عداء أهل الحديث لأهل الرأي و العقل

مولود مدي
mr.syfaxx@gmail.com

2017 / 3 / 21

رحل رسول الاسلام بعد ان استكمل ادخال جميع الجزيرة العربية من اليمن الى اقصى الجنوب الغربي حتى البحرين في اقصى الشمال الشرقي في الاسلام فكان من الطبيعي أن يختلف المسلمين فيما بينهم, فبعدما كان الخلاف خلافا سياسيا بحتا في سقيفة بني ساعدة حول من الأحق بقيادة المسلمين بعد الرسول توسعت الخلافات بين المسلمين و تحولت الى خلافات في الدين نفسه بنشأة مذاهب اسلامية جديدة حاولت حصر الاسلام في جماعتها و من لم ينضوي في جماعتها دائما ما يتعرض للسب و الشتم و التكفير و الطعن و أخيرا القتل, ولكي يعزز كل مذهب موقفه ظهرت أحاديث منسوبة للرسول تنتصر فيها لمذهب معين فشاع التلفيق و الافتراء على الرسول لان السنة لم تكن مدونة، ولم تجتمع الكلمة عليها، ولم تنشر بين الناس لتكون مرجعا لهم على السواء، بل كانت تتناقل بالرواية والحفظ،, و من عادة اغلبية الجمهور أن يتعامل مع ذلك النوع من الأحاديث بشيء من السلبية بحيث يقبلها دون مناقشتها حتى أن البعض من الأحاديث المخالفة لأصول الاسلام التي منبعها القرأن أصبحت من أصول الدين و هذا ما زاد في تشتت صفوف المسلمين, فظهر العديد من الفقهاء من قاوم الأحاديث الملفقة بوضع شروط صارمة لها و اخضاعها للنقد أو عدم الاعتراف بها و التحذير منها و من المذاهب التي قاومت عمليات تلفيق الأحاديث مذهب " أهل الرأي ".

هناك الكثير من النّاس يعتقدون أن مدرسة " أهل الرأي " تم تأسيسها على يد الامام " أبي حنيفة النعمان " ولكن في الحقيقة من أرسى قواعد القياس و الرأي هم جملة من الصحابة ( عمر بن الخطاب و علي بن أبي طالب ثم عبد الله بن مسعود ) لكن التأثير الكبير لهاته المدرسة كان من طرف " أبي حنيفة النعمان مؤسس المذهب الحنفي الذي نشط في الكوفة في العراق, فكان أصحاب هذه المدرسة يرون أن أحكام الشرع معقولة المعنى، مشتملة على مصالح راجعة إلى العباد، وأنها بنيت على أصول محكمة وعلل ضابطة لتلك الأحكام, لذا شجعوا على استخدام القياس و اعمال الرأي في القضايا الفقهية , فكانوا يبحثون عن تلك العلل ويجعلون الحكم دائرا معها وجودا وعدما، ونتج عن هذا أنهم ردوا بعض الأحاديث لمخالفتها تلك العلل و كانوا يتشددون في معايير قبول الأحاديث وهذا العامل سببه أن العراق كانت نقطة احتكاك المسلمين مع أصحاب الحضارات الأخرى مثل الحضارة الفارسية و غيرهم لذا من شأنه أن يولد كثيرا من المسائل الجزئية التي لا يمكن للفقهاء أن يجدوا لها جوابا صريحا في نصوص الكتاب واحاديث الرسول مما يستدعي اعتماد الرأي والقياس، فروي عن إبراهيم النخعي أنه قال " إني لأسمع الحديث الواحد فأقيس عليه مائة شيء " كما كانت صراعات الفرق و المذاهب الاسلامية دورا كبيرا في صرامة الأحناف في التعامل مع الأحاديث لأن العراق كانت موطن " الخوارج " و " الشيعة " و غيرهم الذين اعتمدوا الوضع في الحديث تأييدا لمذاهبهم, وهذا ما جعل علماء هذه المدرسة يقلّون من رواية الحديث ويتحفظون منها تحرزا من الوقوع في فخ الأحاديث الملفقة, كما كانوا يرفضون جملة و تفصيلا خبر الأحاد فمن غير المعقول أن يتم قبول حديث رواه صحابي واحد فقط فأحاديث الأحاد هي أحاديث ظنية الدلالة عكس القرأن الذي هو قطعي الدلالة وهذا مادفع بالجهلة و الحاقدين الى اتهام " أهل الرأي " بانكار السنّة فكان كل تيّار ينتقد الأحاديث و يحث على التحقق من صحّتها يتم رميه بالزندقة و الكفر, وكانت مدرسة " أهل الرأي " تتميز بالبساطة و الوضوح و التيسير فكانت هذه العوامل سببا في شهرة و حسن سمعة هذه المدرسة بين النّاس.

لكن " أهل الرأي " لم يكونوا وحدهم في الساحة فمن الطبيعي أن تظهر مدرسة أخرى تقاوم " أهل الرأي " فأشد عدو يقف أمام العقل هو التقليد وقتل الرأي بأي طريقة لأن البشر بطبيعتهم لا يثقون في الجديد لا يحبون درب العقل و التجديد و ينظرون اليهما على أنهما خروج على الدين وتقاليد الأباء فالتعصب للماضي و السابقين كان أهم عامل في ظهور مدرسة " أهل الحديث " الذين لم يكونوا سوى مقلدين فكانوا يكرهون البحث في المسائل الفقهية التي لم يرد فيها نص لأنهم لايعترفون بالقياس الا عند الضرورة القصوى لأن قربهم من " المدينة المنورة " أكسب فقههم طبيعة البدوية فلم يحتكوا بالحضارات الأخرى و هذا ما ساهم في تغذية الوهم عندهم أن فقههم صالح لكل زمان و مكان وهذا الوهم لا يزال حيّا لحد الأن فتصوروا انهم كتبوا في كل شيء ولم يتركوا أي تفصيل وهذا هو سبب عدائهم الشديد ومعاملة " أهل الرأي " و كأنهم كفّار و زنادقة.
تمثلت مدرسة " أهل الحديث " بالاعتماد على الحديث النبوي كمصدر ثاني للتشريع فاجتهد فقهاء أهل الحديث في تجميع الحديث و تدوينه بطريقة تقنع النّاس, فظهرت مؤلفّات كثيرة و منها " الموطأ " لـ" أنس بن مالك " و " المسند " لـ " أحمد بن حنبل " فكان مجموع ما دونه " المالكية " و "الحنابلة " ما يزيد عن ثلاثون ألف حديث لكن المشكلة لم تكن في العدد بل التساهل في جمع الحديث و اعتبار أحاديث الأحاد و الاحاديث المشكوكة في أصلها أي الضعيفة مصدرا للتشريع ف "أحمد بن حنبل قال " الحديث الضعيف أحب الي من رأي أبي حنيفة الحسن " لذا تميز المذهب " الحنبلي " بتوسعه في الأخذ بخبر الأحاد أما " المالكية " فحجتهم في قبول خبر الأحاد هو أن أهل " المدينة " قد عملوا به وقد كانوا أدرى النّاس بما فعل الرسول, فكانت ثمرة هذا الاتجاه هو بروز أكبر مصنف للأحاديث " صحيح البخاري " لـ " محمد بن اسماعيل البخاري " فتمت فيه عمليات " الفلترة لما يحتويه " الموطأ " و " المسند " ودوّن فيه " البخاري " ما اعتقد أنه صحيح لكن من يحلّل كتاب " البخاري " يجد أن أكثر الناس من أخذ منهم الحديث هم أصلا أعداء لـ " ابي حنيفة النعمان " فترواحوا بين مكفّر و لعّان لأهل الرأي و لـ النعمان " خاصة و نذكر منهم :
1)-عبد الله بن الزبير الحميدي : أعظم شيوخ الحديث عند البخاري وقد روى له خمسة و ثمانون حديثا لكن " الحميدي " كان متطرفا و تكفيريا لـ أبي حنيفة النعمان " و الدليل كتابه " الرد على النعمان " كفّر فيه " الأحناف " و قال فيهم ( قال أبو العباس السراج سمعت محمد بن إسماعيل يقول الحميدي إمام في الحديث قال الفربري حدثنا محمد بن المهلب البخاري حدثنا الحميدي قال والله لأن أغزو هؤلاء الذين يردون حديث رسول الله أحب إلى من أن أغزو عدتهم من الأتراك – يقصد الأحناف - ) وكان " الحميدي " حنبليا يكره " أهل الرأي " وظهر في عصر اشتد فيه الخلاف بين " أهل الرأي " و " أهل الحديث " لكن تحامل " أهل الحديث " على " أبي حنيفة النعمان " كثيرا وكانوا يرونه كافرا خارجا عن الاسلام.
2)-نعيم بن حماد : ويعرف ب " شيخ البخاري " فكان ملازما له ولكن روى له القليل من الاحاديث لأن الفقهاء طعنوا فيه لكثرة كذبه و اختراعه لقصص تشوّه من سمعة " أبي حنيفة النعمان " وقد قال الذهبي عنه في " سير اعلام النبلاء " أنه وضع كتبا في الرد على " الأحناف ".
3)-محمد بن عرعرة : وروي له البخاري عشرون حديثا فيها ردود على مدرسة " أهل الرأي " وألصق فيهم تهمة " المرجئة " وهي التهمة التي تسببت في ابتعاد النّاس عن " أبي حنيفة النعمان
4)-أيوب السختياني : وكان معاصرا " لأبي حنيفة النعمان " و روي له البخاري سبع أحاديث وكان ممن يشتمونه و يكفّرونه وقد قال فيه " لقد ترك أبو حنيفة هذا الدين " ( عبد الله بن أحمد في كتاب السنة ص 224 و 223 ) ويحكى أنه رأى " أبي حنيفة " في الحرم المكي فقال لأصحابه " قوموا لا يعدنا بجربه , قوموا لا يعدنا بجربه " فلم يقصد أن " أبي حنيفة " كان أجربا بل كانت هذه شتيمة واضحة له.

هذا هو حال روّاة " البخاري " فتارة يتهمون " أهل الرأي " ب" المرجئة " و تارة يكفّرونهم وبعد ذلك يخرج علينا أشباههم ليفتوا لنا بأن هؤلاء هم سلف صالح من المحرّم الخروج عليهم ! وليس فقط روّاة البخاري من نشر الأكاذيب في حق " الأحناف " بل حتى أتباع المذهب " الحنبلي " أيضا فزعموا أن " أبي حنيفة " قد كفر و استتيب من كفره وكان الأوزاعي فقيه " السنّة " يكرهه شديد الكره يُروى في ذلك أن الأوزاعي فقيه الشام الذي كان معاصرًا لأبي حنيفة، قال لعبدالله ابن المبارك؛ مَنْ هذا المبتدع الذي خرج بالكوفة ويُكنى أبا حنيفة؟ فلم يجبه ابن المبارك، بل أخذ يذكر مسائل عويصة، وطرق فهمها والفتوى فيها، فقال: مَنْ صاحب هذه الفتاوى؟ فقال: شيخ لقيته بالعراق. فقال الأوزاعي: هذا نبيل من المشايخ اذهب فاستكثر منه. قال: هذا أبو حنيفة, ثم اجتمع الأوزاعي وأبو حنيفة بمكة، فتذاكرا المسائل التي ذكرها ابن المبارك فكشفها فلما افترقا قال الأوزاعي لابن المبارك: غبطتُ الرجل بكثرة علمه، ووفور عقله، واستغفر الله تعالى، لقد كنت في غلط ظاهر، الزم الرجل فإنه بخلاف ما بلغني عنه ( الخيرات الحسان ص 33 ) فعلى الأقل " الأوزاعي " أدرك خطأه و مدى ظلمه لـ " ابي حنيفة " فهذا يدل أن غالبية من يتهمون " أهل الرأي " بالكفر هم مجموعة من الجهال و المتحاملين و شرذمة من الأغبياء الذين حفظوا حفنة من الأحاديث فاغتر بهم الحمقى ونصبوهم علماء فلم يعرفوا أن العلم أخلاق و معاملة حسنة وليس في " قال فلان " و أقوال جلسات المصاطب.
ان عداء " أهل الحديث لـ أهل الرأي " لم يتوقف هنا فقد بلغ الحقد باختراع أحاديث تحذّر من اتباع " أهل الرأي و المضحك أن هذه الأحاديث جاءت من طرف ممن نصبوا أنفسهم " اسودا " للحديث وبعد ذلك يقولون لك أن ذلك غيرة على السنّة !, وباختصار يمكن قراءة الصراع بين " أهل الرأي " و " أهل الحديث " كأنه صراع بين تيار التجديد و التنوير و بين تيار التقليد و الجمود لكن هذا التيّار الأخير لم يتورع في توظيف الحديث و تلفيقه لكي ينتصر على أنصار العقل لانهم لم يملكوا ما يواجهون به " أهل الرأي " فلو سلكوا درب العقل فسيكونون في نفس زاوية " أهل الرأي " ولكن هذا اعتراف بالهزيمة فلجئوا الى الحديث فتوارثت الاجيال خرافات و إبداعات لم تكن من وحي الرسول بل من وحي فقهاء " اهل الحديث " كـ المعلوم من الدين " و " الفرق الضالة " فكان الكافر آنذاك من يخرج على رأي " أحمد بن حنبل " وليس رأي الرسول ! فمن أراد أكل أموال الناس بالباطل و حكمهم بالقوة بكفيه " قال فلان عن فلان بن علان " لكن الأمر المثير للسخرية أن فور أفول نجم " أهل الرأي " بدأ فورا الصراع بين " أهل التقليد " أي بين المالكية و الشافعية و الحنابلة فهي صراعات لم تكن من أجل الدين و انما من أجل النفوذ ! فظهر من المالكية من يفتي بكفر الحنابلة كالقاضي " أبو بكر بن العربي " في كتابه العواصم من القواصم " فلو لم يكن الصراع حول الدين فعلى أي امر يكون ؟ .

رغم التشويه الذي لحق بـ" أهل الرأي " لكن يكفيهم فخرا أنهم هم من انتهجوا نهج الصحابة ممن قدمّوا الرأي على الرواية وقد نهجوا في ذلك نهج " عمربن الخطاب " و "عبد الله بن مسعود " الذي تميز بشدة التثبت في الرواية وعدم الإكثار في التحديث عن ، فقد كانوا يتهيبون من الرواية عنه ولا يتهيبون من الرأي وكانوا أدرى الناس بمقاصد الشريعة الاسلامية فليخرج لنا " أهل الحديث " اسم عالم واحد منهم من قال بتعطيل حد واحد في الشريعة الاسلامية كما سبق لـ" عمر بن الخطاب " و أن فعل في عام الرمادة بسبب تقديمه الرأي على النص, فالاصل في الشريعة أن تبحث عن العلل والمقاصد وليس ان تؤلف لي كتبا لتحكي لي ماذا قال فلان وعلان و تجبرني على ان أحوّل كلامه الى تشريع مقدس!



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World