يصدر عن وعى وإرادة.
فيما بعد يقول لنا أفلاطون إن ما يعطى الحقيقة للأشياء التى تُعرف ويعطى قدرة المعرفة لمن يَعرف هو مفهوم الـ خير. إنه مصدر االفهم و‘الحقيقة’ (الكينونة)، إلا أنه غير هذين ويفوقهما حُسنا. (508 هـ-509 أ). حين يُطلب من سقراط أن يعطى بيانا عن الـ خير، فإنه يلجأ إلى التشبيه، فيمثّل للـ خير بالشمس، وبعد ذلك يعطينا أمثولة الكهف البديعة الشهيرة.

3
يبقى أفلاطون أمينا لروح سقراط حين يصرّ على أن الفكر الفلسفى لا يمكن حبسه فى أى صياغة لغوية محدّدة. هذا أساس ريبته فى الكلمة المكتوبة، تلك الريبة التى يُظهرها فى الـ پروتاجوراس، ويعلنها لنا أكثر جلاء وأكثر قوّة فى الـ فايدروس (347 جـ-278 هـ)، حيث يؤكّد أنه من الحماقة أن يظنّ المرء أن أى نَصّ مكتوب يمكن أن يؤدّى معنى واضحا محكما. هذا أيضا أساس إصرار أفلاطون فى الجمهورية على أن الفلسفة يجب أن تنقض على الدوام كل افتراضاتها ومقدّماتها. واتّساقا مع هذا يحذرنا أفلاطون على امتداد المحاورات، المرّة تلو المرّة، أحيانا بكلمات صريحة، وأحيانا بوسائل درامية أو أدبية مختلفة، من أن نأخذ ما يقال بحَرفية شديدة أو بجدّية زائدة عن الحدّ.
فى الرسالة السابعة يكتب غاضبا عن أولئك "الذين كتبوا أو يعتزمون أن يكتبوا عن هذه المسائل، مدّعين معرفة بالمسائل التى أنا معنىّ بها ... ليس لى شىء مكتوب حول هذه الأمور، ولن يكون أبدا. فهذه المعرفة ليست شيئا يمكن أن يوضع فى كلمات مثل المعارف الأخرى؛ إنما بعد تواصل يستمرّ طويلا بين المعلّم والتلميذ، من خلال السعى المشترك فى الموضوع، فجأة – مثل ضوء يسطع حين توقد نار – تولد المعرفة فى الروح وتوّا تغذّى نفسها بنفسها" (314 جـ-د).
أيًّا ما كانت الملابسات التى عبّر أفلاطون فى غضونها عن هذه الآراء، فإنى أراها تحمل مغزى عميقا لم نتبيّنه بدرجة كافية من الوضوح حتى اليوم.
حين "أنزل سقراط الفلسفة من السماء إلى الأرض" (كما جاء فى قول مشهور)، لم يُحدِث تغييرا فحسب بل حوّل تماما معنى وطبيعة الفلسفة إلى ما لم تكنه من قبل. بعد سقراط لم يعد للفلسفة أن تعنى بالعالم الطبيعى بل بالأفكار والمُثُل التى تشكّل حياتنا الروحية. حين عاد أفلاطون بالفلسفة إلى البحث عن الـ حقيقة، لم تكن تلك الـ حقيقة هى طبيعة الأيونيين، ولا كينونة پارمنيديس، ولا الكون الطبيعى، إنما أوجد لنا أفلاطون مفهوم الحقيقة الميتافيزيقية التى نستشفها حين نتعمّق حقيقتنا الذاتية، ونسعى للتعبير عنها، ويُكسبنا هذا السعى فهما لأنفسنا، لكننا عبثا نحاول أن نقيّد أو أن نحبس هذه الحقيقة وهذا الفهم فى صياغة فكرية أو لغوية محددة، فالفلسفة كما أدرك أفلاطون ليست معرفة يفينية محددة، بل هى نمط حياة، نمط الحياة الفلسفية الذى يتحقق فى السعى الدؤوب لمعرفة ذاتنا وتمحيص مفاهيمنا وقِيَمنا وأهدافنا كى نعيش حياة إنسانية حقة فى نور وفى هداية العفل.
داود روفائيل خشبة
21 أبريل 2017
https://philosophia937.wordpress.com
للآطلاع على مدوّنتى وتنزيل كتبى باللغة الإنجليزية.



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World